|
خطة البنتاغون للحرب الاقليمية |
|
|
|
بقلم : عبد الحي زلوم
الاثنین 19 -05-2008 م الموافق 14 جمادي الاولى 1429 هق
جاءت استراتيجية البنتاغون المعدة من قبل وولفوتز عام 1992 شاملة ومفصلة بطريقة توضح تماماً حقيقة أن السياسة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي صيغت بتخطيط مسبق بهدف خلق القرن الأمريكي الجديد وامبراطوريته العالمية.
كانت السي. آي. ايه. C.I.A والمخططون الاستراتيجيون من النخبة السلطوية في مجلس العلاقات الخارجية مدركين تماماً في عام 1992 لحقيقة أن الحقول النفطية الرئيسية خارج منطقة الشرق الأوسط وربما الاتحاد السوفييتي السابق آخذة في النضوب وبسرعة كبيرة. وكشرط للسيطرة علي العالم، فان علي الآلة العسكرية الأمريكية الجبارة السيطرة علي مصادر النفط في العالم.
وفي الوثيقة الخطيرة التي أعدها عام 1992... يتحدث وولفوتز عن سياسة واشنطن تجاه المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية للمصالح الأمريكية نورد منها المقتطفات المحددة التالية الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا:
ان هدفنا الاجمالي في الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا هو ابقاء المنطقة خارج نفوذ أي قوة اقليمية والحفاظ علي حرية وصول الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الي نفط المنطقة.
كما نسعي أيضاً الي ردع أي عدوان في المنطقة وتعزيز الاستقرار الاقليمي وحماية المواطنين والممتلكات الأمريكية والحفاظ علي حقنا في استخدام الأجواء والممرات المائية الدولية. وكما تبين من الغزو العراقي للكويت فانه يبقي من الأهمية بمكان الحيلولة دون وقوع المنطقة تحت هيمنة قوة أو تحالف قوي اقليمية... وبخاصة فيما يتعلق بشبه الجزيرة العربية. ولهذا يتوجب علينا الاستمرار في لعب دور من خلال تعزيز سياسة الردع وتطوير التعاون الاقليمي.
وفي هذا الصدد أبلغ الجنرال شوارزكوف الذي قاد الهجوم علي العراق عام 1991 الكونغرس قبل ذلك بعام بالقول نفط الشرق الأوسط هو دم الحياة بالنسبة للغرب... فهو مصدر الطاقة لنا حالياً... ويشكل 77 % من الاحتياطات النفطية في العالم الحر... وسيبقي مصدرنا للطاقة عندما تجف المصادر الأخري في العالم . كان شوارزكوف يتحدث عن الذروة النفطية التي كانت قد أصبحت حقيقة واقعة عام 1990.
بعد أيام قليلة فقط من الغزو العراقي تحركت الولايات المتحدة لاستصدار قرار بفرض حظر اقتصادي شامل علي العراق أتبعته في 16 كانون الثاني (يناير) 1991 بحملة جوية وقصف بحري مدمر حيث أسقطت الطائرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والكندية وغيرها من الطائرات التابعة للتحالف ما يزيد عن 88500 طن من القنابل التي دمرت البنية التحتية للعراق بما فيها المصانع والجسور ومحطات توليد الطاقة الكهربائية ومنشآت الري وأنظمة الصرف الصحي وكل ما يحيط بها.
تلا ذلك الحملة البرية التي لم تستمر أكثر من أربعة أيام ولكنها أدت الي دفن الآلاف من الجنود العراقيين تحت رمال الصحراء وهم أحياء. وطبقاً لتقديرات الخسائر البشرية العراقية فان ما بين 150 - 350 ألف عراقي لقوا حتفهم في حرب الخليج الأولي منهم 200 ألف عسكري.
بعد حرب الخليج الأولي بدا الأمر وكأن صدام حسين قد انتهي بالفعل، غير أن السياسة الأمريكية تغيرت مجدداً. فلم يكن الهدف من الحملة العسكرية الأمريكية في الخليج الاطاحة بنظام صدام حسين فقد كانت الولايات المتحدة راغبة بابقاء النظام ولكن بدون صدام حسين شخصياً بعد أن جمح في طموحاته فوق ما تسمح به الاستراتيجية الأمريكية.
في نهاية حرب الخليج عام 1991 دعا جورج بوش الأب الشعب العراقي للاطاحة بصدام حسين. لم يكن بوش يخاطب الأكراد والشيعة أو أي قوى ديمقراطية للقيام بالمهمة، بل كان يخاطب الجيش أو كوادر حزب البعث.
وهنا يقول مدير السي. آي. ايه. C.I.A وليام ويبستر موضحاً لو كنا محظوظين وقتها، كانت القوات المسلحة العراقية أو الكوادر في حزب البعث الذي يتزعمه هي التي قامت بالمهمة وأسقطت صدام . كانت خشية واشنطن من حدوث ثورة شعبية في العراق أعظم بكثير من رغبتها في التخلص من صدام حسين في عام 1991.
استمرت استراتيجية الحرب السرية الأمريكية للهيمنة على النفط في العالم مع الحرب في البلقان وتوسعت حالياً من خلال حربها الجديدة التي أطلقت عليها اسم الحرب علي الارهاب عبر العالم.
الحرب على الارهاب... حرب نفطية
في عام 2001 صرح وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بأنه علي استعداد لنشر القوات الأمريكية في 15 دولة أخري اذا تطلبت الحرب علي الارهاب مثل هذا الأمر...
وكانت الحرب على الارهاب قد بدأت بأفغانستان لأنها كانت تشكل أهمية كبيرة بالنسبة للخطط الأمريكية الخاصة بالسيطرة علي نفط وغاز بحر قزوين التي تشكل المرحلة التالية في استراتيجية الامبراطورية الأمريكية العالمية. كانت تلك طريقة شيطانية لبدء عملية تطويق عسكري أمريكي لعدو سابق ومحتمل في المستقبل هو روسيا، اضافة لضمان سيطرة أمريكا علي أهم الحقول النفطية المتبقية في العالم.
وفي نفس السياق كانت حرب الأمم المتحدة في البلقان خلال عقد التسعينات وهي الحرب التي أدارتها واشنطن فعلياً من خلال الناتو... فقد كانت في الواقع حرباً من أجل النفط وخطوط نفط بحر قزوين للأسواق الأوروبية عبر كوسوفو باتجاه موانئ المتوسط. فعندما رفضت يوغسلافيا السابقة التعاون مع صندوق النقد الدولي... بدأت واشنطن في ظل كلينتون حملة منظمة لاشاعة عدم الاستقرار في يوغسلافيا مستخدمة المقاتلين الأصوليين الذين دربتهم السي. آي. ايه. C.I.A في أفغانستان.
وهكذا تم تفكيك يوغسلافيا الي دول مطواعة وتم احتواء دول الاتحاد السوفييتي السابق... وكانت النتيجة : احتلال الولايات المتحدة لكوسوفو حيث أقامت أكبر قاعدة عسكرية منذ فيتنام هي قاعدة كامب بوند ستيل Camp Bond Steel.
كان الاعتقاد السائد في ذلك الوقت بأن منطقة بحر قزوين تضم احتياطات نفطية تصل الي 206 مليارات برميل، أي ما يعادل وطبقاً للتقديرات الأمريكية 16 % من اجمالي الاحتياط العالمي من النفط مقارنة بـ 261 مليار برميل للسعودية و 22 مليار برميل هي الاحتياطات الأمريكية. غير ان هذه التقديرات وكما سلف ذكره جاءت مبالغ فيها الأمر الذي شكل أحد الأسباب الرئيسية للتراجع الكبير في أهمية أفغانستان علي قائمة الأولويات الأمريكية في الوقت الذي كان فيه وولفوتز والبيت الأبيض يوجهان الماكينة الدعائية للتركيز على الهدف النفطي الأكبر وهو عراق صدام حسين.
كان هناك سوقان رئيسيان لنفط بحر قزوين... اما الأسواق الأوروبية غرباً أو الأسواق الآسيوية جنوباً... أما الخيار الأول فكان يتطلب نقل النفط عبر أنابيب تمر من الشيشان عبر البحر الأسود ومروراً بمضيق البوسفور الي البحر المتوسط. غير أن مضيق البوسفور كان مزدحم بالناقلات المحملة بنفط البحر الأسود. كما أن الأوضاع في الشيشان كانت ولا تزال ملتهبة بمباركة ان لم تكن بدعم أمريكي ضمني باعتبار أن حالة الفوضي هناك تعيق الخطط الروسية لمد خطوط نفط عبر الجمهورية التي تطالب بالانفصال.
وكان السوفييت في السبعينات قد تحركوا للسيطرة علي أفغانستان لأسباب نفطية كذلك. فما ان اكتشفت موسكو حقول بحر قزوين الواسعة حتي أدركت أهمية أفغانستان كطريق للأنابيب التي ستنقل النفط ذلك الي موانئ المحيط الهندي مباشرة عبر الأراضي الأفغانية والباكستانية. كانت النتيجة حرباً سوفييتية في أفغانستان دامت عقداً كاملاً. ومن جانبها أدركت حكومة الولايات المتحدة الواقعة تحت سحر النفط مخاطر خط الأنابيب المذكور... علاوة علي رغبتها في اضعاف السوفيات بكل الطرق الممكنة... فكان أن وضعت امكانياتها في تصرف الجماعات الأصولية التي اتجهت الي افغانستان للمشاركة في الجهاد ضد السوفيات.
أقامت القوات الأمريكية العديد من القواعد العسكرية العاملة في اوزبكستان وقرقيزستان وغيرهما من دول آسيا الوسطي... ومن الواضح أن ما يطلق عليه استراتيجية مكافحة الارهاب تستهدف في الأساس الي تعزيز الهيمنة الأمريكية علي نفط الشرق الأوسط وجنوب آسيا في ذات الوقت واحتواء وتحييد دول الاتحاد السوفييتي السابق. وهذه الاستراتيجية تحتم الهيمنة علي أفغانستان حتي في ظل التوقعات التي تقلل من حجم نفط بحر قزوين.
اتسمت ردود الفعل الروسية بالضعف أمام المد الأمريكي في آسيا الوسطي وأفغانستان كما لو كانت موسكو التي تدرك بأنها لم تعد نداً قوياً أمام واشنطن... توافق علي التحركات الأمريكية تلك. غير أن الروس وجدوا في الانضمام لمنظمة شنغهاي للتعاون (SCO) التي تضم الي جانب روسيا كلاً من الصين وقازاخستان وقرقيزستان وطاجاكستان واوزباكستان... محاولة للحفاظ علي هيمنتها التقليدية علي آسيا الوسطي. غير أن المبرر الحقيقي لقيام المنظمة المذكورة يكمن في هيمنة أعضائها علي المصادر الهائلة للنفط والغاز في منطقة بحر قزوين.
يذكر أن الرئيس الأفغاني حامد كرزاي عمل كمستشار لشركة Unocal خلال تفاوضها مع طالبان لانشاء خط أنابيب Cent Gas عبر أفغانستان. وبالاضافة الي كونه أحد قادة المجاهدين في الحرب علي الوجود السوفييتي، فان كرزاي كان علي اتصال مباشر مع وليام كيسي... مدير السي. آي. ايه. C.I.A ونائب الرئيس جورج بوش والاستخبارات العسكرية الباكستانية. وبعد الاندحار السوفييتي من أفغانستان عملت السي. آي. ايه. C.I.Aعلي نقل كرزاي وعدد من اخوته الي الولايات المتحدة لاعداده للدور الكبير القادم له في أفغانستان.
الواقع أن الدوافع الحقيقية لحرب ادارة بوش في أفغانستان كانت جلية لكل من يتابع تقارير السي. ان. ان C.N.N. والواشنطن بوست Washington Post. فقد اجتمع السفير الأمريكي في باكستان ويندي شامبرلين Wendy Chamberlain مع وزير النفط الباكستاني عثمان أمين الدين في كانون الثاني (يناير) 2002 لاستكمال مناقشة الخطط الخاصة بانشاء خط النفط والغاز عبر أفغانستان وباكستان وتشجيع الباكستانيين علي المضي قدماً في بناء محطة تحميل النفط علي بحر العرب.
ومنذ الغزو الأمريكي لأفغانستان وتنصيب قرضاي رئيساً للبلاد... والقوات الأمريكية تحاول جاهدة تأمين أعمال انشاء الأنبوب المذكور تاركة مهمة حفظ الأمن في المدن الأفغانية للقوات الدولية بما فيها القوات الألمانية التي تشارك في العملية خروجاً عن الدستور الألماني الذي يحظر ارسال الجنود الألمان للخدمة في الخارج.
ولضمان استمرار العمل في مشروع خط أنابيب عبر أفغانستان... تم تعيين الأفغاني الأصل زلماي خليل زاد... وهو عضو سابق في مشروع Cent Gas التابع لشركة Unocal مساعداً لمستشار الأمن القومي وبعدها مبعوثاُ خاصاً للرئيس بوش في أفغانستان. وخليل زاد ينتمي الي قبائل البشتون كما هو الحال مع كرزاي... وهو ابن مسؤول حكومي كبير عمل في سنوات الملك ظاهر شاه. والي جانب عمله كمستشار لمؤسسة راند Rand أعد خليل زاد العديد من التحليلات الخاصة بمخاطر المشروع تحت ادارة كونداليزا رايس Condoleezza Rice عندما كانت تعمل كعضو في مجلس ادارة شركة شيفرون Chevron. هذا وبعد تراجع أهمية أفغانستان بالنسبة للادارة الأمريكية قرر بوش الاستعانة بخليل زاد كمبعوث خاص له الي العراق.
ما ان انتهت الحرب الأمريكية على الارهاب في أفغانستان واستكمال الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة من خلال القواعد الجديدة في دول آسيا الوسطي... حتى تحول التركيز الأمريكي الي العراق في وقت تمضي فيه ادارة بوش في رسم خططها الخاصة بالحروب الامبريالية النفطية في أماكن أخري من العالم مثل فنزويلا ونيجيريا وغينيا الاستوائية وحتي في روسيا.
وكانت الولايات المتحدة قد ناصبت دكتاتور نيجيريا السابق الجنرال سانا أباشا العداء. وعندما توفي أباشا في وقت لاحق من عام 1999 في ظروف غامضة بادرت واشنطن الي استئناف مساعداتها العسكرية للنظام الجديد الذي يتزعمه المسيحي اوباسانجا المقرب من بوش . وفي عام 2003 تضاعفت المساعدات الأمريكية للحاكم النيجيري الجديد... الأمر الذي تزامن مع بدء الجنرالات الأمريكيين مفاوضات مع نظام اوباسانجا الصديق لاقامة قواعد عسكرية أمريكية دائمة في منطقة خليج غينيا الغنية بالنفط وتحديداً علي جزيرتي برنسيبي وساو تومي الصغيرتين.
جاءت الحرب الأمريكية علي العراق والاطاحة بصدام حسين لتنهي كافة العقود والاتفاقيات المبرمة سابقاً مع دول مثل روسيا وألمانيا وفرنسا، الأمر الذي يفسر سر معارضة هذه الدول للحرب الأمريكية على العراق قبل أن تبدأ. كما أن المحللين يضعون الضغط علي الصين ضمن أهداف التحرك الامبريالي الأمريكي في السيطرة علي المنابع وطرق الامدادات النفطية خاصة وأن الصين تجاوزت اليابان عام 2004 في حجم الواردات النفطية لتصبح ثاني اكبر مستورد للنفط في العالم.
==================================
المصدر : القدس العربي
|