مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > الولایات المتحده > المقالات والدراسات > ملامح إستراتيجية أميركية جديدة في المنطقة والعالم
ملامح إستراتيجية أميركية جديدة في المنطقة والعالم نسخة للطابعة ارسال الی صديق
 
                                                   الثلاثاء 26-08-2008م الموافق 24 شعبان 1429 هق

 
 
تتقاطع المؤشرات، والاحداث، والوقائع، وتشير الى حقبة تاريخية جديدة يتحفز لها العالم برمته، وفي الاخص قلبه منطقة الشرق الاوسط، والعالمين العربي والاسلامي.

المؤشرات، والاحداث تعطي الدراسات، والابحاث التي كان قد سطرها الكثير من الباحثين وتنبؤات بمتغيرات جوهرية قيمة متعاظمة، وتفيد ان متغيرات كثيرة حصلت، وفي طريقها لارساء قواعد وضوابط تفاعل بين الامم، القارات، المناطق على نحو مغاير لما شهده العالم لقرون طويلة.

تبدو اهم المعطيات الدالة على المتغيرات القادمة من الولايات المتحدة الاميركية نفسها، فالولايات المتحدة مازالت تترك تطوراتها وخياراتها الاستراتيجية الواعية او الاضطرارية بصمات وتأثيرات عملية على كل ما يجري في العالم وخاصة في المنطقة وبيئتها.

مؤشرات الولايات المتحدة الاميركية:

- الصعود المشغول للمرشح اوباما، وحصول ما يشبه الاجماع عند المراقبين، ومؤرخي الانتخابات الرئاسية، واستطلاعات الرأي على رجحان احتمال توليه الادارة الاميركية.

- عزلة ادارة بوش بعد اقصائها عن السياسات الخارجية والعسكرية من قبل المؤسسة الحاكمة الممثلة بوزير الدفاع غيتس، والشروع بتطبيق تقرير بيكر هاملتون.

- الحيوية الشعبية الاميركية في الانتخابات الرئاسية، ودور المهمشين والشباب، وظاهرة التمويل الشعبي لاوباما بدل الشركات ورؤوس الاموال.

- تراجع وانحسار نفوذ المحافظين الجدد، وتصدعهم، ونهوض حملة شعبية واعلامية واسعة ضدهم، وضد اللوبيات وفي طليعتها الايباك.

- ضغط الازمات الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها سياسات الادارة الاميركية البوشية، وبلوغها مرحلة التأثير على الانتخابات والتوجهات الاميركية، وتضافرها لمرة نادرة مع قضايا السياسات الخارجية والتورط العسكري خاصة في الشرق الاوسط.

- سيادة مناخ عام لدى النخب الاميركية يجزم بتراجع السيطرة الاميركية على العالم، وسقوط النظام الاحادي القطبية، وقيام نظام عالمي متعدد، وصعود ظاهرات الاقليمية الجديدة، منها دراسات لرتشارد هاس "سقوط الهيمنة الاميركية على الشرق الاوسط"، واولبرايت، وكوندوليز رايس "محاضرتها نهاية 2006 عن السياسات الخارجية في عالم مضطرب" ومقال كسينجر "الثورات الثلاث"، وجيمي كارتر، ونبوءة ايمانويل فاليرشتاين ان يعيد العراق هيكلة اميركا نفسها، والاهم تقرير بيكر هاملتون الذي اعدته نخبة اميركية تمثل المؤسسة الحاكمة وقد خلص الى توصيات تقر بتراجع الهيمنة والنفوذ الاميركي وباستحالة تحقيق الهيمنة على الشرق بالقوة العسكرية والعدوانية، وتضع استراتيجية جديدة للادارة الاميركية في العراق، وفلسطين، ومع العرب والمسلمين.

