مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > الولایات المتحده > الخطط الاستراتيجية > صناعة الأعداء… إستراتيجية أمريكية ثابتة
صناعة الأعداء… إستراتيجية أمريكية ثابتة نسخة للطابعة ارسال الی صديق
 المؤلف: إبراهيم شاهين  
 
                                                       الأحد 30/9/2007 الموافق 18 رمضان 1428 هق

 
 
كان الإتحاد السوفيتي العدو الذي جندت من أجله الولايات المتحدة كل الإمكانيات عقودا من الزمن .. عرف بإسم زمن الحرب الباردة ..
ولما تحقق لها حلم النصر وانهار الإتحاد السوفيتي لم تستطع أن تحيا دون عداء .. فبدأت تناوش من أجل خلق عدو جديد ، ووجدت ضالتها في الاسلام ..
تعتقد أنه الوحيد بعد سقوط الشيوعية الذي يصلح للعب دور العدو .. ولما كان لكل طريق مدخل .. فكان الطريق إلى الإسلام وبلاد المسلمين لابد أن يمر عبر مدخل إسمه تنظيم القاعدة الذي جعلت منه الولايات المتحدة فزاعة لتخويف العالم والحكومات من الإسلام .
بات تنظيم القاعدة ثوبا تلبسه الولايات المتحدة لكل دولة إسلامية تمثل مصلحة معينة لواشنطن .. وعلى الفور تتحذ ضدها كل الإجراءات العدائية وتجند المجتمع الدولي في الأمم المتحدة وفي حلف الأطلنطي لتقنع العالم بشرعية عدوانها .
ومن أفغانستان إلى العراق ثم الصومال .. وتدور الدائرة حول السودان توشك أن توقعه .. ولا أحد يعرف أين المحطة القادمة للعدوان الأمريكي .. لكن الجميع يكاد يوقن بأنها قادمة.

إنها إستراتيجية يجيد الأمريكيون فنونها .. تسمى بصناعة خلق الأعداء .. ويقف وراء هذه الإستراتيجية الأمريكية ويدعمها العديد من العوامل التي ساهمت في نجاحها أهمها :
1- الهيمنه الأمريكية على الساحة الدولية بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي ، وهي هيمنة إقتصادية ،عسكرية ، ثقافية وبالطبع سياسية .
2- عدم إحترام الولايات المتحدة للقانون الدولي والمنظمات والمعاهدات الدولية.
3- العجز العربي والإسلامي حيال المخطط الأمريكي لإخضاع المنطقة إخضاعا تاما أو مباشرا للهيمنة الأمريكية فيما يشبه العودة لفترة الإستعمار في النصف الأول من القرن العشرين.
بالإضافة للضعف الأوربي في مواجهة السياسات التي تنتهجها أمريكا بشكل عام ، وإدارة المحافظين الجدد بشكل خاص – الذين يمثلون نزعة صهيونية بحكم النفوذ الكبير للوبي الصهيوني داخل دوائر صناعة القرار السياسي الأمريكي في البيت الأبيض وفي الكونغرس ، وهذا الضعف الأوربى أخذ يزداد حدة بعد الرفض الشعبي للدستور الأوربي، وتبوأُ حلف الأطلنطي للسياسة الأوروبية .. ومعروف أن هذا الحلف تسيطر عليه واشنطن .
ويعزز هذا الضعف الأوربى تجاه قضايا الشرق الأوسط بالذات التواطؤ العربي الغريب مع الولايات المتحدة ، الأمر الذي يجعل الفكر الأوروبي يميل إلى أن العرب يتحالفون ويكافئون خصومهم بينما يعاقبون حلفاءهم، وأن إستخدام العصا معهم هي أنجح الطرق للوصول إلى عقولهم وأموالهم .
وتستغل أمريكا في هذا المجال الحركات التي تتبنى فكرة تسييس الإسلام في الساحة الدولية والتنظير لها ليبدو وكأن الإسلام هو العدو الأخطر الذي حل محل الشيوعية وإمبراطورية الشر.

وعلى الجانب الآخر هناك محللون يرون أن الولايات المتحدة تريد أن تبعد في هذه الفترة عن العدو الأصفر الحقيقي فبدأت بمن هو أضعف للسيطرة على المناطق المحيطة بهذا العدو .. لذلك تريد تمهيد ساحة النزال والمواجهة مع العدو الحقيقى والمنتظر ( الصين ) بأن تجعل منطقة الشرق الأوسط - وهي أقرب منطقة إلى العمق الصيني - القاعدة الإستراتيجية الأمريكية لساحة المواجهة مع العدو الجديد بعيدا عن العمق الأمريكي.

