|
القاعدة في الجزائر.. حقيقة أم خيال؟ |
|
|
|
بقلم: محمد عقبة القاسمي الحسني
22/11/2007 الموافق 11 ذي القعدة 1428 هق
ما حدث في الجزائر يوم الأربعاء 11 نيسان/إبريل خلط أوراقا كثيرة..و لم يستطع المحللون إيجاد تفسير دقيق لما حدث. واستعجل البعض، وتاه آخرون.
من البديهي أن الإستعجال في الحصول على أجوبة لن يكون ذا جدوي كبيرة لأن المعطيات المتوفرة لا تعطي صورة واضحة لما حدث. غير أن بعضها يغنينا عن الجنوح إلى تفسيرات خاطئة.
وأكبر من الخطأ، الخطرُ في أن يمعن بعض المهتمين من صحافيين ومحللين في مغالطات أبعد ما تكون عن الحرفية والموضوعية، بل والمنطق.
ولم تتملكني الدهشة أن سمعت مرارا من مدير تحرير صحيفة جزائرية مشهورة وهو يتناول الأحداث الأخيرة، ويقول بإصرار وتأكيد ما مفاده أن الجيش يحاصر تنظيم القاعدة في جبال بجاية، وأن التفجيرات الأخيرة هي من صنع القاعدة ..
ثم أقرأ في نفس الجريدة، وبعدها في جرائد أخرى، عن القاعدة وكأنها صارت واقعا معيشا في الجزائر لا مفر من التعامل بمقتضاه!
وتساءلت: لماذا الترويج لهذا الخطاب في الساحة الإعلامية المحلية والدولية؟ وهو للأسف لا يعدو أن يكون خطابا تهويليا، عاريا عن الصحة ومتسما بالسطحية.
وسعيا منا ـ كقارئين ومتابعين لا كمحللين ـ إلى ترتيب ما قد يصيبنا من تشويش في قراءة هذه التحليلات و التأكيدات ؛ نحاول بهدوء أن نستوضح ما يجري.
الواجهة الإعلامية:
لا شك أن علماء المسلمين وشعوبهم يتفقون في إدانة منهج القاعدة في مقاومة الطغيان الأمريكي. وليس هناك مسلم إنتظم في عقله ميزان العقل والشرع، يرضى بتبرير ما حدث في أيلول (سبتمبر) 2001، بنيويورك، لما في ذلك من سفك دماء مدنيين أبرياء في غير وجه حق، وما نتج عنه من آثار سلبية في حياة أمتنا الإسلامية.
لكن هذا الإستنكار الواسع والمتكرر لم يمنع من بقاء بعض اللّمعان الجذّاب لخطاب القاعدة ودعوتها، مما يستهوي أصحاب العقول الساذجة، والنفوس الغضبى لما يحصل من إنحياز أمريكي سافر في فلسطين، وإستدمار في العراق.
إذن فعنوان القاعدة إستهوى الجماعات المسلحة في الجزائر ووجدت فيه واجهة إعلامية تقتات بها لإضفاء بعض المصداقية على نشاطها المفتقد للدعم الشعبي.
وهي تجارة في العواطف، تستثمر في وجدان الشعب الجزائري، وثيق الصلة بما يحدث في أراضينا المقدسة، وما بين النهرين.
وهذا ما يجيب على سؤال ما إذا كان التنظيم المسلح في الجزائر قد التحق فعلا بنتظيم القاعدة، أم هو إنضمام شكلي أهدافه معروفة.
فما هي القواسم المشتركة بين مرجعية اسامة بن لادن ورؤيته، وسياسة الجماعة السلفية للدعوة والقتال ومنهجها:
من المؤكد أن ظروف نشأة القاعدة وظروف نشأة الجماعة السلفية للدعوة والقتال ودواعيها مختلفة تماما. من المعروف أن المرجعية الفكرية لابن لادن هي الفكر السلفي الجهادي. في بادئ الأمر كان ضد الروس في أفغانستان ـ وهو جهاد مشروع ـ ثم بعد ذلك توجه إلى ضرب المصالح الأمريكية، إبتداء من نهاية التسعينيات إلى أوائل القرن الحالي.
وقد كانت بدايات عملياته غير مصرحة إلى أن جاء الإعتداء علي أفغانستان، وما تلاها من أحداث.. بعد ذلك كانت كل خطاباته المسجّلة، وكذا رفيقه أيمن الظواهري، موجهة للتحريض على أمريكا. وقد خاطب الشعوب وحكامها على سواء، وحضهم على التوحد في مقاومة الطغيان الأمريكي. وفي الخطابات التي تلت، والتي أقرّ فيها بتخاذل الحكام عن دورهم في نصرة القضية الفلسطينية، وعدم إستجابتهم لدعوته..لم نسمع، ولو مرة، كلمة كفَّر بها حاكما، أو حرض على قتل مسؤول أو أمير، بل لم يدعُ حتى إلى انقلاب على رئيس أو ملك أو أمير..
كان يطغى على خطابه التهجم على أمريكا، والحثّ على ضرب مصالحها أينما كانت. وكان أتباعه في المملكة العربية السعودية، أو ممن تأثروا بفكره، قد قاموا بعدة عمليات ضد منشآت بترولية، قصد زعزعة الإقتصاد الأمريكي.. لكننا لم نسمع بأمير اغتيل هنا أو مسؤول في الدولة قُتل هناك، ولم نسمع بكمائن وضعت لأفراد من الجيش السعودي، ولم نشاهد تسجيلات صوتية وتلفزيونية تُكفَّر فيها الأسرة الحاكمة في السعودية، أو تصفهم بالطغاة الذين تجب محاربتهم. على خلاف الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي يُعزى إليها هذا الأسلوب.
وهو فكر تكفيري يلغي به الآخرين تماما، وينظر إلى نفسه ممثلا للفرقة الناجية. وقد إفتقدت هذه الجماعة لمشروع فكري وسياسي تعرضه على الشعب الجزائري، بل لم يكن لها تواصل إعلامي بالشعب أصلا سوى الترويع والإرهاب، ولقد إحتار الشعب في هذه الجماعة التي ترفض الإنضمام إلى مساعي التصالح وحقن الدماء، وتصر على عزلتها وإنقطاعها إلا عن القتل والسلب والنهب .. لقد كانت أشبه بالجماعات المتفرقة التي ترتزق بترويع الناس وسلب أمنهم، بغية مكسب لها..لكنه فقط كسب مادي تعيش به وتشاركه من لهم مصلحة مشتركة، ليس من ورائه مكسب سياسي يذكر، سوى التشويش. هم متناثرون في كل مكان، في الجنوب والشمال، وحتى خارج الجزائر، يجتمعون ويتفرقون، وخصوصا مستعدون لضرب الإستقرار؛ تارة بعمليات مسلحة ضد أفراد الجيش الجزائري، وتارة ضد العزل من المدنيين. وامتد نشاطهم المسلح إلى خارج الجزائر في بعض البلدان المتاخمة لحدود الجزائر الجنوبية. مسار يلفه الغموض، وتحيط به نقاط إستفهام كثيرة.
ثم، قبل ثلاث أو أربع سنوات، وإتباعا لنفس السياسة الإعلامية للقاعدة والجماعات المسلحة العراقية، تظهر لنا الجماعة السلفية للدعوة والقتال، بتسجيلات فيديو بالصوت والصورة، في حلة أنيقة، معدّة من لجنة إعلامية ، تتكلم عن إنجازات الجماعة ضد الطاغوت الممثل بالدولة الجزائرية!
وفي العام الجاري تخرج علينا ببيان إلتحاقها بالقاعدة، وتعلن عن تأسيس تنظيم القاعدة في بلاد المغرب. من هنا نبدأ في طرح تساؤلاتنا:
لماذا انتظرت هذه الجماعة هذا الوقت بالتحديد للإعلان عن إنضمامها إلى القاعدة، أو بالأحرى إستعمالها واجهة القاعدة.. مع أن القاعدة عُرفت إعلاميا منذ سبع سنين على الأقل؟
منذ قرابة العام، بدأ الحديث عن إهتمام أمريكي بمنطقة الصحراء الكبرى في الشمال الإفريقي، التي قد تمثل مكانا بديلا تلجأ إليه الجماعات الإرهابية في ظل التضييق المستمر عليها.
فكانت زيارة رامسفيلد إلى الجزائر كسابقة، تؤكد الإهتمام الأمريكي بالمنطقة. وقبيل أشهر قليلة نسمع عن رغبة أمريكا في وجود قاعدة موحدة لقواتها في إفريقيا وبالتحديد في الشمال الإفريقي.. ورُشحت الجزائر!
غير أن وزير الخارجية الجزائري أعلن، دون تأخر، عن رفض الدولة وجود أي قاعدة عسكرية أجنبية على أراضيها. وتزامن ذلك مع الإعلان عن إلتحاق الجماعة السلفية للدعوة والقتال بتنظيم القاعدة.. وما تلاه من تفجيرات إنتحارية في الجزائر العاصمة..
فهل لتزامن هذه الأحداث وتعاقبها علاقة، أم انها المصادفة المحضة؟
تساؤل آخر..
لماذا لم يُستغل الإسترخاء الأمني المشهود منذ 2001 للقيام بهذه العمليات الإنتحارية ، ووقع فقط في هذه الآونة، أين نلحظ إنحسارا بيِِّنا في عدد المجموعات المسلحة وإمكاناتها ونشاطها!
إذا سلّمنا جدلا بأن الجماعة السلفية للدعوة والقتال إعتمدت منهج القاعدة؛ فلماذا ضربت قصر الحكومة، والقيادة الجهوية للشرطة القضائية بباب الزوار، ولم تحاول ضرب إحدى المصالح الأمريكية في الجزائر..كما حدث في السعودية مثلا؟ أم أن القصر الحكومي أقل تحصــــينا من المصالح الأمريكية في الجزائر العاصمة؟ فإلى من هي موجهة الرسالة؟ وأين هي أمريكا من مخططهم؟
أخيرا؛ لماذا يضرب إستقرار الجزائر بقوة ودقة متناهيتين في هذا الظرف بالذات؟ أظن أنه من الأولى أن يجتهد الإعلاميون والمتخصصون في البحث عن أجوبة لهذه الأسئلة الملحة، وأن يصفوا هذه التنظيمات المسلحة بما هي عليه. فنَسب ما حدث إلى القاعدة لا يخدم إلا هؤلاء المرتزقة الذين يبحثون عن واجهة إعلامية لتبرير أعمالهم وإطالة أنفاسهم والحفاظ على مصلحتهم ومصلحة أربابهم وعملائهم، الذين لا يعيشون إلا في مستنقع الفوضى وعدم الإستقرار؛ ويخدم المصالح الأمريكية التي تتحجج بالغث والسمين من أجل التوسع ووضع رجلها في كل مكان.
|