- حصول متغيرات نوعية في توازن القوى الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة الاميركية وخاصة في المؤسسة الحاكمة والمقررة وتكتلاتها الاقتصادية، لجهة تراجع حجم ووزن قطاعات نصبت بوش رئيسا، منها قطاع الهاي تكنولوجي الذي انهار وتحول السبق فيه لصالح آسيا و اوروبا، وانفجار فقاعة الاسهم وتراجع حضور ول ستريت، وانفجار الفقاعة العقارية وافلاس كبريات المصارف، وصناديق التمويل، والرهونات العقارية وتدهور في موقع وسلطة قطاع المال والمصارف، التأمين، الى استنفاذ قطاع التصنيع الحربي فرصته بعد ان كلفت الحروب والمغامرات الاميركيين مبالغ هائلة دون ان ينعكس انعاشا للاقتصاد، وتاليا سقوط نظرية تصدير الازمات ومعالجتها بالحروب فسمة الحروب الجارية هي تورط اميركي احادي مقابل قوى مقاومة وفي حروب لا متناظرة مؤداها تدمير الثروة والمدخرات الاميركية والمزيد من المديونية، والتوترات الاجتماعية.

- في تطورات نظم العولمة، وفروعها الاقتصادية، وآلياتها، جرت متغيرات هيكلية على البنى الاقتصادية العالمية وفروع الاقتصاد ودور القطاعات، والقوى، فقد انشأت الشبكة العنكبوتية مراكز قوة اقتصادية طرفية، على حساب احتكار المركز لقرون سبقت، فالقوة الاقتصادية تتحقق بفعل الجغرافية الاقتصادية، والموارد، والاسواق والاموال، واقتصاد البشر والشباب" في الغرب عجز بيولوجي، وعجز عن احتكار التكنولوجيا" ما ينعكس تغييرا في توازنات القوى العالمية، فمنطقة كالخليج، واقتصاديات آسيا، او ما يصطلح عليه اقتصاديات دول الجنوب باتت الاقوى والاقدر على الاستمرار والتطور، والنمو، ومواجهة الازمات وتجاوزها، بما في ذلك تمويل اقتصاد دول الشمال والحؤول دون انهيارها الدراماتيكي"65% من عجز الموازنة الاميركية تحملتها آسيا ومنطقة الخليج هذه السنة"، وشركات النفط الاميركية فقدت شعبيتها بسبب مسؤولياتها عن الحروب، والاعفاءات الضريبية، وتدمير شبكات الامان الاجتماعية، والافساد في الادارة الاميركية، وعن السياسات الاميركية لادارة بوش ممثل تلك الشركات، والارتفاعات الجنونية لاسعار النفط، والمواد الغذائية وكذا ممثليها في الادارة.

- في الولايات المتحدة ذاتها يجري الحديث عن متغيرات في توازن القوى الاجتماعية فمع نفاذ هيمنة العنصر الانكلو ساكسوني، وافتقاده للجاذبية، والقدرة على احتكار السلطة، ومع اختلالات الاقتصاد الاميركي، ونتائج السياسات الاجتماعية التي كشفها اعصار كاترينا، والاعفاءات الضريبية للشركات وكبار المتمولين والمضاربين، وتصفية شبكات الامان الاجتماعي وتخلف التعليم، والصحة، والبنى التحتية، والحجم الفلكي للمديونية، اكتسب تقرير ديفيد ولكر مراقب الدولة قيمة ومصداقية عالية" التقرير الذي قرر ان اميركا تقف على منصة محترقة كالتي وقفت عليها روما عشية انهيارها".

- ما هو طاف على السطح في اميركا، وقد اطلق عناصره الكثيرة، ولفت النظر اليه، صعود اوباما الصاروخي، كان قد تأسس منذ زمن، وكان قد تنبأ به الكثيرون، وكتبوا عنه باستفاضة عند انتهاء الانتخابات الاميركية عام 2000 والآلية التي حسمت بها، وصفها المتابعون "تلك ساعة التاريخ لبداية سقوط النموذج الاميركي" وذهب آخرون الى اعتبارها مؤشرا قويا على تفكك الولايات المتحدة على الطريقة السوفيتية، كذلك اعتبرت احداث 11 ايلول بمثابة نذير بيوم القيامة، ومؤشر قاطع على تداعي وبداية سقوط الامبراطورية الاميركية بدءا من انهيار وتداعي رموز قوتها" البنتاغون، وبرجي التجارة العالمية".

في البيئة العالمية وتوازن القوى مؤشرات ذات اهمية منها:

- الصعود السريع لآسيا وعمالقتها الثلاثة، روسيا ـ الصين ـ الهند، وتفاعلها مع اليابان، وتشكيلها منظمة شنغهاي التي تتسع، وتأخذ طابع القوة الاقليمية المنسقة، ما يجعلها قادرة على احتلال الموقع الاول عالميا على الصعيد الاقتصادي والعسكري.

- صعود دول طرفية من الجنوب، كالهند، والبرازيل، وجنوب افريقيا، وتقدم دور وفاعلية النفط والمال والسوق العربية والاسلامية.

- تداعي الهيمنة الاميركية على اميركا الجنوبية وتسارع تحررها، وتشكلها في ظاهرة اقليمية متنازعة مع اميركا ودورها ووسائط سيطرتها التقليدية.

- تكاثر المؤشرات على اعادة تعويم وتعزيز دور الاقتصاد التقليدي، الانتاجي "الزراعة والصناعة" وبيئاتها العملية في بلدان الجنوب على حساب قطاعات الاستهلاك والخدمات التي ميزت الاقتصاديات الاميركية والاوروبية لاربعة عقود بعد ان استنفذت قدراتها واستهلكت مدخرات ومنتجات العالم، وناتج ثورات التكنولوجية والتقانة.

- استنفاذ تأثيرات انهيار الاتحاد السوفيتي والتحاق بلدان العالم باميركا، وما وفرته من الفورات المالية، والعلمية، والموجة الليبرالية والتخصيص.

- استيقاظ الجنوب الاستهلاكي ومزاحمته على الموارد وبدء رحلة نضوب الموارد النفطية والغذائية ودورات الاضطراب التي دخلتها معظم بلدان العالم.

- تأكدت هزائم اميركا وسياساتها واستراتيجياتها التي اعتمدت مع ادارة بوش، وتراجعت قدرة اميركا واوروبا على تحمل اعباء استمرار المغامرات والحروب التي فقدت مبرراتها وجدواها واخذت تنقلب نتائجها في صالح الشعوب وقوى التحرر، وكرست ظاهرة انتفاء الامم الامبراطورية.

يتوقع الكثير من المتابعين للانتخابات الاميركية، والحيوية السياسية فيها، ودرجة انخراط الشعب الاميركي، وخطاب اوباما التغييري، ان تكون هذه الانتخابات مناسبة لدورة اميركية جديدة تشهد على تبدلات حادة في الاستراتيجيات الاميركية بازاء الخارج وفي الداخل، نلفت الى ما جاء في مقال تحت عنوان: مع اوباما هل تبدأ دورة تاريخية جديدة لجيري هارت سيناتور ديمقراطي سابق، يقول: ادت هيمنة قضايا العرق والمرأة على الحملة الانتخابية الرئاسية الحالية، الى صرف النظر عن القضية الاهم فيها على الاطلاق، ألا وهي احتمال تدشينها لدورة جديدة من دورات التاريخ الاميركي. وعادة ما ارتبطت فكرة الدورات التي تتحرك في نطاقها السياسات الاميركية، بالمؤرخ ارثر شيلزنجر، إلا انها تعود في الواقع الى عهود سابقة له بكثير. فقد لاحظ رالف والدو اميرسون ان التاريخ السياسي يتأرجح ما بين لحظات الذاكرة والامل والمحافظة والتجديد والابتكار، بينما كان يعتقد هنري ادامز بوجود فترة 12 عاما هي التي حددت ايقاع بندول الساعة الفاصلة بين فترات الآباء المؤسسين. وفي استعارة له من والده المؤرخ، قدر شيلزنجر ان تكون مدة الذبذبة الفاصلة بين حقب النشاط العام، وتلك المعبرة عن المصالح الخاصة، ما يقارب الـ30 عاما على وجه التقريب. لكن ما هو اكثر اهمية من طول هذه الفترات او قصرها، هو ان التذبذب بين ما اطلق عليه شيلزنجر اصطلاحي "فترات الاصلاح" و "فترات المحافظة"، له وجود فعلي في الواقع. وفيما لو حددنا اعتباطا عهد الرئيس الاسبق فرانكلين دي روزفلت ما بين 1932-1968 وعهد الرئيس رونالد ريغان ما بين الاعوام 1968-2008، فان دورة جديدة من دورات التاريخ السياسي الاميركي توشك على الانطلاق الآن.

ينبغي لمساعي السيناتور باراك اوباما، الرامية لبدء الدورة السياسية المقبلة من التاريخ الاميركي، ان تشمل ثلاثة عناصر اساسية. اولها تحديد مفهوم جديد للامن القومي، ثانيها ضرورة انتقال الاقتصاد الاميركي من النمط الاستهلاكي الى الانتاجي. وثالثها اعلاء المسؤولية الاخلاقية ازاء صيانة الحياة في كوكب الارض، وجعله متاحا لخير الجميع ورفاهيتهم.

وفي وسع هذه الافكار وسواها ان توفر التفويض الشعبي اللازم لبدء دورة جديدة من دورات السياسة الاميركية المقبلة، وكم صدق الاميركيون ذلك انهم قد ادركوا بمحض غريزتهم، ان السياسات القديمة والاحزاب والسياسات البالية، قد افتضح امرها وانها لم تعد تمت بادنى صلة الى حقائق الحياة الثورية المتحولة دوما، والى مستقبل بلادهم.

على انه يلزم القول ختاما ان دورة التاريخ الاميركي الجديدة هذه لم تتحدد معالمها بعد، وانها لا تزال بانتظار قائد قومي ملهم وقادر على رسم دور جديد للحكومية الاميركية في الداخل، فضلا عن تحديد مكانة اميركا ودورها في المسرح الدولي لعالم القرن الحادي والعشرين" يمثل هذا المقطف ذروة التفكير بدنو حقبة جديدة اميركية وما تخلقه من تأثيرات عالمية.

مؤشرات في المنطقة العربية والاسلامية:

- تسارعت الجهود لاطلاق عجلة التفاوض مع اسرائيل على اساس الاشتراطات السورية، وهذا ما كان ليحصل في اسرائيل لولا تغطية الادارة الاميركية، ووجود قوى دافعة ليست اسرائيلية فحسب، الى دخول اسرائيل مرحلة التوتر السياسي تمهيدا لتغيير في ادارتها تتناسب مع ما سيكون في الادارة الاميركية، والاستراتيجيات الجديدة.

- تسارعت جهود الانفتاح الاوروبي وخاصة الفرنسي على سورية وايضا ما كان ليكون لولا ضوء اخضر من المؤسسة الحاكمة الاميركية، اما القول انها محاولة ساركوزية لاحتلال مكانة في منطقة الفراغ، او للاستثمار في الانكفائية الانتخابية الاميركية فهذا يحتاج الى تدقيق ونقاش معمق.

- العروض الاوروبية لايران في الملف النووي وفيها اقرار واعتراف بدور اقليمي اقتصادي، وسياسي، وعسكري ومقدمات قبول لها في النادي النووي الدولي رغم ما تثيره الادارة الاميركية من ضجة اعلامية.

- المفاوضات الجارية بين اميركا والعراق، واستعجال توقيع معاهدة اميركية عراقية، والسماح للشركات العالمية باستثمار النفط والغاز.

- الارتباكات الحادة في السياسة الاميركية في لبنان، وعجز فريقها العربي وعزلته.

- الهدنة الفلسطينية الاسرائيلية في غزة وما تقرره في موازين القوى والاقرار بدور حماس والمقاومة .

- التركيز الاميركي على افريقيا، اقتصاديا وامنيا، وعسكريا.

- مشاريع اطلسة المنطقة العربية وخاصة الصراع العربي الصهيوني من خلال الاتحاد من اجل المتوسط، ووضع استراتيجيات لحل الصراع العربي الصهيوني بضمانات امنية وعسكرية اطلسية، واوروبية "اسرائيل ومستقبلها مشكلة اوروبية اكثر منها اميركية و25% من الاسرائيليين يحملون الجنسية الاوروبية".

- تراجع الحملة الاميركية على حزب الله في لبنان، والسعي للتقارب معه ومحاولة تكليف المهمة لدولة لبنانية مركزية قوية ولجيش يرتبط بالاستراتيجيات العسكرية والامنية الاوروبية والاميركية، واعتماد تكتيكات سحب الذرائع في قضية عودة الاسرى والشهداء، ونقل المزارع الى سلطة الامم المتحدة.

- ما تعيشه تركيا من حالة مخاض، وكذا باكستان بعد هزيمة مشرف في الانتخابات.

