مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > الولایات المتحده > المقالات والدراسات >  الاستراتيجية الأميركية أمام الامتحان
الاستراتيجية الأميركية أمام الامتحان نسخة للطابعة ارسال الی صديق
  بقلم : ديدييه بيليون
 
                                               الجمعة 12-09-2008م الموافق 11 رمضان 1429 هق

 
 
 
اهتمت وسائل الإعلام العالمية بأدق تفاصيل عمليات تعيين الديمقراطيين والجمهوريين لمرشحيهم في الانتخابات الرئاسية الأميركية في شهر نوفمبر المقبل. وقد بدا ذلك الاهتمام مبالغا فيه جدا؛ فلم تكن هناك مفاجآت تلوح في الأفق خاصة إذا تم النظر للمسألة على أنها شأن داخلي أميركي.

مع ذلك، نحن ندرك أن مستقبل العلاقات الدولية لن يكون هو نفسه في حال فوز هذا المرشح أو ذاك في هذه المنافسة الانتخابية. وهناك عدّة نقاط عرفتها الأحداث الدولية خلال الأسابيع الأخيرة تبيّن جيدا أن العديد من مسائل العالم تتعلّق بسياسة واشنطن وبمبادراتها.

في أفغانستان أولا. إن شهر يوليو الماضي شهد للمرة الأولى سقوط عدد أكبر من الجنود الأميركيين في المعارك بأفغانستان يفوق عدد القتلى منهم في العراق ويضاف إلى هذا مقتل عشرة جنود فرنسيين. ومن المعروف أن العمليات الحربية كانت دائما في أفغانستان تحت قيادة الحلف الأطلسي، أي الولايات المتحدة.

بالمقابل هناك وقع سيئ للتصريحات التي تتكرر باستمرار حول عدالة المعركة القائمة باسم محاربة الإرهاب ومن أجل القيم الديمقراطية. ومهما قيل فإنه يتم النظر إلى قوات الحلف الأطلسي من قبل الأفغان على أنها جيش احتلال وبالتالي تلقى حركة طالبان دعما صريحا متزايدا بمقدار ما تعزز فيه قوات التحالف من مواقعها. ولعلّه قد حان وقت التفكير بالأهداف الحقيقية لهذه العملية ـ التي تفوح منها رائحة النفط ـ والاحتجاج على الهرب الأميركي إلى الأمام المترتب عليها.

وجورجيا ثانيا. هذه الأزمة تحمل بوضوح بصمات واشنطن. إن الخصومات الموجودة بين جورجيا وأوسيتيا الجنوبية وأبخازيا قديمة. لكن كان قد جرى تصنيفها منذ عام 1992 كـ «نزاعات مجمّدة» ولم تتحول منذئذ حتى الآونة الأخيرة إلى حرب مفتوحة.

ولا شك أن قرار الرئيس الجورجي القيام بهجوم على أوسيتيا الجنوبية يوم 8 أغسطس الماضي هو الذي أولعها. وكان ذلك القرار مستَلهما إلى حد كبير من إستراتيجية البيت الأبيض وهناك عدد هام من المستشارين العسكريين الأميركيين في جورجيا.

كان المقصود، عبر استخدام الرئيس الجورجي المخلص لأميركا كـ «بيدق» على رقعة الشطرنج الدولية، هو إفهام روسيا أنها لم تعد لها سلطة في هذه المنطقة وأنه عليها أن تقبل بموازين القوى الجديدة وبأفق رؤية جورجيا عضوا في الحلف الأطلسي على المدى المتوسط.

كان ذلك خطأً كبيرا وعدم فهم كامل بأن روسيا لم تعد في الوضع الذي كانت عليه قبل عشر سنوات. والرئيس الجورجي ساكشفيلي اقترف بناء على نصيحة أصدقائه الأميركيين، خطأ فادحا في التحليل عبر تقليله من مدى رد فعل موسكو. وربما كان مطمئنا للمكانة الخاصة التي توليها واشنطن له وللدعم الكبير في مجال تجهيز جيشه ' لكنه انخدع تماما عندما فكّر أنه يمكن للولايات المتحدة أن ترسل قواتها لنجدته.

إن ما تلاقيه هذه القوات في العراق وأفغانستان يثقل عليها وهي لا تمتلك إرادة ولا قدرة فتح جبهة جديدة غير مضمونة النتائج.

ويمكن المقارنة بهذا الصدد مع الوضع في كوسوفو التي كانت روسيا قد استاءت كثيرا من الاعتراف باستقلالها. في الوقت الذي أولت فيه المجموعة الدولية المزعومة دعمها الكامل للكوسوفيين الراغبين في التحرر من صربيا، تبنّت بالمقابل موقفا مغايرا جذريا حيال الأوسيتيين الجنوبيين والأبخازيين.

ولعلّه يمكن القول أن أغلبية من هؤلاء وأولئك يحسّون أنهم ينتمون إلى روسيا بنفس الطريقة التي يحس بها الكوسوفيون، بأغلبيتهم، أنهم ألبانيون. ثمّ إن الرئيس الجيورجي ميخائيل ساكشيفيلي لعب نفس الدور الذي كان قد لعبه سلوبودان ميلوزفتش.

هذه المعطيات ترغمنا على التريّث أمام المبادئ الكبرى التي أعلنتها المجموعة الدولية المعنية فيما يخص مفهوم التدخّل لأسباب إنسانية أو حق الشعوب بتقرير مصيرها. إن هذه المبادئ يتم تطبيقها حسب درجات متفاوتة تبعا لمدى التوافق أو الولاء الذي يبديه هذا البلد أو ذاك، وهذا النظام أو ذاك، مع الإدارة القائمة في واشنطن. ومثل هذا الوضع ليس صحيّا بالنسبة لمستقبل العلاقات الدولية.

والدرع المضادة للصواريخ أخيرا. إن ما يثير القلق بشكل خاص هو الغياب شبه الكامل لردود الأفعال الأوروبية حيال توقيع السيدة كوندوليزا رايس يوم 20 أغسطس -الماضي لاتفاق أميركي ـ بولندي يرمي إلى إقامة جزء من الدرع المضادة للصواريخ في بولندة.

هذا القرار لا يتعارض مع الإرادة المعلنة عن تبنّي سياسة أوروبية للأمن والدفاع فحسب، لكنه يشكّل في الواقع تحريضا حيال روسيا ويبدو أنه يندرج في نفس المنطق السياسي لعملية جورجيا في أوسيتيا.

هذه الأحداث التي عرفتها الساحة الدولية لا ينبغي لها أن تقودنا إلى خطأ في التشخيص. الأمر لا يتعلق بعودة إلى الحرب الباردة ،فنحن في الواقع أمام تنشيط كتلتين عسكريتين تتواجهان وتدخلان في حرب إيديولوجية ولديهما شبكة راسخة من التحالفات في جميع القارات. وما نحن أمامه هو سياسة تقوم على القوّة يدافع كل طرف فيها «بهذا القدر من العدوانية أو ذاك» عن مصالحه الوطنية.

==========================================
كاتب ومحلل سياسي فرنسي


ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement