|
الثلاثاء 20 -05-2008 م الموافق 15 جمادي الاولى 1429 هق
في عام 1972 كلف الرئيس نيكسون جون دي روكفلر برئاسة لجنة رئاسية حول السكان والمستقبل الأمريكي . وكان روكفلر ذاته قد أعلن من قبل ذلك بعشرين عاماً عن تأسيس ما كان يعرف بـ مجلس السكان الذي دعا صراحة الي تجميد تام للنمو السكاني في العالم، وهو عبارة تعني في الواقع برامجاً لابادة جماعية منظمة.
شكل عمل لجنة روكفلر حول السكان والمستقبل الأمريكي عام 1952 الأساس لمشروع كيسنجر الجديد الخاص بنفس الموضوع والذي رفعه للرئيس في مذكرته الشهيرة في نيسان (ابريل) 1974 والتي حملت اسم NSSM 200 . ولخص كيسنجر رؤيته بهذا الشأن بالقول بأن معدلات النمو السكاني في الدول النامية الغنية بالمصادر الخام الاستراتيجية انما تشكل مبعث قلق للأمن القومي الأمريكي ويجب أن تحظي بالأولوية القصوي في اهتمامات الولايات المتحدة .
خلال السبعينات عندما كان كيسنجر علي رأس وزارة الخارجية بالاضافة الي منصبه كمستشار للأمن القومي، برز النفط الي جانب الغذاء كسلعة ذات اهمية استراتيجية بالنسبة للأمن القومي للولايات المتحدة.
وقتها أطلق كيسنجر استراتيجيته المثيرة للجدل التي حملت اسم استراتيجية النفط مقابل الغذاء والتي أخذ الاتحاد السوفييتي بموجبها باستيراد كميات كبيرة من القمح الأمريكي مقابل كميات من النفط السوفييتي المسعر بالدولار.
وكان الانتاج النفطي من الولايات المتحدة قد وصل الى الذروة عام 1970 وبدأ مرحلة التراجع المضطرد، وأصبحت الولايات المتحدة من الدول المستوردة للنفط، وتحول الغذاء الي سلاح في الترسانة الأمريكية منذ ذلك الوقت. وطبقاً لوزير الزراعة آنذاك ايرل بوتز فان الجياع يستمعون فقط لمن يملك قطعة خبز. فالطعام أداة وهو سلاح تفاوضي قوي في جعبة الولايات المتحدة ووقتها كان كيسنجر خير من يجيد التفاوض.
الواقع أن كيسنجر يدين بنجاحه السياسي منذ أواخر الستينات الى بدايته الموفقة مع عائلة روكفلر التي كان لها الفضل فيما وصل اليه من مواقع متقدمة على سلم السلطة. فمن خلال عمله كباحث في مؤسسة روكفلر ومن واقع احتكاكه المباشر مع العائلة التي كانت في قلب الاهتمامات النفطية والاستثمار في المواد الخام منذ بدايات القرن العشرين، أدرك كيسنجر مبكراً مدي أهمية النفـط والغذاء للمصالح القومية للولايات المتحدة.
واعتماداً علي مذكرة كيسنجر NSSM200 الخاصة بالنفط مقابل الغذاء، تبنت واشنطن رسمياً سياسة فرض القيود علي الدول النامية وهي سياسات كان لها أثرها السريع في الحد من معدلات النمو السكاني.
فقد حملت مذكرة كيسنجر اشارات ضمنية الي أن المجاعة قد تكون وسيلة فعالة في تخفيض عدد السكان في العالم عندما قال من المتوقع أن يشهد العالم حالات مجاعة من النوع الذي لم يخبره لعقود طويلة ماضية، مجاعات من النوع الذي أعتقد بأنه تخلص منها الي الأبد . واستبعد كيسنجر في مذكرته اقدام الولايات المتحدة علي توفير الصادرات الغذائية الي المناطق المنكوبة.
في عام 1975 كتب خليفة كيسنجر كمستشار للأمن القومي وشريكه في العمل الخاص بعد ذلك برنت سكوكروفت يقول تلعب القيادة الأمريكية دوراً أساسياً في مواجهة مشكلة تعاظم النمو السكاني، وفي تطبيق خطة عمل سكان العالم وصولاً الي تعزيز أمن ومصالح الولايات المتحدة في الخارج، ولهذا السبب جاءت الموافقة السريعة من قبل الرئيس علي المذكرة NSSM 200 .
تجدر الاشارة الي أن مذكرة كيسنجر NSSM 200 بقيت سرية حتى الاعلان عنها عام 1989 عندما نجح محامو الكنيسة الكاثوليكية في فرض الكشف عن الملفات الخاصة بهذه القضية التي تعارضها الكنيسة.
وكانت المذكرة قد أوردت تقديرات عن النمو في عدد السكان في العالم حتى ما بعد نهاية القرن، والنتائج المترتبة عن الحاجة للغذاء والمواد الخام وبخاصة النفط حيث جاء فيها القول ان النمو المتزايد لسكان العالم من شأنه أن يترك آثاراُ خطيرة فيما يتعلق بالحاجة الى الغذاء وبخاصة في الدول الأفقر والأسرع زيادة في عدد السكان.
وأضاف كيسنجر قائلاً ترتفع معدلات حاجة العالم للغذاء بنسبة 2.5% سنوياً أو أكثر في وقت لم يعد هناك المزيد من المساحات الصالحة للزراعة بدون استغلال، الأمر الذي يحتم البحث عن طرق أخرى لانتاج الغذاء مثل تحسين النوعية وزيادة المحصول. وفي مثل هذا الوقت تحديداً كانت مؤسسة روكفلر قد أطلقت برنامجها البحثي الواسع في مجال هندسة الجينات النباتية بما في ذلك الأرز. وبموجب توصيات كيسنجر في مذكرته المشهورة فقد جعلت واشنطن برامج الحد من تكاثر السكان من الشروط المسبقة التي تعترضها في مجال مساعداتها الخارجية بما في ذلك مساعداتها في حالات المجاعة. كما حرصت واشنطن على أن يكون الحد من الانجاب جزءا من السياسة الرسمية لصندوق النقد والبنك الدولي وبرامج الأمم المتحدة الأخري. وعليه وبدءاً من منتصف السبعينات أصبحت كافة المساعدات التي يقدمها الصندوق والبنك الدوليان للدول النامية المستهدفة مربوطة باستعداد هذه الدول للقبول بسياسات الحد من الانجاب التى تمليها واشنطن.
وطبقاً لمذكرة كيسنجر NSSM 200 فقد وردت أسماء 13 دولة رئيسية تشكل مصدر اهتمام سياسي واستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة وهي : الهند، باكستان، بنغلادش، اندونيسيا، تايلاند، نيجيريا، الفلبين، تركيا، مصر، أثيوبيا، المكسيك، البرازيل وكولومبيا.
ويري كيسنجر بأن معدلات الزيادة السكانية المرتفعة في هذه البلدان تشكل مصدر قلق للمصالح القومية الأمريكية.الجدير بالذكر أن كلاً من هذه الدول الرئيسية شهدت اضطرابات اجتماعية واقتصادية وعسكرية رئيسية منذ 1974.
وفي الوقت ذاته فقد حرصت الولايات المتحدة على حجب مساعداتها الغذائية عن الدول الرافضة تبني سياسات الحد من الانجاب أو زيادة السكان، حتى في حالة تعرض أي منها للمجاعة.
غير أن توصيات كيسنجر لقيت من يعارضها بشدة وبخاصة من الفاتيكان فكان أن تم التخلي عنها رسمياً في بداية الثمانينات. ومع ذلك فان المؤسسات الدولية المعنية استمرت في الأخذ بها علي أرض الواقع حيث تحولت الي جزء أساسي من برامج صندوق النقد والبنك الدولي وبرامج المساعدات الرئيسية للمنظمة الدولية، وذلك بفضل جهود مجموعة روكفلر وشبكة مجلس العلاقات الخارجية واللجنة الثلاثية ومجموعة بيلدبيرغ التي تتحكم بقرارات المؤسسات الدولية المذكورة.وما زالت توصيات كيسنجر تشكل سياسة غير رسمية مطبقة علي أرض الواقع وان تم الاعلان عن التراجع عنها رسمياً.
وبدون الحاجة الى الاعلان عن ذلك صراحة، فان توصيات كيسنجر في مذكرته شكلت فعلياً الجولة الأولي من حرب الولايات المتحدة علي الشعوب الاسلامية التي تسجل واحدة من أعلي معدلات زيادة السكان في العالم، وهو سبب آخر يضاف للأسباب التي تسوغ لواشنطن ولندن تبرير ما تطلقان عليه الحرب علي الارهاب ، واذا كان الوضع في السبعينات لم يكن مناسباً لاعلان الحرب علي الاسلام فان توصيات كيسنجر التي استهدفت الدول الاسلامية بوجه خاص باعتبار أن معظم الدول المدرجة علي قائمة الدول الرئيسية المستهدفة بشروط الحد من الانجاب والزيادة السكانية كانت دولا اسلامية، فان العراق وايران وسورية اضيفت للقائمة بعد 11 ايلول (سبتمبر) 2001.
قائمة الاهداف طويلة.. ومسرح الاندفاع الامبريالي الامريكي هو الساحة الاستعمارية البريطانية السابقة الاطاحة بصدام حسين قوّي الوجود الأمريكي وواشنطن ستعزز بقاءها الطويل في العراق عبر القواعد العسكرية.
=======================================
المصدر: فلسطينيو 48
|