|
الاتفاقية الأمنية في العراق بين مطرقة الاحتلال وسندان البند السابع للأمم المتحدة |
|
|
|
بقلم : نبيل مسلم
السبت 07-06-2008م الموافق 03 جمادي الثاني 1429 هق
خمس سنوات مرت على الغزو الأميركي للعراق، خمس سنوات تجرع فيها وقبلها الشعب العراقي كل صنوف العذاب وألوانه، هذا الشعب العظيم بساسته وعلمائه ورجال دينه بمفكريه ومناضليه هم اليوم أمام استحقاقات كبرى، هذه الاستحقاقات تتمثل في اخراج المحتل ( قوات التحالف )، أو تحديد دورها ووجودها في العراق وإنهاء حالة الوصية الأممية عليه لان هذه الحالة جرح لمثل هذا القطر صاحب الحضارة العريقة والتاريخ المجيد .. الجميع مطالبون ان يجتهدوا ويتعاونوا من اجل تنظيم الوجود الاجنبي على الأرض العراقية العزيزة دون ان يكون هنا انتقاص لسيادتهم أو كرامتهم، دون ان يدخل الشعب وطوائفه في احتراب جديد تكون سببه هذه القوات أو توزيع السلطة بين الطوائف والأعراق والمركب العام لهذا الشعب .
العراق الان أمام مرحلة مفصلية بكل ما تعني الكلمة من معنى، يجب ان يتضافر الجميع من اجل تحديد وجدولة الوجود الاجنبي على الأرض العراقية وهذه العملية دقيقة للغاية يجب ان نتعامل معها بحرفية السياسي ومهارة القانوني وان يأخذ نبض الشارع العام دون ان تنتقص الحقوق والكرامات، ودون ان يتهم البعض البعض الاخر بالخيانة أو الكفر .
ففي 11مارس/ آذار الحالي وعشية الذكرى السنوية الخامسة لاحتلال العراق، بدأت في بغداد محادثات بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأميركية حول اتفاقية تحدد شكل ما يسمى "التعاون المستقبلي بين البلدين". وحسب بيان أصدرته وزارة الخارجية للحكومة العراقية في بغداد جاء فيه "ان بغداد وواشنطن بدأتا محادثات بينهما للتوصل إلى اتفاق لتنظيم العلاقة بين الدولتين الصديقتين على أسس سليمة بعد انتهاء فترة تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي نهاية العام الحالي وخروج العراق من أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة".
فقرار مجلس الأمن حسب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة شرعن عمليا الاحتلال الأميركي وشرعن الوصاية الأجنبية على العراق حتى نهاية عام 2008 الجاري، والرئيس الاميركي بوش رفض اقتراحا في الكونغرس ولجأ إلى استعمال حق الفيتو لمنع اتخاذ قرار بجدولة عملية انسحاب القوات الأميركية المحتلة من العراق.
ان المحادثات الجارية بين الوفد الأميركي والوفد العراقي تدور حول بقاء الهيمنة الأميركية في العراق حتى بعد جدولة انسحاب الغزاة من العراق، ويدور حول زرع العراق بقواعد عسكرية أميركية، احتكار أميركي في تسليح جيش عراقي مدجن أميركيا، ضمان حماية المصالح الاحتكارية الأميركية بوش يواجه مأزقا قانونيا آخر.. صحيح انه ليس نتيجة مباشرة لأحداث البصرة، لكنه أحد المآزق المترتبة على الوجود الأميركي بالعراق وارتباك خطط الخروج منه، فالغطاء الأممي الممنوح لعمل قوات التحالف بالعراق ينتهي بنهاية العام الحالي.. أي انه بدءا من أول يناير 2009 ستنتهي صلاحية قرار الأمم المتحدة الذي ينظم عمل تلك القوات بالعراق ويمنحها شرعية للبقاء فيه، وما لم يتم تجديد هذا القرار يصبح الوجود العسكري الأجنبي بالعراق غير شرعي.. وكانت الإدارة الأميركية قد صرحت بانها لن تسعى الى تجديد القرار الأممي.
الشعب العراقي هو الضحية الأولى لهذا الوضع المأساوي، وسيصبح مطالبا هو وحكومته الوطنية بتوفير الأمن للاستغناء عن الوجود الأجنبي، ثم المطالبة بخروج القوات الأجنبية والتخلص منها بشكل قانوني دون ان تصبح العراق ولاية أميركية أو بلدا تحت الأسر، وستبقى العقدة في قوات المرتزقة أو شركة الأمن الخاصة بلاك ووتر التي لم يولد بعد من يستطيع ان يأمرها بالخروج ! .
قامت الولايات المتحدة بتشكيل تحالف دولي معها وتحت غطاء من البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو البند الذي أتاح ويتيح لها تشكيل تحالفات دولية تكون قواتها القوة الرئيسية والمركزية من حيث عدد القوات وعدد ونوعية الأسلحة، وتكون باقي قوات الدول المشاركة معها رمزية لإضفاء الشرعية فقط، وقد فعلت أميركا هذا الأمر في الحرب الكورية، وهو ما فعلته في العراق منذ عام 1990 ، فقد قامت بتشكيل تحالف دولي للمشاركة معها في احتلال العرق، ولكن الأمر ليس بمثل تلك البساطة من الشرح، لان الدول الأخرى في التحالف ليس لها دور يذكر، ومشاركتها بسبب التهديد الأميركي لها، أو الإغراء بمنافع اقتصادية أو غيرها من الأساليب الأميركية التي تدفع الدول الأخرى الى المشاركة في التحالف الذي تقيمه، ودوما ما تقوم الولايات المتحدة بعد تحقيق أغراضها بالسعي الى الانفراد بالدولة التي احتلتها، فتتخلص من التحالف الدولي، وتخرج الدولة من البند السابع، ثم تقوم بتوقيع اتفاقية عسكرية اقتصادية سياسية طويلة الأمد تحقق لها وجود قواعد عسكرية دائمة لأمد غير منظور، أي ان العراق سيخرج من البند السابع ليقع تحت وطأة الاحتلال المباشر، بين المطرقة والسندان، أو كالمستجير من الرمضاء بالنار، وهو ما فعلته من قبل مع دول ثلاث هي ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، ولو بصورة مختلفة ولكنها في النهاية تؤدي الى نفس الطريق، خاصة إذا علمنا الفروق بين العراق وتلك الدول، ولكن تروج الإدارة الأميركية والميديا التابعة لها بان تلك الدول الثلاث نموذج على ان التدخل الأميركي المباشر يحقق طفرة من الازدهار الاقتصادي غير مسبوق، وتدلل على ذلك بالدول الثلاث كوريا الجنوبية وألمانيا واليابان وما حققته من حيث التقدم الصناعي والرواج الاقتصادي واحترام حقوق الإنسان، ومن هنا تروج لإخراج العراق من البند السابع لتقيم اتفاقية طويل الأمد مع الحكومة العراقية تسمح لها بإقامة قواعد عسكرية لمدى غير المنظور، وتروج إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بان العراق سيصير نموذجا لباقي دول المنطقة، ويكون مثل الدول المذكورة سلفا، لكن هل يمكن ان تتكرر التجارب اليابانية والألمانية والكورية الجنوبية في العراق ؟ .
وعند الحديث عن موضوع الاتفاقية الامنية الجديدة المزمع توقيعها بين العراق وأميركا لاخراج العراق من البند السابع لابد لنا هنا ان نذكر اهم خصائص أحكام البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وخطورته:ـ
ان خصائص البند السابع تنبع من كونه يشمل صفة الإجبار للدولة أو للدول التي تخل بالسلام والأمن الدوليين، بانها ستتعرض لتشكيل تحالف دولي يجبرها عن الخضوع لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، ولا يخفى على أحد ان عملية فرض الأمن والسلم الدوليين لا تخضع غالبا لإرادة المجتمع الدولي بصورة عامة وشاملة، ولكنها تخضع أكثر لمتطلبات السياسة الدولية للقوى الكبرى في العالم، فعلى سبيل المثال لا يمكن مثلا ان تقوم الولايات المتحدة بفرض تحالف دولي على الصين أو روسيا أو أي دولة من دول القارة الأوربية، فالأمر هنا متروك لتقدير الدول الكبرى أكثر منه خضوعا للشرعية الدولية، وبصفة عامة فان أهم مواد البند السابع هذا هي ثلاث، وهي المواد 39 و 41 و 42 ، وفحوى هذه المواد نصا ومعنى كما تشرحها نصوصها :
المادة 39 : يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به، أو كان ما وقع عملا من أعمال العدوان، ويقدم في ذلك توصياته، أو يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير طبقا لأحكام المادتين 41 و 42 لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه .
المادة 41 : لمجلس الأمن ان يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله ان يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير ويجوز ان يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية، وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئيا أو كليا وقطع العلاقات الدبلوماسية .
المادة 42: إذا رأى مجلس الأمن ان التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض، أو ثبت انها لم تف به، جاز له ان يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه، ويجوز ان تتناول هذه الأعمال الحصار والعمليات الحربية الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء الأمم المتحدة.
مما سبق يتضح مدى خطورة البند السابع لان مجرد إصدار قرار من مجلس الأمن بتطبيقه على دولة معينة يعني شن الحرب عليها، وإذا رأينا ان المنطق السياسي للقوى الكبرى في العالم يتغلب على الشرعية القانونية والسياسية، نجد ان الخطورة تكمن في ان القوى الكبرى تتخذ من مجلس الأمن ومن البند السابع وسيلة لتنفيذ أهدافها، والدليل على ذلك ان قرار مجلس الأمن رقم 242 والذي صدر في الثاني والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1967 ، وهو قرار غير ملزم والذي طالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من "الأراضي التي جرى احتلالها في النزاع الأخير" (حرب حزيران / يونيو 1967) و"الاعتراف بالسيادة والاستقلال لجميع الدول في المنطقة وبحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها بمأمن من التهديد العسكري" ، وقد جرت صياغة القرار ضمن البند السادس لميثاق الأمم المتحدة، ولذلك فانه يعتبر "توصية" فقط، بينما لو كان صيغ ضمن البند السابع لكان ملزما لذلك فان الولايات المتحددة رحبت بهذه الصيغة بينما لوكانت هذه الصيغة ضمن البند السابع لميثاق الامم المتحدة لكانت اميركا استخدمت حق النقض "الفيتو" حماية لحليفتها التقليدية إسرائيل .
ان الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة هي التي تسخر البند السابع من أجل تحقيق سياساتها، ولو نظرنا للعالم بأسره نجد الولايات المتحدة تستخدمه في البلقان وأفريقيا وآسيا، خاصة في المناطق التي يوجد فيها النفط خاصة في دول وسط آسيا ومنطقة الخليج والسودان، فجعلت من البند السابع مرادفا لاستراتيجيتها وأهدافها، وإذا رأينا ان السياسة الأميركية مسخره في الأصل لخدمة الصهيونية العالمية نعلم علم اليقين ان البند السابع مسخر لخدمة الأهداف الصهيونية بدرجة تفوق كل إمكانيات الدولة العبرية، فنلاحظ ان مجلس الأمن يتخذ القرار تلو القرار في حالة العراق أو أفغانستان وحاليا إيران، ولكنه في الحالة الإسرائيلية لم نجد من يتخذ قرارات ضدها في مجلس الأمن، رغم ان الكيان الصهيوني هو أول من يخرق كل القوانين الدولية وينتهك الأعراف الإنسانية، وذلك بدعم كامل من الدولة الأميركية وتحت مظلة البند السابع بما فيه من تداعيات خطيرة على الدول الفاقدة للمناعة السياسية والعسكرية .
