مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > الولایات المتحده > الكتب الاستراتيجية > اليمين المسيحي.. والحرب على العالم
اليمين المسيحي.. والحرب على العالم نسخة للطابعة ارسال الی صديق
  بقلم : كريس هيدجس
 عرض: عبد الحق بوقلقول

 
                                                الخميس 8/11/2007 الموافق 27 شوال 1428هق

 الكتاب الفاشيون الأميركيون: اليمين المسيحي و الحرب على أميركا
المؤلف كريس هيدجس
الناشر فري بريس (2007)
الصفحات مجلد بحجم 272 صفحة

 
ذا كان غلاة أنصار المشاريع الأميركية في المنطقة يجهدون أنفسهم في سبيل التبشير بصواب مفاهيم العدالة والديمقراطية 'المجوقلة'، فإن الكتاب الذي سنعرض له في هذه المرة، يدحض مزاعمهم من أسسها، لأنه يثبت أن المتطرفين المسيحيين يتحملون وزرا كبيرا من هذا الواقع العالمي الخطير بكل المعايير، على عكس ما قاله بوش مثلا، حينما ربط في إحدى خطبه بين ما يصفه 'الإرهاب الإسلامي' و بين الفاشية، ليصير هذا الوصف الأخير، موضة تتناقلها منابر الإعلام المتصهين إمعانا في تشويه صورة الدين الحنيف.

و لأن لفظ 'الفاشية' يصلح أكثر ليلصق بما تمارسه عصابات اليمين المتطرف في أميركا على وجه التحديد، فإن كتابا مهما صدر في هذا الاتجاه و في أميركا نفسها، حيث يتعرض هذا المؤلَف إلى تنامي ظاهرة المبشرين المسيحيين و صعود أثرها على الرغم من أنها قبل نحو ربع قرن من اليوم، لم تكن تحظى بأهمية تذكر في المشهد السياسي الأميركي.

في هذا الكتاب الذي أصدره الباحث و المحلل السياسي كريس هيدجس، بعض من تفاصيل هذا الصعود المهم لليمينيين فهو يقول: "حينما كان القس بات روبرتسون و غيره من مشاهير الوعاظ التلفزيونيين يتحدثون وقتذاك على أنه يتعين على أميركا أن تصير أمة مسيحية صرفة حتى تستطيع إقامة إمبراطورية مسيحية، لم نكن نأخذ الأمر على محمل الجد ولكنها صارت اليوم تمثل تهديدا حقيقيا لحرياتنا و طريقة حياتنا نحن الأميركيين"!

المؤلف، هو صحافي أمريكي ذائع الصيت فضلا على أنه حاصل على شهادة الماستر في علوم اللاهوت من جامعة هارفارد بالإضافة إلى أنه واحد من أبر معارضي سياسات بوش. كما أمضى عقدين من الزمن مراسلا لصحيفة نيويورك تايمز في العديد من مناطق النزاع عبر العالم.

صدر هذا الكتاب في الشهر الأول من العام الجاري، و فيه عرض واف لجوانب كثيرة من العلاقات المشبوهة التي تربط الوسط اليميني المتطرف في أميركا بصناع القرار في واشنطن، حيث يتناولها الكاتب بطريقة المتخصص الخبير بالنظر إلى تكوينه العلمي أولا، ثم ثقافته السياسية الكبيرة التي مكنته من كشف طرائق وآليات تداخل مصالح معسكري السياسة و التطرف الديني في الولايات المتحدة، وكيف يستند السياسيون في واشنطن إلى دعم لا محدود من قبل غلاة التطرف المسيحي هناك في سبيل شن الحروب عبر العالم، معززين في ذلك - كما يقول المؤلف- " بتفسيرات تسطيحية من الكتاب المقدس بعيدة عن روح الدين و قيمه السامية".
يقول هيدجس: "لقد تعودنا أن نسمي هؤلاء الوعاظ بمسميات مختلفة على شاكلة: الإنجيليون أو الأصوليون...
و لكن هذا في الواقع غير صحيح، لأن الأصوليين عادة يدعون الناس إلى إزالة 'التلوث العلماني' عنهم، وتجنب الخوض في السياسة.. مثلا، إلا أن هؤلاء هم صنف جديد، فالمدعو بات روبرتسون، أو جيري فالويل مثلا، ومن حذا حذوهم، يدعون صراحة إلى إقامة دولة مسيحية، حيث إنهم دمجوا القيم المسيحية بمفاهيم القومية الأميركية بشكل أوجد تحالفا بينهم وبين مصالح اليمنيين عامة، بما فيها مصالح أصحاب الشركات الكبرى"!

لأجل هذا الخلط الممنهج، فإن الكتاب يتناول بالدراسة والتحليل، وضع الحركات و الجمعيات المسيحية المتطرفة التي تهدف إلى السيطرة على العالم، كما يجزم المؤلف بذلك، فهي وفقا له، منظمة تنظيما فائقا وتحظى بتمويل هائل من لدن أنصارها الأثرياء من الصناعيين خاصة، ولذلك فإن كتابه يبحث في أجندة هذه الحركة وأصولها ودوافعها، فيكشف ركائزها الأيديولوجية، علاوة على أنه يبين أنها تسعى إلى امتلاك قوة مطلقة في دولة مسيحية، وهي في نظر الباحث، تشبه وإلى حد بعيد، الحركتين الفاشيتين، اللتين ظهرتا في ايطاليا وألمانيا خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

كريس هيدجس الذي نشأ أصلا في ضواحي نيويورك حيث كان والده يعمل قسا، يهاجم في كتابه هذا غلاة التطرف المسيحي فيعتبرهم واحدا من أكبر أسباب ما آلت إليه حياة الأميركيين في السنوات الأخيرة. ثم إنه وعلى اعتبار كونه رجلا ملما بما ورد في العهدين القديم والجديد، يتحدث أيضا عن الكيفية التي نال بها عدد كبير من أعضاء الكونغرس بغرفتيه، أصوات الناخبين، فيقول إن هذا جرى بناء على التقاء مصالح اليمين بالمتطرفين المسيحيين، خصوصا و أن هؤلاء الوعاظ - كما يقول- يتحدثون عبر أكبر قنوات التلفزيون في أميركا، ويدخلون بالتالي و بشكل تلقائي إلى عشرات ملايين المنازل في الولايات المتحدة حيث: "ينشرون التعصب ويركزون على دعم المناهج المسيحية في المنظومة المدرسية".

يتضمن الكتاب أيضا مقابلات عديدة أجراها المؤلف مع عدد كبير من المراقبين، وفيه فضلا عن ذلك، تغطيات حصرية لعدد مهم من الاجتماعات المسيحية المغلقة التي انعقدت تحت هذا السياق، حيث يخبرنا مثلا أن إحدى القاعات التي تشهد اجتماعات من هذا النوع، توجد بها بقايا حافلة محطمة يقول الحاضرون هناك إنها انفجرت 'بفعل انتحاريين فلسطينيين في القدس' وفي هذا الكلام دليل على التداخل المكشوف بين هذه الجمعيات وبين المشروع الصهيوني والكيان الاسرائيلي التي يؤمن هؤلاء القوم بأنها ضرورة 'توراتية مقدسة'!

و في فصل بعنوان 'الطبقة الجديدة'، يتحدث هيدجس عن اجتماع سنوي يعقد في مدينة أناهايم، في ولاية كاليفورنيا في غرب الولايات المتحدة الأمريكية، لمنظمة 'الوعاظ التلفزيونيين القوميين'، وهي منظمة أمريكية تمثل المذيعين المتدينين المسيحيين في محطات الإذاعة والتلفزيون، ومن بينهم العديد من مشاهير الوعاظ الذين يقدمون برامج دينية مسيحية، فيقول إن ذلك الاجتماع قد ضم نحو 5500 مذيع ومذيعة، تصل برامجهم، كما يقولون، إلى ما يقدر ب 141 مليون مستمع ومشاهد عبر الولايات المتحدة. وهم يعتبرون أنفسهم مضطهدين وأقوياء في الوقت ذاته، ويخيم هذا الإحساس على جو الاجتماع، فهم يعتقدون بأنهم مهددون من قبل قوى تآمرية تسعى إلى تدميرهم، ولكنهم مؤيدون بقوة 'عودة المسيح التي لا ريب فيها'. وهذه العواطف تشد بعضهم بعضا، وتجعلهم يحسون وكأنهم رفاق في معركة واحدة ضد 'غير المؤمنين " .

بالإضافة إلى ذلك، يطلعنا المؤلف في الأخير بأن أتباع اليمين المسيحي منعزلون ضمن أنظمة مغلقة تزودهم بالمعلومات والتوجيه العقائدي، فتغذي أحقادهم وتعصبهم . ثم يشير أيضا إلى أن عشرات الملايين من الأميركيين يعتمدون على المذيعين المسيحيين وبشكل حصري في تلقي البرامج ليس الإخبارية فحسب، بل الصحية والترفيهية والعقائدية طبعا، حيث تم تنظيم هؤلاء الأتباع في كتل انتخابية منظمة وقوية، وهم يترددون على كنائس تتحول في أوقات الانتخابات إلى معاقل محلية للحزب الجمهوري، أما في باقي أوقات السنة فهي تستغرق كل وقتهم الاجتماعي والديني والترفيهي كذلك.

في هذا الكتاب أيضا إشارة إلى أن هؤلاء الأتباع منغلقون داخل عالم لا يتأثر بما يدور خارجه، فهم لا يبدون أي تساؤل أو اعتراض، ففي كل مكان في أمريكا - يقول هيدجس- هنالك ما بين مليون إلى مليوني مليون طفل بروتستانتي، يتلقون تعليمهم في المنازل، ولا يسمح لهم بمواجهة أية أفكار أو أبحاث تتعارض مع وجهة نظرهم المبنية على نصوص توراتية، فهم يتلقون ما يفيد بأن أميركا وجدت أصلا لتكون دولة مسيحية، وأن السياسيين الذين يعارضون وجهة نظر المسيحيين المتطرفين هناك، يعملون على تدمير هذه الدولة المسيحية، حيث كثيرا ما يجري توجيه هؤلاء الشبان والشابات نحو كليات وجامعات مسيحية مثل (جامعة الحرية) التي يملكها جيري فالويل، و(جامعة ريجنت) التي يملكها بات روبرتسون، حيث يتم تدريبهم على الطاعة العمياء، وإبعادهم عن التحليل النقدي، والتساؤل والتفكير المستقل.
الكتاب في عمومه، مليء بالمعلومات التي قد لا يعرفها الكثيرون، و التي ربما يجادل البعض أنها غير واقعية خصوصا و أنها تتحدث عن وقائع تجري في بلاد يفترض أنها محكومة بضوابط تحررية تقدس الفرد، وتعبد 'العقل والمنطق' ولكنها مع ذلك، وقائع موثقة وصحيحة لا يمكن تجاهلها، ولا حتى التغاضي عنها لأنها وببساطة، تكشف لنا كيف تتداخل مصالح أصحاب شركات النفط وصناعة الأسلحة في الولايات المتحدة مع مصالح المبشرين المتصهينين عبر العالم، ودور أمريكا كقوة عظمى في إذكاء الحروب والنزاعات وتهديد السلم العالمي، تماما كما بشر بذلك قبل عقود من الآن، المفكر المتصهين الآخر صموئيل هنتنغتون حينما أطلق نظريته التي أسست لعصر الإمبراطورية الأميركية: "نظرية صدام الحضارات".
----------------------------------
المصدر: الاسلام اليوم

ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement