الجمعة 21/ 01/ 2011 م الموافق 16 صفر 1432 هق
شهدت شوارع العاصمة الأذربيجانية باكو مؤخرا، مسيرات حاشدة احتجاجا على قرار وزارة التعليم الأذربيجانية منع الطالبات من ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات.
وخلال المسيرة ردد المتظاهرون هتافات من قبيل: «الحرية للحجاب» و«الحجاب شرف لنا». وعلى ما يبدو أن السلطات الأذربيجانية لم تكن جاهزة للتعامل مع تطورات من هذا النوع، ذلك أن الوحدات الخاصة التابعة لوزارة الداخلية لم تحضر لتفريق المتظاهرين إلا بعد عدة ساعات من تجمعهم، وكانت غالبيتهم من النساء والفتيات. وعندما بدأت قوات الأمن بتفريق المتظاهرين حدثت مواجهات عنيفة أسفرت عن وقوع إصابات بين الطرفين، واعتقلت الشرطة ستة عشر متظاهرا.
وعلى الرغم من تلك الاحتجاجات غير المسبوقة، إلا أن السلطات الأذربيجانية لا تنوي التراجع عن قرارها. فبعد تفريق المظاهرة، كرر وزير التعليم الأذربيجاني ميسير ماردانوف، رفض الدولة ظهور الفتيات بالحجاب في المدارس، موضحا أن منع الحجاب ليس رغبته الخاصة، بل هو جزء من سياسة الدولة!
وقد وجه رجال دين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بصورة علنية ومتكررة انتقاداتهم لقرار أذربيجان حظر ارتداء الحجاب، وحذروا السلطات في أذربيجان من توجهها صوب منحدر زلق، بمنعها الطالبات من ارتداء الحجاب في المدارس بتلك الدولة التي تقطنها أغلبية مسلمة شيعية، ويحتفظ مواطنوها بروابط قوية بالمسيحيين وزملائهم الأذريين في إيران.
وأصدر آية الله ناصر مكارم شيرازي أحد مراجع الدين بمدينة قم المقدسة فتوى بشأن حظر الحجاب في المدارس بجمهورية آذربيجان. وأكد في فتواه أنه ونظرا لأن جمهورية آذربيجان بلد مسلم ويشكل المسلمون وأتباع أهل بيت الرسول الاكرم (ص) غالبيته المطلقة فإنه يجب الالتزام بأحكام الاسلام بمافيها الحجاب. و دعا الشعب الآذربيجاني الي مواجهة التعميم المعادي للاسلام بصورة سلمية وأن لايسمح بإنتهاك حرمة المقدسات الاسلامية في بلده المسلم. وقال هذا المرجع الديني " ان علي البنات المسلمات مواصلة دراستهن وعلى الشعب الآذربيجاني الغيور عدم السماح لإصدار مثل هذا القرار الخاطيء ".
و أضاف قائلا " ان مصلحة المسؤولين في حكومة جمهورية آذربيجان تكمن في مواكبة مطاليب شعبهم وعدم الوقوع في فخ الاجانب الذين يريدون خداعهم ". و شدد آية الله مكارم شيرازي في فتواه علي أنه أدي ماعليه من واجب شرعي تجاه المسلمين بإعتباره أحد مراجع الدين.
ونقلت الصحيفة الأميركية لوس أنغلوس تايمز في هذا السياق عن الشيخ فاروقي، خلال إقامته لشعائر صلاة الجمعة في مدينة أردبيل بايران، قوله: "لقد تم تنظيم ثورة أيديولوجية في جمهورية أذربيجان، وستصبح تلك الدولة واحدة من المراكز الدينية في المستقبل. وهذا هو الموضوع الذي يثير ذعر الأعداء".
ونقلت إحدى الصحف الأذربيجية التي تصدر باللغة الإنكليزية عنه، قوله :" يجب على شعب أذربيجان أن يقاوم سلميا هذا القرار المناهض للإسلام وأن يمنع تشكيل تلك التحديات أمام القيمة الإسلامية المقدسة. وينبغي أن توجه النصيحة إلى كبار الشخصيات الأذربيجانية بأن تستمع إلى صوت شعبهم".
وقالت لوس أنغلوس تايمز بقولها إن خطوة حظر ارتداء الحجاب على الطالبات في المدارس، تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين باكو وطهران حالة فعلية من التوتر، وهو ما يعود جزئيا إلى العلاقات الودية التي تربط الحكومة الأذربيجانية بأعداء إيران اللدودين، إسرائيل والولايات المتحدة.
كما يعتقد، وفقا للصحيفة، أن هذا القرار قد تسبب في توسيع هوة الخلافات بين الحكومة العلمانية التي يتزعمها الرئيس إلهام علييف والأعداد المتزايدة في البلاد من المسلمين الورعين والرتب الدينية.
من المعروف أن أذربيجان هي الجمهورية الإسلامية الوحيدة بين الجمهوريات السوفيتية السابقة، التي يشكل فيها الشيعة أغلبية ساحقة. وكانت السلطات السوفيتية في بداية انطلاق «البيريسترويكا»، تخشى من انتقال عدوى الثورة الإسلامية إلى أذربيجان بالتحديد نظرا لقربها الجغرافي والقومي والمذهبي من إيران. لكن حكام تلك الجمهورية في ذلك الحين، حالوا دون تسرب أفكار الثورة الإسلامية إلى بلدهم. وبقي السواد الأعظم من الأذربيجانيين مجهلين عمدا بتعاليم الشريعة الإسلامية، إلى أن تفكك الاتحاد السوفيتي.
وقد تفاوتت آراء عدد من المحللين والمراقبين حول ما حدث في باكو، ومنهم المحلل السياسي الأذربيجاني والدكتور في العلوم السياسية، ظفار غولييف، الذي أشار إلى أن الأحداث الأخيرة أظهرت أن المتدينين الراديكاليين، قادرون على استغلال الشعور بعدم الرضى الذي يتنامى بشكل مطرد في الأوساط الشعبية الأذربيجانية، ويتضح من طريقة التعامل مع تلك المظاهرة أن السلطات تعي ذلك جيدا.
أما مدير المنظمة العالمية «منتدى ثمانية عشر» المتخصصة في مراقبة حقوق المتدينين، فيليكس كورلي المقيم في لندن، فقال إن منع لبس الحجاب يعد فصلا آخر من فصول تقييد حرية المتدينين، لافتا إلى أن قيمة الغرامات المالية التي تفرضها السلطات الأذربيجانية على المنظمات الدينية غير المسجلة، ارتفعت بشكل كبير في الآونة الأخيرة.
ومن الواضح أن الدولة تسعى إلى فرض سيطرتها الكاملة على كافة الشؤون الدينية ، الأمر الذي يعني أن نظام الحكم في أذربيجان يميل للتوجه العلماني، تفاديا لتأثيرات دول الجوار وخاصة إيران، أما المستشرق الروسي البروفيسورأليكسي مالاشينكو من معهد كارنيغي، فيرى أن ما تتخذه السلطات الأذربيجانية حاليا من إجراءات مبرر تماما، ذلك أن أذربيجان تعتبر بالفعل تقليديا دولة علمانية، ومن ناحية أخرى فإن أسلمة ذلك البلد تضر كثيرا بالمصلحة القومية لأذربيجان، لأنها تقلل من فرص نجاح تسوية مشكلة إقليم «ناغورني قره باخ» الذي هو عبارة عن جيب يسكنه الأرمن المسيحيون.
البعض يتخوف من انتقال النزعات الطائفية من شمال القوقاز داخل روسيا إلى الجمهوريات الإسلامية المجاورة، وخاصة أذربيجان، على الرغم من أن شمال القوقاز يسود فيه المذهب السني، بينما يسود المذهب الشيعي في أذربيجان، مما ينذر في المستقبل باندلاع فتنة طائفية في أذربيجان، قد تنتقل منها للجمهوريات المجاورة.
|