من هنا ندرك ان التحالف الدولي الذي شكلته أميركا ضد العراق قد حقق لها ما خططت له، ليكون لها موقع قدم في العراق ذي الموقع الاستراتيجي والنفطي، ومن ثم كان عليها مؤخرا ان تنفرد بمقدرات الدولة العراقية بعيدا عن الحلفاء الذين أضفوا عليها الشرعية المزعومة، فكان عليها ان تعقد اتفاقية مع الحكومة العراقية طويلة الأمد ، خاصة ان قضية الوجود الأميركي في العراق وكذلك إنشاء قواعد عسكرية دائمة لطالما اعتبرت موضع اهتمام الكثير من السياسيين والحركات والأحزاب الدينية والوطنية في الداخل، أما على الصعيد الخارجي فقد مارست العديد من القوى الدولية وكذلك الرأي العام ضغوطا لخروج القوات الأميركية من العراق، حيث اعتبرت هذه القضية مسألة جوهرية في منطقة الشرق الأوسط خصوصا، فأميركا تريد إذن ان تقول للقوى السياسية العراقية وللعالم بان العراق سيخرج من البند السابع ومن الوصاية الدولية ليكون مستقلا استقلالا كاملا ، ولكنه من جهة ثانية يريد ان يعقد تلك الاتفاقية لتكون مصدر الوجود الدائم لها في الأرض العراقية وتحت شعارات من تحقيق الديمقراطية، ولذا نورد الوثيقة التي يظهر من خلالها التوجه الاستراتيجي للقوات المحتلة في العراق، حيث تشير هذه الوثيقة التي نشرت على موقع الانترنت الخاص بالبيت الأبيض، والتي وقّع عليها الرئيس بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في العام الماضي، تحت عنوان" إعلان مبادئ من أجل علاقة تعاون وصداقة طويلة الأمد بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأميركية"الى ثلاثة مجالات للتعاون بين العراق والولايات المتحدة: هي أولا: المجالات السياسية، الدبلوماسية، والثقافية ، ثانيا: المجال الاقتصادي، ثالثاً: المجال الأمني، لكن الأبعاد غير المعلنة لاتفاقية إعلان المبادئ تمثل هذه الاتفاقية "المبادئ العامة" والتي على أساسها سيتم وضع اتفاقيات عديدة أخرى تهدف إلى تنظيم العلاقات المستقبلية بين أميركا والعراق.
ان التعليقات والتحليلات الواردة في الصحافة ومراكز الدراسات الأميركية على اتفاقية إعلان المبادئ أشارت إلى الآتي:
* إن هذه المبادئ والاتفاقيات التي سوف تقوم لاحقا على أساسها تهدف إلى استمرار الاحتلال الأميركي للعراق إلى ما لا نهاية.
* ان إعلان المبادئ والاتفاقيات التي ستتفرع عنه، وأيضا جميع الاتفاقيات السابقة بين إدارة بوش والعراق، أو بين العراق والأطراف الأخرى، جميعها تعتبر فاقدة للشرعية وغير قانونية لانه لا توجد أي شرعية قانونية عراقية مستقلة تحت ظروف الاحتلال.
* ان إعلان المبادئ التي تم التوقيع عليها، يتضمن في جانب من الجوانب مشروع التفاهم والتوافق حول العراق بين الجمهوريين والديمقراطيين، وتقول المعلومات بان السيناتور اليهودي الديمقراطي ليبرمان سبق ان تقدم بمشروع قرار وجد التأييد لدى كل من إدارة بوش والزعيمة الديمقراطية هيلاري كلينتون التي تبذل جهودها للوصول إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية القادمة، وبكلمات أخرى، فان إعلان المبادئ هذا هو مشروع التوافق الجمهوري - الديمقراطي حول العراق.
* إدارة بوش، بمساعدة بعض النواب الديمقراطيين وعناصر اللوبي الإسرائيلي، لجأت إلى "المراوغة" حيث لا يتم عرض إعلان المبادئ على مجلس الشيوخ الأميركي، وتزعم إدارة بوش ان ما تم التوقيع عليه لا يمثل "معاهدة" دولية يتطلب تنفيذها موافقة مجلس الشيوخ المسبقة، وإنما هو مجرد "اتفاق إطار عمل استراتيجي".
* ان إعلان مبادئ العمل هو اتفاق يمثل في حقيقة الأمر القاعدة الإسمنتية التي سوف تقوم بموجبها الإدارة الأميركية بعملية "تكثيف وربط وثاق" العراق عن طريق "الحبال والسلاسل" التي ستتمثل في الاتفاقيات المتوقعة لاحقا خلال العام القادم ، والتي تقول التسريبات الأميركية بانها سوف تكتمل في منتصف العام القادم.
ومن خلال قرأتنا لتلك التحليلات والاراء الصادرة من الصحافة ومراكز الدراسات نجد ان القيود والسلاسل الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية سوف تجعل من العراق "قاعدة" إقليمية للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وسوف تعمل هذه الاتفاقيات على إدخال العراق في علاقة "غير متكافئة" مع الولايات المتحدة، حيث تقيم الولايات المتحدة القواعد العسكرية وتقوم بشن العمليات العسكرية والاستخبارية، هذا من جهة، ومن جهة الأخرى، سوف يكون على العراق بالمقابل القيام بتوفير التمويل اللازم. بكلمات أخرى، سوف يتم إجبار العراق على تحمل نفقات العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، وتحمل نفقات تمويل المليشيات الانفصالية الكردية التي تعمل على فصل شمال العراق.
ان الاتفاقية الامنية الجديدة التي سوف تتفرع عن إعلان المبادئ، بالتأكيد سوف تعطي الولايات المتحدة الكثير من المزايا والحقوق المفرطة في توظيف واستثمار كافة قدرات الكيان الجيو/ سياسي الذي يحمل اسم العراق، كما ان سوريا بالإضافة إلى إيران هما المستهدفان الرئيسيان في الخطوة الثانية التي يتوقع ان تمثل المهمة التالية للقوات الأميركية بعد إكمال غزو واحتلال العراق. ولما كانت محاور الاتفاقيات أو "القيود والسلاسل" الأميركية تتمثل في جملة أشياء، فان ما هو أكثر أهمية بالنسبة لسوريا، وأيضا لبقية دول المنطقة يتمثل في الآتي:
1- الوجود العسكري الأميركي، أوردت صحيفة كريستيان سيانس مونيتور الأميركية، نقلا عن صحيفة شيكاغو تريبيون الأميركية بان المهندسين الأميركيين منهمكون في بناء وتشييد 14 قاعدة عسكرية أميركية دائمة الوجود في العراق، تسمية قواعد "دائمة الوجود" يتم إطلاقها بواسطة البنتاغون على القواعد العسكرية الأميركية التي يتم اعتمادها للبقاء لفترة طويلة الأجل، وتكون تماما مثلها مثل القواعد العسكرية الأميركية الموجودة داخل الولايات المتحدة الأميركي ، ان وجود 14 قاعدة عسكرية أميركية في العراق معناه:
* ان هذه القواعد سوف يتم إنشاؤها بناءا على "طلب" الحكومة العراقية التي عينتها سلطات الاحتلال الأميركي.
*ان أميركا سوف "توافق" على "تلبية" طلب الحكومة العراقية، ولكن بشرط ان يقوم العراق بتوفير المال اللازم لتغطية نفقات هذه القواعد.
* ان يتم دفع نفقات هذه القواعد من عائدات بيع النفط العراقي.
وأذا تم التوقيع هذا الاتفاق تكون أميركا قد وجدت من يقوم بدفع نفقات قواتها وقواعدها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، هذا، وتقول المعلومات بان التقديرات الأولية تقول بان تكاليف إنشاء القاعدة الواحدة سوف تكون في حدود 7 مليار دولار على الأقل، وفي البدء ستقدم وزارة الخزانة الأميركية الأموال اللازمة لهذه القواعد، ومن ثم تسجيل المبالغ كديون على العراق، وحتى الآن لم يتحدد نطاق انتشار وتوزيع هذه القواعد العسكرية، وعلى الأغلب ان يتم توزيعها على كافة أنحاء العراق وبتركيز أكبر على محافظة الأنبار المتاخمة للحدود السورية / العراقية، والمنطقة الجنوبية الغربية المتاخمة للحدود العراقية / السعودية.
2- ان القواعد العسكرية الأميركية في العراق سوف تعمل كمناطق "ارتكاز" لإطلاق العمليات العسكرية والاستخبارية الأميركية ضد سوريا وإيران على المدى القريب، وضد السعودية على المدى المتوسط والطويل الأجل، وصار من المتوقع بدء مفاوضات طويلة من اجل التوقيع على اتفاقية أمنية طويلة الأمد بين أميركا المحتلة للعراق والعراق الواقع تحت الوصاية الأميركية .
وخلاصة القول: ان من أهم القضايا المطروحة في الاتفاقية الأمنية الجديدة هو تحويل الوجود الاحتلالي الأميركي والأجنبي إلى وجود قانوني مشروع تحت ستار اتفاقيات الصداقة والتعاون، وبمعنى أوضح ان وجود القوات الأجنبية في العراق سيكون استنادا إلى اتفاق ثنائي بين بلدين مستقلين يتمتعان بالسيادة، وان الوجود الأجنبي انما هو بمحض إرادة البلد المضيف وهو العراق، وان لا علاقة للأمم المتحدة أو غيرها من المنظمات الدولية أو الجامعة العربية بأي عربدة أو عمليات قتل وتدمير تقوم بها القوات الأجنبية في العراق، لان هذا التدخل الاممي سيفسر بانه تدخل في الشؤون الداخلية لأميركا والعراق، كما ان مدة البقاء الأميركي في العراق بموجب هذه الاتفاقية قد تتعدى خمسا وعشرين عاما تحت مبررات حاجة العراق للحماية الأميركية الطويلة .
كما ان من أهم نقاط الاتفاقية الجديدة ان أميركا تصر على إضافة بند ينص على حصانة القوات الأميركية والمتعاقدين من ملاحقة القضاء والمحاكم العراقية، أي الحماية القانونية للأجانب العاملين في العراق من جميع الأفعال الجنائية وغير الجنائية المرتكبة ضد العراقيين أي إيقاف الاختصاص المكاني لسريان القانون العراقي داخل العراق، وبمعنى حقيقي ان حكومة العراق ستكون دولة ناقصة السيادة، لان مفهوم السيادة يتحدد بمدى قدرة حكومة البلاد على تطبيق القانون على الجميع داخل البلاد، ان وجود هذا الشرط أي حصانة القوات الأجنبية من المثول أمام القضاء العراقي لا يختلف عن الأمر رقم 17 الذي أصدره الحاكم المدني للعراق بول بريمر زمن الاحتلال، والذي نص على منح القوات الأجنبية والمتعاقدين المدنيين الحصانة القضائية والقانونية داخل العراق، ولهذا فاننا نعتقد ان الأمر لا يتعدى سوى تغيير العناوين من قرار أممي إلى اتفاقية ثنائية، مع بقاء منظومة الاحتلال وترتيباتها قائمة في العراق ولسنين طويلة قادمة .
وفي مقابل هذا الطلب الأميركي فان القضية التي تشدد حكومة بغداد على إدراجها في الاتفاقية الأمنية الجديدة هي ضرورة تعهد الولايات المتحدة للعراق بحماية النظام الديمقراطي الفدرالي التعددي داخل المنطقة الخضراء من الأخطار الداخلية والخارجية.
كما ان المشكلة في هذه الاتفاقية انها تجري بمعزل عن رأي الشعب العراقي الرافض للوجود الأميركي جملة وتفصيلا، وان هذه الاتفاقية يراد عقدها تحت الضغط الأميركي وتقديم الوعود، لاسيما وان بوش الصغير يمضي سنته الأخيرة في الحكم، وهو يريد عقد هذه الاتفاقية هذه السنة من اجل ان يكون الرئيس الجديد للولايات المتحدة ملزما بها على أية حال من اجل حماية القوات الأميركية في مستقبل الأيام.
وجدلا لو ان هذه الاتفاقية المزمع توقيعها قد تمت فالمطلوب هو كيفية الخروج بأقل الخسائر، كما انه لا يمكن مقارنة ما حدث في كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا مع ما يحدث في العراق، لان الدول الثلاث تختلف في النظرة للدولة الأميركية هي النظرة العراقية العربية والإسلامية بوجه عام لان ميراث العداء الغربي للمسلمين يدخل في حيز الثقافة الفكرية والنهج العقائدي، وهو ما يرفض الخضوع لأجنبي، فإذا كان هذا الأجنبي عنده ميراث العداء، فتصبح المقاومة له هي الحل الوحيد، لان تلك المقاومة لا تبحث عن رخاء اقتصادي أو دعم مادي، ولكنها حركة تحررية تهدف الى خلاص الإنسان من استكبار الإنسان له، سواء جاء هذا الاستكبار من مسيتبد أو من مستعمر، وهو ما تقوم به المقاومة في العراق وغير العراق ضربا للمشروع الأميركي الصهيوني الذي لا يستهدف العراق وحده، بل يستهدف المنطقة الأرض والعقيدة والبشر على السواء .
|