وفي الحقيقة ، فإن أمريكا لا تخاف من العرب المسلمين على إمبراطوريتها لأنهم بتركيبتهم الحالية وثقافتهم لا يحبون العمل والعلم والتقدم الحضاري ، بل يعيشون في عالم من الخرافات وهو ما نأى بهم بعيدا عن الواقع العالمي . . فالولايات المتحدة تسعى في ذلك إلى تمهيد الأرض تماما في شرق أوسط كبير يمتد حتى وسط آسيا وتحويله إلى منطقه مستقرة تخضع بالكامل للسيطرة الأمريكية مستعينة بالكيان الصهيوني والبترول والحكام العرب الخونة.

وساهم في تزايد الهيمنة الأمريكية أنه طوال الـ60 عاما الماضية كان العرب يعيشون في شرق أوسط مستقر في الظاهر لكنه يغلي في الواقع نتيجة القهر والإستبداد اللذين يمارسهما الحكام العرب والمسلمون خضوعا وتواطؤاً مباشرا مع الهيمنة الأمريكية.

غير أن أمريكا بدأت تقلق من هذا الإستقرار الظاهري وعدم قدرتها على إخضاع المناطق التي قامت باحتلالها سواء في أفغانستان أو العراق وحتى في الصومال .. وتعدى الأمر الخسائر الكبيرة في الأرواح والعتاد التي تتلقاها جيوشها في مناطق الإحتلال .. وتريد إستقراراً حقيقياً في المنطقة يكفل لها التواجد الآمن وتحقيق مصالحها، وإن ترتب على ذلك في النهاية أن تتخلص من النظم الحليفة لها في المنطقة بمجرد إنتهاء مهمة كل من هؤلاء الحكام في شرق أوسط جديد ليحل محلهم آخرون في زي جديد وبقبضات فولاذية بدعوى الديمقراطية الأمريكية ، حتى تتمكن الولايات المتحدة من بناء القواعد العسكرية التي تراها ضرورية لرعاية مصالحها وحلفائها في الشرق الأوسط خاصة الكيان الصهيوني.

وفي سبيل تحقيق أهدافها تضع الولايات المتحدة الإستراتيجية المناسبة لكل مرحلة .. فأعداؤها مختلفون في المكان والزمان والقدرات .. تضرب عند اللزوم إذا استدعى الأمر القيام بذلك ما دام ذلك يتم بعيدا عن الأراضي الأمريكية...

إن خلق الأعداء إستراتيجية تسير وفق اللعبة الأمريكية التي باتت معروفة والتي يجيدها "اليانكي" الأمريكي عندما يسعى لخلق عدو جديد يتوجه إليه بسهامه بعد أن ينتهي أو يستهلك العدو القائم.

وأقرب الأمثلة على الإستراتيجية الأمريكية في خلق الأعداء ما يدور في العراق ، فخلال مراحل الحرب منذ بدء الإحتلال على العراق كانت الإدارة الأمريكية أشبه بالحاوي الذي يخرج من جرابه في كل مرة مبررا جديدا بدلا من الآخر الذي أثبتت الأحداث عدم صحته ، وتعددت المبررات بتوالي الأيام من أسلحة الدمار الشامل إلى تغيير النظام الدكتاتوري إلى إقامة النظام الديمقراطي النموذج إلى مكافحة ما تصفه بالإرهاب.. إلخ.

فلا يمكن أن ننسي الخطاب الإعلامي الأمريكي الذي كان يُحمّل عدي وقصي - ولدي صدام حسين- مسئولية قيادة المقاومة ، وعندما قتلا ركز الخطاب الأمريكي على أن المسئول عن المقاومة هو عزة إبراهيم نائب صدام حسين .. ثم أعلنوا أنهم نجحوا في إلقاء القبض عليه وتبين فيما بعد أنه ليس من ألقي القبض عليه .. ومرت الأيام واختفى اسم عزة ابراهيم تماما ولم يعد أحد يتذكره لا بالخير ولا بالشر.

وهكذا .. تمر الأيام وتوجه السهام الأمريكية إلى الصومال منذ قيام الرئيس الأمريكي جورج بوش بالدعوة لعقد مؤتمر دولي وتشكيل لجنة إتصال لمناقشة الشأن الصومالي قبيل عملية الغزو الأمريكي غير المباشر للصومال بواسطة الجيش الإثيوبي الأجير.

ولم تسلم السودان من السهام الأمريكية وتخضع لضغوط قوية ومباشرة من خلال الأمم المتحدة ومجلس الأمن – الذي تسيطر عليه واشنطن – في إنتظار تطوير إستراتيجية العدوان الأمريكية المقبلة ضد السودان وشعبه .

وبمتابعة التحركات الأمريكية في الفترة الأخيرة ، فإنه من المتوقع أن تنحسر السهام الأمريكية تدريجيا عن العراق .. حيث أن ملابسات الأحداث في بغداد وواشنطن تؤكد ذلك .. فأين توجه الولايات المتحدة عدوانها في المرحلة القادمة ؟

إن إستراتيجية خلق الأعداء ليست حالة مرضية أمريكية بمقدار ما هي مخطط دقيق وبرنامج محكم يستند إلى عقيدة وفكر محدد .. وأول خطوة في طريق تحقيق هذه الإستراتيجية يعتمد على إثارة الفوضى .. الفوضى البناءة.

خلال عقدين من الزمن كلفت مراكز الدراسات المتخصصة في الولايات المتحدة الأمريكية لوضع أساس فكري نظري لسياسة الهيمنة الأمريكية وتوصلت هذه المراكز إلى خلاصة أن القوة الأمريكية وحدها غير كافية حيث لابد من إضعاف بلدان هذه المنطقة من العالم عبر إرباكها وإغراقها في الفوضى لتسهل السيطرة عليها ، ومن هنا جاءت سياسة خلق الأعداء.

ولقد برز من خلال مراكز الفكر مفهوم "جيوبوليتكا الفوضى" الذي يرى أن التدمير هو السبيل لخلق إيجابية التدمير وأن التحدي في الأوضاع غير المرغوب فيها في فتح الباب أمام عدم الإستقرار كبديل للنظام القائم والذي سيؤدي بدوره إلى بروز نظام جديد وأنماط جديدة وأن إدارة التغيير تتطلب دفع النظام القائم بعيداً عن الإستقرار بإيجاد الأزمات إذا اقتضى الأمر وأن النظام الجديد سيولد من ثنايا العشوائية والفوضى " ألمانيا واليابان بعد الحرب - أفغانستان والعراق - الأزمة المالية عام 1997 لدول جنوب شرق آسيا ".

ويتواكب هذا المفهوم مع سيطرة آراء الإقتصادي الأمريكي " جوزيف شومبيتر " على الفكر الإقتصادي والإداري في أمريكا والذي يرى أن الإبتكار وليد عملية تدمير خلاق وأن تطور الحياة الإجتماعية والإقتصادية وتطور المنتجات والخدمات في قطاع الأعمال يخضعان لنفس فلسفة التدمير الخلاق وهي فلسفة قانون الطبيعة التي سبق أن اعتنقتها الإيديولوجيا الأمريكية من خلال أفكار جون لوك في دراسته عن الحكومة " 1689- 1690" والتي أسست مفاهيم " دعه يفعل دعه يمر" .

ومثال على ذلك قام الرئيس نيكسون بقلب النظام الإقتصادي العالمي في أغسطس 1971، عندما أعلن سياسته الإقتصادية الجديدة والتي أدت إلى تفكيك النظام العالمي القائم منذ الحرب العالمية الثانية " نظام بريتون وودز" متبعاً في ذلك نصيحة "ريتشارد دي بوف" عندما تخسر فعليك تغيير قواعد اللعبة.

والتصدي للهيمنة الأمريكية يتطلب معرفة متعمقة لعناصر الإستراتيجية الأمريكية وأصولها الفكرية وعدم الإستهانة بصلابتها مما سيتيح بالتالي تحفيز المجتمع العالمي لمواجهتها وإحداث صحوة في الضمير العالمي وذلك بالإرتكاز على عوامل التراكم الثقافي لأوروبا والشرق وعلى مساحة الحرية والإنتشار التي تتيحها ثورة الإتصالات والمعلومات والإعتماد على القوى الذاتية ومقاومة مؤسسات الإمبراطورية ولم شمل المضطهدين ومن يساندهم في العالم المتقدم من خلال تجمعات دولية جديدة والحفاظ على التجمعات القائمة التي تمثل الشرعية الإنسانية والقانون الدولي وفي مقدمتها الأمم المتحدة وكل المؤسسات الدولية الأخرى المستهدفة بالتحجيم والإلغاء من قبل أمريكا التي تبني إستراتيجيتها على نشر الفوضى والعدوان وإرباك المجتمعات المستهدفة من قبلها وبالتالي إنهاكها وإضعافها تمهيداً لفرض سياسة الهيمنة الأمريكية.
-----------------------------------------------------
المصدر : المصدر وكالة الأخبار الإسلامية

ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement