|
واشنطن والصحراء الجزائرية.. قاعدة أمريكية لمراقبة إفريقيا؟ |
|
|
|
بقلم: ياسمينة صالح
الأحد 05/08/2007م – الموافق 21/رجب/1428هق
تحت سقف مكافحة الإرهاب شهدت منطقة المغرب العربي حالة استثنائية تمثلت في التحركات الأمريكية على أعلى المستويات الدبلوماسية والعسكرية والأمنية، بيد أن زيارة سكرتير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لعدد من دول المغرب العربي كانت البصمة الأكبر للاهتمام الذي توليه الإدارة الأمريكية للمنطقة، على أساسين أولهما استراتيجي والثاني اقتصادي، بكل ما تعنيه الكلمة من تراكمات سياسية أيضاً.
فأمريكا التي تريد أن تلعب الورقة الرابحة في المنطقة - ورقة المساعدات اللوجستيكية الأمنية - تسعى أيضاً إلى قبض الثمن، ليس على أساس ما ستحصل عليه فعلياً كما قالت العديد من الشخصيات الأمريكية، بل على أساس ما تستحق أن تناله بشكل أفضل وأطول بقاء أيضاً إن هي نجحت في إقامة قاعدة عسكرية في أكثر المناطق حساسية التي تراهن عليها واشنطن منذ نهاية التسعينيات، أي في صحراء الساحل التي تعد من أكثر المناطق عزلة واستراتيجية.
اهتمام واشنطن بإفريقيا لم يكن وليد اليوم بل كان خطة قديمة تبلورت ملامحها من حيث القدرة على التجسيد واقعياً منذ نجحت الإدارة الأمريكية في خلق الاختلاف العميق بينها وبين فرنسا (الدولة الكلونيالية في إفريقيا)، وكان التهديد لأول مرة على لسان "بول ولفويتز" في 04 أكتوبر 2003 حين تكلم لأول مرة عن ضرورة التواجد في القارة الإفريقية في كلمته التي أدلى بها بمناسبة الاحتفاء بما يسمى بجهاز الأمن القومي الأمريكي الذي كان نتاجاً "عسكرياً ومخابراتياً" تجسد بشكل ملموس منذ وصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض عام 2001.
وإن كان الاختلاف الذي فجره قرار إدارة بوش بضرب العراق قد فجر آلياً جبهة معارضة للحرب، فقد تحولت "الحرب الباردة" بين الولايات الأمريكية وفرنسا إلى حرب معلنة أيضاً في المناطق التي تحتكرها الكلونيالية الفرنسية في إفريقيا، وفي آسيا الشرقية أيضاً.
فرنسا التي ظلت تتكلم عن إفريقيا بأنها "مستوطناتها القديمة"، وجدت نفسها أمام "صراع من نوع آخر" فرضته الخطة الأمريكية في الهيمنة على العديد من الدول الإفريقية، وبالتالي إصرار أمريكا على التواجد في الشمال الإفريقي ظل هو نفسه الهدف الاستراتيجي الذي على أساسه تكلم "دونالد رامسفيلد" بعد سقوط بغداد في ندوة صحفية جمعته بالمستشار الألماني في العاصمة الألمانية "بيرن" حين قال بلهجة حربية موجهاً كلامه للفرنسيين: " لولا أمريكا لكانت فرنسا تتكلم اليوم بالألمانية!"، وهي الجملة التي أزعجت الفرنسيين والألمان على حد سواء، بالخصوص وأن رامسفيلد ذهب إلى حد التهديد بطريقته بأنه سيكون لأمريكا الحق في الذهاب بعيداً لأجل "الدفاع عن الحريات والديمقراطية"، وكان الهدف من وقتها " المغارة الفرنسية" حسب جريدة "الواشنطن بوست" في عددها الصادر بالضبط يوم 22ديسمبر 2003.
إفريقيا التي ظلت تعتبرها فرنسا "منطقتها المحررة" هي التي صارت اليوم أكثر من أي وقت مضى مفتوحة للنزاعات على أساس ما صارت تعنيه بالنسبة للأمريكيين الراغبين في الهيمنة على مناطقها الإستراتيجية، وبين الفرنسيين الذين ظلوا يعتبرون القارة الإفريقية جزء من "الإرث التاريخي الفرنسي" على مدى قرون من الاستعمار، ومن الكلونيالية التي وصلت إلى درجة الغزو والاحتلال كما حدث للجزائر والمغرب وتونس.
القاعدة العسكرية شرط التعاون العسكري!:
بتاريخ 23 و24 مارس2004 شاركت لأول مرة وبشكل سري قيادات من القوات المسلحة لعدد من الدول الإفريقية هي "مالي، تشاد، موريتانيا، المغرب، النيجر، السنغال، الجزائر، تونس" وفي اجتماع عسكري داخل مقر القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي (US - Eucom) في مدينة شتوتغارت الألمانية، كانت تلك القمة أمراً غير مسبوق باعتبار أن أعمالها ظلت سرية ومحاطة بنفس المصطلحات الجاهزة مثل: " التعاون العسكري في إطار الحرب الشاملة على الإرهاب"، كانت النظرة الأهم في هذا النوع من "اجتماع الثمانية" قد صاغتها الولايات الأمريكية قبل ثمانية أعوام ماضية في منطقة الساحل الجنوبي التي تعتبر جغرافياً وأمنياً بأنها الحد الأخطر بين المغرب العربي وأفريقيا السوداء، وبين المناطق البترولية للشمال وتلك المترامية في خليج غينيا، كان من أهم المطالب الأمريكية بالنسبة للدول الإفريقية المعنية هو صياغة مفهوم جدي لماهية الإرهاب، والذي صاغته الإدارة الأمريكية على شكل "إرهاب إسلامي" بحيث صارت الأنظمة كلها تحت نفس الخط الأحمر إزاء ما يمكن للإدارة العسكرية الأمريكية أن تقدمه لها أي المساعدات اللوجستيكية والدعم السياسي الذي يعني غض النظر عن كل الجرائم ضد الإنسانية التي يمكن لتلك الأنظمة الإفريقية المعنية أن ترتكبها ضد شعوبها، لأن الغاية تبرر الوسيلة بالنسبة للأمريكيين، أي استغلال المخاوف الأمنية الإفريقية لأجل غرس مزيد من الرعب الذي على أساسه يمكنها أن تتدخل مباشرة في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية بالخصوص الدول العربية، وذات الأكثرية الإسلامية، وهو الهدف الذي لم يكن بريئاً باعتباره أنه ارتبط بالموارد الطبيعية التي تزخر بها العديد من الدول الإفريقية كالنفط بالنسبة للجزائر وغينيا ونيجيريا، واليورانيوم الذي اكتشف في عدد من الدول مثل النيجر.
تقرير صادر عن المركز الأمريكي للأبحاث الإستراتيجية بواشنطن بتاريخ 13 مايو 2004 ذكر أن صوراً ملتقطة عبر الأقمار الصناعية كشفت عن احتمال كبير (70%) عن وجود النفط في منطقة دارفور السودانية، وقد أشارت دراسة سابقة عن نفس المعهد الاستراتيجي الأمريكي سنة 1979 عن وجود النفط في صحراء غينيا، وهو الشيء الذي تأكد فعلياً فيما بعد أن انفجرت العديد من النزاعات في القرن الغربي الإفريقي امتدت إلى القرن الشرقي، والتي تمثلت في حروب ونزاعات داخلية تدخل في إطار الحرب الأهلية.
أمريكا متواجدة في إفريقيا فعلياً:
الظهور الشبه الرسمي للأمريكيين في المنطقة كان في شهر مارس2004 في عملية عسكرية قادتها أربع دول من دول الساحل وهي (مالي، تشاد، النيجر، والجزائر) ضد ما يعرف بالجماعة السلفية للدعوة والقتال والتي كان يتزعمها المدعو "عماري صايفي" المعروف باسم: عبد الرزاق البارا، الذي حيكت حوله العديد من القصص الغريبة، ربما لأن عبد الرزاق البارا نفسه كان الذراع الأيمن للجنرال الجزائري "خالد نزار"، من أم فرنسية وأب جزائري، كان على وشك الارتباط بابنة الجنرال قبل أن يحدث ما سمي فيما بعد بالانشقاق الذي جعل "عبد الرزاق البارا" يقرر الهرب إلى الجبال، وتشكيل تنظيم مسلح ضد النظام الجزائري.
ولعل العلاقة القريبة جداً التي كانت تجمع "عبد الرزاق البارا" بالجنرال "خالد نزار" هي التي أثارت الكثير من الشكوك فيما يخص الحقيقة الأخرى لتلك الشخصية التي ذهب البعض إلى القول أنها " مخابراتية مدسوسة" داخل التيارات الجهادية سواء في الجزائر أو في دول أخرى كانت لها علاقات "تنظيمية" مع تنظيم القاعدة، كما جاء في تقرير عن صحيفة الخبر الأسبوعي الجزائرية بتاريخ 10 أكتوبر2004، قيل وقتها أن الدور الأمريكي للقبض على زعيم تنظيم الجماعة السلفية للدعوة و القتال كان كبيراً، وأن وحدة أمريكية خاصة شاركت مع الجيش الجزائري لمحاصرته في منطقة تشادية كانت موجودة تحت سيطرة متمردي الحركة التشادية للديمقراطية والعدالة، وهي الحركة التي مولتها جهات أمريكية منها ما يعرف بالمؤسسة الوطنية لأجل الديمقراطية (NED)، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) التي لهما أذرع كثيرة مع وكالة الاستخبارات الأمريكية السي إي أي.
تعد الجماعة السلفية للدعوة والقتال بمثابة الذراع الثاني للجماعة الإسلامية المسلحة (الجيا)، وهي الجماعة التي تعتبرها الولايات الأمريكية منظمة إرهابية؛ حامت الشكوك عن علاقات ملموسة بينها وبين تنظيم القاعدة الذي يسعى إلى تأسيس جبهة عسكرية مشابهة لما يعرف بـ "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" يكون نشاطه في الشمال الأفريقي (الساحل الإفريقي)، وهو ما ادعته الولايات الأمريكية، وصارت تنشره في العديد من التقارير لإثارة الرعب في الدول الإفريقية التي سارعت بدورها إلى "طلب" النجدة من الأمريكيين بالخصوص، وهو ما انتظرته وخططت له الإدارة الأمريكية لتفرض فيما بعد شروطها، والحال أن أول وأهم تلك الشروط يكمن في التعاون الأمني المباشر، والذي يسهل عبره معرفة كل صغيرة وكبيرة من أدق تفاصيل الملفات الأمنية لكل الدول المعنية، ومن ثمة المطلب الثاني الذي لا يقل خطورة عن الأول ألا وهو إقامة قاعدة عسكرية في الساحل الإفريقي ليكون لها سبباً شرعياً دائماً في التواجد العسكري في القارة الإفريقية وفق استراتيجيتها العسكرية التي تسميها "الحرب على الإرهاب"، والتي على أساسها يتم "مطاردة الإرهابيين في عقر دارهم" كما صرح به الرئيس الأمريكي جورج دابليو بوش في 1 يناير 2006 في كلمة وجهها إلى الشعب الأمريكي من مكتبه بالبيت الأبيض بمناسبة رأس السنة الميلادية.
ذلك التواجد الذي كان "شبه سري" فيما مضى سرعان ما صار اليوم مطلباً أمريكياً تتوافد لأجله شخصيات أمريكية رسمية وكبيرة لمناقشته مع كبار المسئولين في منطقة المغرب العربي، إنه مشروع قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة لتكون برج مراقبة حقيقي "يساعد على الحد من انتشار السلاح، المخدرات، الهجرة غير الشرعية، والإرهاب!" كما قالت السفيرة الأمريكية في الجزائر، ولأجل الحد من كل هذا يجب أن يكون الاهتمام بكل ما بوسعه أن يطفئ فتيل التطرف من وجهة النظر الأمريكية أي التعليم والدفاع! فقد كان الضغط الأمريكي كبيراً على الجزائر والدول العربية والإسلامية لأجل "القيام بمبادرات" ضخمة لأجل التغيير سرعان ما لقيت التجاوب الرسمي في العديد من الدول العربية، والحال أنه تم "حذف" مادة الشريعة الإسلامية من مواد الاختبار للثانوية العامة في الجزائر، كما تحدثت تغييرات جذرية في الكتاب الديني أيضاً الذي فرضت عليه السلطات الجزائرية رقابة كبيرة غير مسبوقة أيام المعرض الدولي للكتاب الذي جعل العديد من الدول الإسلامية المشاركة تحد من مبيعاتها بسبب شروط العرض الصارمة، بينما المحور الثاني وهو الدفاع والذي قارب التجسيد من خلال "التقارب الثنائي" لأجل إنشاء قاعدة العسكرية في الجنوب!
الساحل: المنظار المطلوب أمنياً!
تقع المنطقة التي عليها العين الأمريكية في وسط الصحراء على طول الجنوب الصحراوي لكل من الجزائر ومالي والنيجر، والتي تعتبرها الولايات الأمريكية بعيدة عن السيطرة - سيطرة الدول المعنية عليها -، فعملية اختطاف السياح الأوروبيين في منطقة "تمنراست" الجزائرية دعمت بشكل مباشر المطالب الأمريكية في تلك المنطقة، إلى درجة بدا أن عملية الاختطاف ساعدت بشكل كبير "النوايا" الأمريكية في التواجد هناك، فكانت زيارة رئيس مكتب التحقيقات الفدرالية الأمريكية "روبرت ميلر" للجزائر نهاية مايو من سنة 2004، وفي بداية يناير الماضي بمثابة الموعد الرسمي للتذكير بالخطر المحدق بالقارة الأفريقية على الصعيد الأمني وفق نفس العبارة "انتشار شبكات إرهابية، وحرية تنقلها في الساحل الإفريقي"، والذي أكدها رامسفيلد في الجزائر الأحد 12 فبراير "بأن الولايات الأمريكية مستعدة لإرسال فرق المارينز إلى الجزائر لمساعدة الجيش الجزائري ودول الجوار ليكونوا دعماً لوجستياً مساعداً على تأمين الحدود في إطار مكافحة الإرهاب على مستوى الحدود الجنوبية.!"
فبالنسبة للمقولة الأمريكية فإن نشاط الجماعات المسلحة تشكل خطراً كبيراً على "المنطقة، والحل لمكافحة الإرهاب يكمن في إقامة قاعدة عسكرية أمريكية في أكثر من منطقة أفريقية!! السلطات الجزائرية التي أرادت التكتم على محتوى المحادثات التي أجراها الوفد الأمريكي رفيع المستوى مع قادة الجيش الجزائري سوقت إلى أن الزيارة "عادية" تعكس العلاقات الجيدة بين الولايات الأمريكية والجزائر على الصعيد "الاقتصادي"، وهو الأمر الذي لم يكن بعيداً عن الحقيقة باعتبار أن التركيز الأمريكي على الجانب الدفاعي والأمني لم ينس واشنطن أن الجزائر مورداً بترولياً كبيراً وموقعاً استراتيجياً يمكن الاعتماد عليه في سياق التطلع الأمريكي انطلاقاً من "التموقع" الأمريكي داخل الحلف الأطلسي.
فالموارد الجزائرية حظيت باهتمام الأمريكيين منذ التسعينات، وإن كانت الظروف الراهنة مهيأة لهذا النوع من "التقارب" على أكثر من صعيد (أي صعيد النهب البترولي) كما لوح به رامسفيلد في الجزائر.
قطع الطريق على فرنسا!
التقارب الجزائري الأمريكي إن كان يصنع مباهج الأمريكيين الطامحين للاستحواذ على أخطر المناطق الاستراتيجية في الساحل الإفريقي؛ إلا أنه يصنع تعاسة الفرنسيين المستاءين جداً منذ عدة أشهر، زيارة رامسفيلد إلى عدد من الدول المغاربية أججت ثورة الفرنسيين، بحيث أن الصحف الفرنسية الرسمية الكبيرة لم تخف استياءها من الشراكة المغاربية الأمريكية التي لن تكون إلا على حساب فرنسا "التي ستدفع ثمن موقفها من الحرب على العراق من جديد!" كما قالت صحيفة "لاديبيش دو ميدي" في عددها الصادر الاثنين 13 فبراير 2006، وهو الثمن الذي هددت به شخصيات أمريكية بتغريمه لفرنسا بعد عبارة "أوروبا القديمة" التي قالها رامسفيلد للتقليل من دور الفرنسيين في الاستراتيجيات القادمة! التحركات الفرنسية كانت سريعة بزيارة وفد فرنسي للجزائر في نهاية الأسبوع الماضي، وهي الزيارة التي أريد لها أن تدخل في إطار "الشراكة" الاقتصادية بالرغم من الموقف الحاد الذي تبديه وسائل الإعلام الفرانكفونية الجزائرية من "الغزل" الرسمي الجزائري الأمريكي، فرنسا التي تعتمد على اللوبي الفرنسي في الجزائر تشعر بالتهديد الأمريكي المباشر، ربما لأن السياسة الفرنسية نفسها لم تعد تثير "شغف" الجزائريين، بعد أن سقطت العديد من النقاط الفرنسية على المستوى الشعبي جراء التعاطي الإعلامي الفرنسي "المتعصب" من انتفاضة الضواحي في باريس والتي استعمل فيها وزير الدفاع الفرنسي " نيكولا ساركوزي" عبارة " الأوباش" للحديث عن المهاجرين الأفارقة والمغاربة.
سبر الآراء التي قامت به صحيفة "صوت الأحرار" الجزائرية جاء فيه أن أكثر من 55% من القراء يفضلون أمريكا عن فرنسا، وهو ما نقلته أكثر من صحيفة فرنسية باستياء ظاهر "الأمريكيون يسعون إلى معاقبتنا بقسوة على عدم مشاركتنا في الحرب على العراق، إنهم يحاولون بكل الطرق زعزعة المناطق ذات التأثير الاستراتيجي " يقول برنارد منيار" في كتابه "فرنسا والتغيير الاستراتيجي"، والحال أن الجزائر تبدو أكثر ميلاً للأمريكيين لأن واشنطن أقل صرامة فيما يخص بيع الأسلحة، باعتبار أن فرنسا ظلت تمارس على الجزائريين حظراً حقيقياً فيما يخص أنواع محددة من طائرات "الميراج" و"الفونتوم" الفرنسية الحديثة، وهو الشيء الذي انتبه الأمريكيون إليه حين فتحوا جزئياً مغارة "علي بابا" العسكرية للجزائريين الذين حظوا هذا العام على أكبر صفقة أسلحة أمريكية في تاريخ العلاقات بين البلدين، ربما كان مضحكاً أن يراهن دونالد رامسفيلد في أبريل من عام 2004 على الدور الأحق للولايات الأمريكية في القارة الإفريقية وفي الشمال الإفريقي بالخصوص، كانت عبارته موجهة في الحقيقة إلى نظيره الفرنسي الذي اتهمه بالهيمنة، والحال أن رد رامسفيلد لم يكن سقطة أمريكية في التعبير، بل كان استراتيجية أخرى بدأ التحضير لها قبل غزو العراق، وإن كانت الولايات الأمريكية نجحت في "نتف" ريش الفرنسيين بعد الحرب على العراق، إلا أنها أيضاً نجحت في إجبار الفرنسيين على التراجع عن العديد من المواقف إلى درجة أن الضغوطات الفرنسية على سورية مثلاً وعلى إيران صارت ملفتة للانتباه، وهو يعكس تماماً أن فرنسا تكاد تكون مطيعة "لبيت الطاعة الأمريكية" كما جاء في افتتاحية الواشنطن بوست بتاريخ 12 سبتنمبر 2005، كانت عبارة "ديك تشيني" (في الواشنطن بوست أيضاً) بأن أمريكا ستدخل إلى إفريقيا من أوسع الأبواب، بمثابة الحرب الباردة بين واشنطن وباريس على منطقة ظلت رهينة مزاجات سياسة الكبار، باعتبار أن فرنسا التي تحتكر المغرب العربي على أكثر من جانب أهمها الجانب اللغوي، تستشعر خطر التقارب المغاربي الأمريكي الذي يبدو بدوره أشبه بالانتقام الذي على أساسه تسعى كل دولة من الدول المغاربية إلى ممارسته بشكل ما بتقاربها مع واشنطن بعد أن "أفلست" باريس سياسياً وأيديولوجياً، لكن الأخطر أن الساسة يلعبون بمستقبل شعوبهم، وأن الأحضان الأمريكية أو الفرنسية ستكون كارثة استعمارية جديدة اسمها "الاحتلال الأبيض"
المصدر : المختار الاسلامي
|