هذه وتلك من مؤشرات، واحداث، وسياسات، واقعة عمليا تفتح الافق واسعا امام نقاش ذي طابع استراتيجي للتعرف الى سيناريوهات المستقبل القريب والمتوسط في المنطقة العربية والاسلامية، بدءا من التعرف الى العناصر الاساسية في الاستراتيجيات الاميركية والغربية للمنطقة والعالم ونرصد منها التالي:

يعني انتهاء ولاية الرئيس الاميركي بوش وادارته تغييرا حادا في السياسات والاستراتيجيات الاميركية في اميركا، وفي العالم، وخاصة في المنطقة العربية والاسلامية وفي حال وصول اوباما أو أنه اذا لم يصل بسبب مؤامرة تنفذها كتل معارضة في المؤسسة الحاكمة الاميركية فستشكل ظاهرته قوة حاضرة حافزة لسياسات جديدة ومعيقة لاستمرار السياسات والاستراتيجيات القديمة "الشائع في الرأي العام الاميركي ان نجاح اوباما في الانتخابات سيؤدي الى اغتياله اما نجاح ماكين فسيؤدي الى تفكك اميركا ".

تصعيد اوباما في الانتخابات الاميركية تقف وراءه قوة صلبة في المؤسسة الحاكمة قد اسست لمشاركة السود والهسبانك، والمهمشين منذ ترشيح اول اسود، وما اعطي لباول من مواقع ودور كوندي اللافت في ادارة بوش، ما يفيد بان المؤسسة الحاكمة ادركت الحاجة التاريخية لتجديد المشروع الاميركي عبر قوى اجتماعية صاعدة.

يمثل تقرير بيكر هاملتون رؤية استراتيجية شاركت في صياغتها الكتلة الصلبة في المؤسسة الحاكمة وممثليها، وتشكل مرشدا لسياسات الادارة الجديدة اكانت ديمقراطية ام جمهورية مع رجحان ان تكون ديمقراطية لانها الوجه الاكثر قابلية لتخديم الاستراتيجيات الجديدة.

تتحدد الخطوط الاستراتيجية للسياسات الاميركية للعقد القادم على النحو الاتي:

* تركيز الجهد باتجاه افريقيا لاسقاطها تحت الهيمنة بسبب: موقعها الهام، وثرواتها بما فيها النفط، ولكونها قوة رخوة يمكن السيطرة عليها بيسر وبكلفة اقل مما تستلزمه منطقة الشرق الاوسط والعالم العربي والاسلامي، وهذا ما يفسر اختيار اوباما، ذي الاصول الافريقية، والمولد من اب مسلم "حسين" كما كان اختيار بوش الابن، مدروسا لاتمام استراتيجية السيطرة على منطقة الخليج عبر وريث بوش الاب، وفكرة تحرر اميركا من هيمنة نفط الشرق الاوسط قديمة ولها انصارها الكثر منهم "توماس فريدمان"، ومطلوب ايضا التعويض عن عجز اميركا في الشرق الاوسط، وقطع الطريق على الصين التي بلغت مرحلة متقدمة في السيطرة على ثروات ونفط افريقيا، والصين تمثل خطرا كبيرا على الموقع الاميركي العالمي والاقتصادي.

* في منطقة الخليج ، تقوم الاستراتيجية الجديدة على العناصر التالية:

- قبول ايران والاعتراف بها كقوة اقليمية، وافساح المجال لها في آسيا الوسطى واشراكها في النظام الاقليمي ومستلزماته.

- التحول الى استراتيجية التفاوض، والتعاون الاقتصادي والامني مع تصعيد الحملة الاعلامية والامنية وتحصين منطقة الخليج الفارسي، بالقواعد، والسلاح، وتعزيز دور دول مجلس التعاون الخليجي.

- تصعيد الاختلالات في الجمهوريات الآسيوية، وتصيعد بؤر التوتر لاشغالها.

- السعي لعزل ايران والمقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله عن الصراع العربي الصهيوني واحتواء حماس عبر السعودية ومصر، وفك الحصار، واغراءات لسورية.

- العمل على اعادة هيكلة تركيا لتكون قوة اقليمية صلبة موالية للغرب.

- تصعيد التعارضات الاثنية واعتماد المنصة المذهبية والاثنية، والكردية، لاقامة قاعدة اميركية دائمة قادرة على التأثير"بديل لاسرائيل او رديف قوي".

- انجاز معاهدات مع العراق، امنية وعسكرية، واقتصادية قبل الرحيل، والسعي لابقاء العراق بطن رخو وفي حالة اضطراب.

