|
هل يرأف البيت الأبيض بالجزائر؟ |
|
|
|
بقلم : مدونات مكتوب
الخميس 01-11-2007 الموافق 20 شوال 1428هق
كثر في السنتين الأخيرتين الحديث عن تقارب أمريكي ـ جزائري، يمتد على أصعدة عديدة أهمهما الاقتصادي والاستخباراتي، وهو تقارب في الحقيقة حقيقي وملموس، تؤكده حركة استثمار الشركات
الأمريكية في الجزائر والاتفاق الموقع بينهما للتعاون في المجال النووي وإدراج اللغة الإنجليزية في المقررات الدراسية وأيضا تضاعف التبادل التجاري في قطاع المحروقات والغاز الطبيعي وغيرهما قرابة العشر مرات، مقارنة بما كان عليه قبل حوالي العقد. وبلغت حصيلة شراكة التبادل بينهما 15 مليار دولار خلال العام المنصرم، الشيء الذي جعل الجزائر تصنف الآن كثاني شريك استراتيجي للولايات المتحدة في العالم العربي.
ولكن يبدو أن غايات الولايات المتحدة، تتجاوز التعاون الاقتصادي واحتكار الغاز الطبيعي الجزائري، بمعنى أن الاهمية التي يمنحها البيت الأبيض للجزائر فيها المعلن والمسكوت عنه، بدليل أنه منذ بداية العام الحالي وبعد أن عززت وجودها الاقتصادي بالاتفاقيات وبشركات الاستثمار الكبرى، بدأت تفشي السر الأكبر الذي حتم على الولايات المتحدة التقارب ماديا أولا لتفسح المجال لغايتها الأساسية، وهي إقامة قواعد عسكرية أمريكية في عمق الصحراء الجزائرية، وذلك في إطار حربها على "الإرهاب" ومطاردة القاعدة وزعمائها وممثليها.
وخلال هذا العام، أعلنت الجزائر قرابة ثلاث مرات رفضها المطلب الأمريكي، بل أنها جددت رفضها إقامة أي قواعد أمريكية، معللة ذلك بموقفها المبدئي والمطلق الرافض لأشكال التدخل الأجنبي كافة وخاصة تدويل أزمتها مع الإرهاب.
ولكن ما نفهمه من اضطرار الجزائر الى تجديد رفضها أن المطلب الأمريكي قائم الذات ولم يتراجع ولا نظنه يستطيع ذلك، والحال أن الجانب الأمريكي يعتبر الجزائر صديقة وحليفة له، بالمعنى الأمريكي طبعا الذي يرى من ليس معه فهو ضده.
ومن الواضح أن النخبة السياسية الحاكمة في الجزائر، لم تقرأ التقارب الأمريكي منها، القراءة البراغماتية السياسية والمصلحية، إذ أن هناك حاجة الجزائر الى الاستثمار والمساعدات، خصوصا أن الإحصاءات الرسمية تقول إن هناك أكثر من 12 مليونا يعيشون تحت عتبة الفقر، بالإضافة الى مشكلة البطالة أي أن ثقل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، جعل الميزان الجزائري يحيد ويميل أكثر مما يجب.
وفي المقابل، لم تتأخر الولايات المتحدة في بسط يدها نحو الجزائر الى آخر حدود البسط، من ذلك أن البنتاغون الأمريكي خصص غلافا ماليا قدره 1.6 مليار دولار لمساعدة الجزائر في مكافحة الإرهاب لسنتي 2006-2007 ، بل أن الناطق باسم البنتاغون فيتشان صرح أخيرا أن بلاده والجزائر، يعرفان نموا جيدا في العلاقات الدفاعية ضد الإرهاب ومحاربة التطرف الآيديولوجي.
إذ بالنظر الى كل هذه المعطيات يمكن القول بثقة إنه في صورة استمرار رفض الجزائر فإن العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة، مقبلة على أزمة وتصعيد من الصعب تحديد مداهما. آما إذا رضخت الجزائر الى المطلب الأمريكي، فإن كارثة كبرى ستحل بالجزائر وستعصف بالضرورة بمنطقة المغرب العربي. وإذا كان التقارب الاقتصادي والاستخباراتي، قد جنيا على الجزائريين وجعلا العمليات الإرهابية تتكثف بعد أن خفت ايقاعها وأقبلت البلاد على مشروع المصالحة الوطنية وجعلته من أولوياتها المقدسة، فإن الشعب الجزائري سيكون مقبلا على حريق إرهابي لا أحد قادر على إطفائه، إذا ما حققت الولايات المتحدة غايتها وأقامت قواعدها في الصحراء الجزائرية.
لذلك، فإن تحول الجماعة السلفية للدعوة والقتال الى ما يسمى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي، من غير الممكن أن يشكل جواز سفر للولايات المتحدة كي تطور مطالبها وضغوطاتها.
ورأينا كيف استهدف موكب الرئيس بوتفليقة الذي قتل فيه أكثر من ثلاثين شخصا في تفجير سيارة ملغومة، بالإضافة الى دلالات استهداف ثكنة تابعة للقوة البحرية وكذلك مقر الحكومة يوم 11 ابريل (نيسان) من العام الجاري، والذي أسفر عن سقوط 23 قتيلا ونحو 160 جريحاً.
لقد تعب بلد المليون ونصف المليون شهيد من الموت وما زال الجزائريون يرون في نومهم كوابيس العشرية السوداء، التي ذهبت بأرواح مواطنين وكتاب ومبدعين؛ وهم الآن يتوقون الى تدارك أمرهم وأمر عجلة التنمية التي توقفت طيلة عقد كامل. لذلك، فإن المطلب الأمريكي يعني ألا تنعم الجزائر حتى باستراحة مُحَارِبٍ.
فهل يرأف البيت الأبيض بالجزائر ويكتفي بمحروقاتها، ويتركها تحل مشاكلها لوحدها وبالمصالحة الوطنية، بعيدا عن لغة القوة والاستفزاز، التي لم يتحسس العالم جدواها ولا حتى الولايات المتحدة نفسها؟
------------------------------------------------------
المصدر : مدونات مكتوب
|