- استبدال الوجود العسكري الاميركي المباشر في العراق بوجود محوري في المنطقة الكردية، الكويت، السعودية، الاردن، وبحر عمان، والخليج.

*فيما يخص سورية، والصراع العربي الصهيوني:

- سحب الذرائع الوطنية والقومية من خلال السعي الحثيث لانجاز تسوية تلامس حدود 4 حزيران على الجبهات الثلاث، لبنان، سورية فلسطين، وفي الحد الادنى في الجولان ومزارع شبعا، وقد جاء كلام ساركوزي في الكنيست الصهيوني خير دليل "خاصة القول بالدولة الفلسطينية، والقدس عاصمة لدولتين ومعالجة قضية اللاجئين"، فانجاز التسوية مرهون بقبول المنطقة لاطلستها، وقبولها الحمايات والضمانات الدولية وخاصة الاوروبية لامن اسرائيل والدولة الفلسطينية.

- احتواء سورية دبلوماسيا، واقتصاديا، بتطمينها، وتخفيف الحصار والاستعداء، وصولا الى اعادة تفعيل عقد الشراكة الاوروبية المجمد، وتعزيز الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية مع اوروبا، والغرب، وانخراطها في الشراكة من اجل المتوسط.

- استرضاء سورية في الملف اللبناني، والملف العراقي، والسعي لاصلاح العلاقات مع النظم الرسمية العربية الاميركية الولاء، تمهيدا لتفعيل الجامعة العربية ان امكن كاطار اقليمي في سياق الجهد الاميركي الاوروبي لتطوير الاقليمية الجديدة والاستثمار فيها.

- الرهان على التوترات الاجتماعية والاثنية في سوريا، ومن خلال الازمات اللبنانية، وتوتير المناطق الرخوة المحاذية للحدود والعودة الى نغمة حقوق الانسان والديمقراطية التي تدعيها اميركا،... والسعي للاستثمار في خطط التطوير والانفتاح الاقتصادي وتعزيز الاستثمارات الدولية، والخليجية الموالية، والهدف السيطرة بالوسائل الناعمة، والنموذج اسقاط الاتحاد السوفيتي وبلدان التوجه الاشتراكي من الداخل وعبر ادوات وقوى محلية، او انجاز الشروط الموضوعية الكفيلة بايجاد قوة موالية للغرب ومشاريعه.

- الرهان على اضعاف اوراق سورية عبر استمالة القوى الوطنية والمقاومة والنخب الحليفة لها "باسترضائها او بسحب ذرائعها" وفي هذا السياق تفسر الهدنة مع غزة، واستعجال ملف الاسرى، ومزارع شبعا في لبنان، والسعي المركز لاقامة دولة مركزية في لبنان عمادها الجيش الموالي لاميركا.

- توفير بيئات ومبادرات، ومناورات تعيد تصعيد الدور المصري، والسعودي لمشاركة السوري وحلفائه" تفويض مصر بالهدنة الفلسطينية، وبالتفاوض على مزارع شبعا".

- تركيز الحملات الاعلامية على عناصر واجهزة في سورية بعينها، واشاعة مناخات عن خلافات في عدة ملفات مثل سوريا مع حزب الله والملف العراقي، التفاوض، فلسطين، لبنان، العلاقات العربية العربية، سورية وفرنسا....

بالاجمال يمكن رصد المتغيرات في الاستراتيجيات الاميركية على النحو الاتي:

في الشرق العربي والعالم الاسلامي: تراجع الرهان على القوة الصلبة، والاحتلالات، والسعي لتبريد الازمات، والتوقف عن افتعال الحروب، وتراجع حرب الحضارات، والحرب على الاسلام، والارهاب والحرب الثقافية والعمل على امتصاص النقمة الشعبية العربية والاسلامية، عبر تبريد الجبهات المسلحة وتهدئتها.

استبدال القوة الصلبة بالقوة اللينة والرهان على العلاقات الثقافية، والدبلوماسية، والدبلوماسية الشعبية، واختراق المجتمعات " بادوات كوكالة التنمية الدولية" وتفعيل المصالح الاقتصادية وتصعيد دور القطاع الخاص، وقطاعات الخدمات والاستهلاك، وخاصة القوة الليبرالية والاستثمارات الاجنبية في الدول التي تسميها اميركا "محور الشر".

تعزيز وتعميق التداخل والتفاعل والروابط الاقتصادية والحاق الاقتصاديات مرة ثانية بالاقتصاد الاميركي والغربي والحؤول دون التوجه شرقا وباتجاه آسيا القوة الصاعدة، او الاعتماد على الذات، او الاسواق الاقليمية المتحرر من السيطرة الغربية.

بين اهم المعطيات الاستراتيجية والمتغيرات ذات الشأن والانعكاسات المباشرة على المنطقة العربية ظهور رؤية تتعمق وقد تصبح استراتيجية حاكمة في سياسات الغرب عموما واميركا خاصة تكمن في: قبول القوى الاقليمية الصاعدة، والتعايش معها، وقبول صعود قوى جديدة، والسعي لاحتوائها، والرهان عليها .

فالمنطقة تشكل عصبا حيويا للتأثير على توازنات القوى الدولية، والغرب مازال يملك قدرات وامكانات، ولن يقبل بهزيمة درامية تؤدي الى اعادة هيكلة العالم بما في ذلك اعادة هيكلة دول الغرب نفسها، لذلك يسعى لتغيير في استراتيجياته وادواته للسيطرة واطالتها، بالاعتماد على المصالح والعلاقات الاقتصادية، وموقعه في الاقتصاد العالمي يمثل وسيلة فاعلة لاحتواء المتغيرات والسيطرة على نتائجها والتخفيف من تأثيراتها.

ما كان في بداية القرن الماضي مضرا للغرب، وقد عمل على منع حصوله، قد يكون اهون الشرور في الحقبة الراهنة والمستقبل، لا سيما بعد نفاذ قدراته على الحؤول دون حصوله.

هذا قد يكون جديد ونوعي، فعجز الغرب عن احتلال المنطقة واعادة هيكلتها، وعجزه عن الاستثمار في الفوضى، وصعود قوى اقليمية قطبية، وتجذر حالة العداء، وصعود قوى راديكالية، واهتزاز واهتراء الادوات والقوى التي كان يستند لها، وتراجع ادوات سيطرته التاريخية وعجزها "اسرائيل ـ القطرية ـ الاقليات ـ النخب والاسر الحاكمة ـ الشراكات الامنية والعسكرية والاقتصادية ـ احتكار العلوم والتكنولوجيا ـ القيم الحضارية والعصرية ـ المركز الاقتصادي ـ الصراع الدولي ومحاوره ـ النظم وغياب المبادرة والمشاركة الشعبية" فالمتغيرات الحاصلة فعلا قد تدفع بالغرب للتعامل مع الجديد النوعي على قواعد اخرى بقصد احتواء المنطقة واعادة هيكلتها وهيكلة قواها على قواعد وبنظم وبنى جديدة يفترضها مجدية، وبينها القبول والمساعدة او الامتناع بسبب العجز او الرؤية عن مقاومة تشكل محاور قوة ما فوق قطرية في بلاد الشام والرافدين تفيده قوة بطابع عربي في محاولة لتصعيد التعارض مع القوميات والامم المجاورة "كلام رايس في العراق، وسعيها لدور عربي في العراق، والحديث عن عروبته".

والجدير ذكره ان الغرب كان قد سعى دائما لاقامة نظم امن اقليمية موالية او متعايشة كما فعل في مواجهة الناصرية والمد القومي"حلف بغداد" ثم حاول في مواجهة سورية وايران في حلف الاعتدال العربي، وحلف الدول السبعة السنة، ومشروع الشرق الاوسط الجديد، ثم الاتحاد من اجل المتوسط.

اغلب الظن ان مصالح الغرب تسير باتجاه تسهيل قيام قوة اقليمية عربية وازنة ويشترط ان تكون موالية او غير معادية، او بالحد الادنى عاقلة تقيم للمصالح دورا حاسما في علاقاتها، هذا ايضا يفسر السعي الفرنسي للانفتاح على سورية، وتلبية شروطها في التفاوض مع اسرائيل.

وهنا تطرح مناقشة مستفيضة لقضايا مثل:

الجهود والرعاية الدولية الجدية لانجاز تسوية للصراع العربي الصهيوني، فأسرائيل دخلت الازمة الوجودية، وفقدت كل عناصر قوتها التاريخية الاستراتيجية والتكتيكية، وباتت ناضجة لتسوية تلامس حدود 4 حزيران، وكذلك الغرب برمته فقد صارت اسرائيل مشروعا فاشلا كلفته اكثر بكثير من جدواه، هي عاجزة عن حماية نفسها وحماية مصالح الغرب، والغرب لم يعد قادرا على تحملها وتحمل اعبائها.

السؤال بالنسبة لسورية وللعرب: هل من مصلحة حقيقية بتسوية للصراع على اساس حدود 4 حزيران؟ وما هي الثمار المرجوة؟، واية سياسات واستراتيجيات مطلوبة في هذه الحالة؟ وهل يقتصر الهدف على استعادة اراضي 67 ام يتوجب السعي لانتزاع تشكيل منظومة امن اقليمية عربية من طابع جديد كاتحاد كونفدرالي او ما شابه لبلاد الشام والرافدين محوره سوريا؟.

اميركا والغرب، يريد، وهو في طور الانكفاء والهزيمة في المنطقة والتحول الى افريقيا، وكلاء قادرون على ضبط الساحات المتفجرة، وتلبية مصالحه في وقف الهجرات "واحتواء التطرف، والارهاب، والحد من لهيب بذر التوتر" واحتواء صعود قوى اقليمية ومشاغلتها، واجهاض الراديكالية الشعبية، واين تتقاطع مع مصالح الغرب؟ وما هي امكانياتها العملية للاستثمار في الواقع الجديد؟ اية سياسات واية مبادرات مطلوبة؟؟؟.

الغرب واميركا يستعيض عن الاحتلال المباشر، والغزوات، بسعي للسيطرة بطرق وآليات حديثة "الاستعمار الجديد" عبر الشبكة العنكبوتية، والعولمة وقواعدها ومؤسساتها، وآليات الاقتصاد العالمي، و اولوية المصالح والتبادل الحر من جهته، والتدخلية الناعمة، ولعب دور القائد القاطر وليس المتحكم قسرا، هل يمكن ان يتم الانسجام مع الجديد؟ كيف يدار الصراع؟ ومن اجل ماذا؟ وباية وسائل وتوجهات؟ اي نموذج اقتصادي يعتمد؟ اي ضوابط للاستثمارات الاجنبية؟ اية علاقات اقتصادية مطلوبة، وممكنة؟

العالم المتعدد القطبية متنافس، غير محترب، تلعب فيه المصالح الاقتصادية وقطاعاتها كادوات للصراع، والمنطقة جغرافيا اقتصادية حاكمة يتطلع الغرب لقوى فيها متحالفة جديدة غير تلك التي هرمت واصبحت عاجزة وتحولت الى عبء فمن غير المستبعد ان تلجا اميركا مرة اخرى الى الجيوش وتطوير دورها في قيادة النظم وتوليد الطبقات السياسية الجديدة الحليفة، ماذا يمكن ان يستفاد من تلك المحاولات؟ وكيف تكون قادرة على التفاعل مع تغييرات ينشدها الغرب في النظم العربية الموالية قد تفتح ثغرات تفسح بالمجال لمتغيرات نوعية " مصر ـ الاردن ـ اليمن ـ السعودية" فالمرحلة شبيهة بمرحلة الخمسينات والستينات مع تبدل القوى والظروف؟.

باختصار: المنطقة العربية والاسلامية تحتل مرتبة متقدمة في الحدث الاقليمي والدولي، وتتسبب باعادة هيكلة السياسات، والاستراتيجيات الغربية والاميركية، وتبقى الى حين بيت قصيد المشروع الغربي وتحولاته، ادوات السيطرة الغربية السابقة تنهار، وتفقد قدراتها، والغرب جاد بعدم الانسحاب من المنطقة خالي الوفاض.

اميركا تتحفز لتغيير جدي في استراتيجياتها وادواتها في المنطقة، يمكن تلمسها والتعرف اليها، وتجري عملية تأهيل المنطقة الآن، وقبل الانتخابات الاميركية بحيث تكون الانتخابات وتركيب الادارة الجديدة صفارة اطلاقها ووضعها موضع التنفيذ، الزمن ينفذ، والمتغيرات حاسمة وسريعة، والعمل بروية ورؤية جديدة بات واجبا فورا وبلا ابطاء.


**********************************************************
المصدر : المركز العربي للدراسات المستقبلية


ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement