|
حركة شباب المجاهدين بين المقاومة والإرهاب |
|
|
الثلاثاء 19/ 10/ 2010م الموافق 11 ذي القعدة 1431 هق
بقلم : أميرة محمد عبدالحليم
تباينت وجهات النظر حول تصنيف حركة شباب المجاهدين فى الصومال ضمن حركات العمل السياسى فالبعض كان يقرر أنها تدخل ضمن حركات المقاومة نظرا للدور الكبير الذى لعبته فى إجبار القوات الاثيوبية على الانسحاب من الصومال مع نهاية عام 2008 ،أما البعض الآخر فيرى أن هذه الحركة هى حركة إرهابية بدأت بالاعتماد على أفكار متطرفة واستمرت فى طرحها والاصرار عليها ونفذتها .
وبين هذين الرأيين تقف حركة شباب المجاهدين التى تأسست عام 2004 ومثلت الجناح العسكرى لاتحاد المحاكم الإسلامية الذى سيطر على السلطة فى الصومال فى النصف الثانى من عام 2006 و انهزم أمام القوات الحكومية المدعومة من القوات الإثيوبية بعد ذلك ، ولكن صعدت الحركة بشكل بارز على الساحة الصومالية كأحد الفصائل الإسلامية المعارضة فى عام 2007 ، كحركة مقاومة للاحتلال الإثيوبى بعد ان انشقت عن اتحاد المحاكم الإسلامية ورفضت الانضمام إلى " تحالف إعادة تحرير الصومال " معتبره ان هذا التحالف انحرف عن المنهج الإسلامى الصحيح ، ويضم بين صفوفه علمانيين .
وبذلك ظهرت الحركة فى عام 2007 كجزء من تداعيات التدخل الإثيوبى فى الصومال ، وخلالى عامى 2007- 2008 ضربت الحركة أروع البطولات من خلال حرب العصابات التى شنتها على القوات الإثيوبية حتى تمكنت من السيطرة على المدن الصومالية مدينة تلو الأخرى إلى أن أعلنت إثيوبيا عدم قدرتها على الاستمرار فى التواجد داخل الصومال فى ظل الأزمات الداخلية التى تواجهها والتى تجعلها عاجرة عن تقديم إمدادات لقواتها فى الصومال من ناحية ، وانشغال الولايات المتحدة فى تلك الأثناء بالانتخابات الرئاسية والانغماس فى كل من العراق وأفغانستان .
وقد فتحت انتصارات المجاهدين طريقا جديدا لإعادة صياغة الموقف الدولى والاقليمى من التيارات الإسلامية فى الصومال ، فبدأت هذه الأطراف وخاصة الولايات المتحدة وإثيوبيا جذب بعض الأجنحة من هذه التيارات ومنها " تحالف إعادة تحرير الصومال " جناح جيبوتى بزعامة الشيخ شريف شيخ احمد .
فى الوقت الذى صنفت الولايات المتحدة حركة الشباب ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، بعد أن رفضت الحركة الانضمام إلى تحالف إعادة تحرير الصومال فى سبتمبر 2007 لأن هذا التحالف لا يتفق مع مبادئها التى تؤكد على عدم التفاوض مع المحتل الإثيوبى لان انتصارات الحركة كانت ستؤدى لخروج هذا المحتل مهزوم من الصومال ؛ فضلا عن رفضها للتعامل مع الحكومة الانتقالية ووصمها لها بالعمالة والانضواء تحت الأهداف والرغبات الغربية والإقليمية.
وبذلك ظلت حركة الشباب فى دائرة المعارضة للحكومة الانتقالية المدعومة من الغرب وإثيوبيا إلا أنها ظلت فى نظر الكثير من المحللين ومن الشعب الصومالى تمثل رمزا للمقاومة التى استطاعت تخليص البلاد من المحتلين . ولم تنجح الحكومة الانتقالية برئاسة الشيخ شريف أحمد فى جذب الحركة وضمها إلى الحكومة ، فاستمرت هذه الحركة فى عدائها للحكومة الانتقالية والقيام بعمليات مسلحة ضد قواتها والقوات الأفريقية الداعمة لها وتحالفت مع الحزب الإسلامى بزعامة ضاهر عويس وتمكنت بالفعل من السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد.
إلا أن تطورا مهما حدث فى حركة الشباب فتح مجالا لإعادة تقييمها وتحديد أهدافها ورؤيتها للواقع فقد أعلن زعيم حركة الشباب محمد عبدى جودانى انضمامها لتنظيم القاعدة عقب اغتيال صالح نبهان فى سبتمبر 2009 ، إلا أن الحركة ظلت منقسمة حول انضمامها للقاعدة بين جناح متمسك بجدول عمل سياسى محلى وجناح أكثر تطرفا يرفض أي تسوية سياسية ويريد الانخراط تحت لواء تنظيم القاعدة ، إلى أن أعلنت الحركة فى فبراير 2010 تحالفها مع تنظيم القاعدة ، مما عبر عن نجاح التيار المتشدد فى السيطرة عليها . لأن الصلاحيات الحقيقية للحركة أصبحت في يد مجموعة صغيرة من المقاتلين الأجانب الذين ينتمون إلى جنسيات متعددة وتسيطر عليهم تفسيرات دينية متشددة مما يعيق أى فرصة محتملة للوصول إلى تسوية سياسية .
ومنذ إعلانها الانضمام لتنظيم القاعدة شهدت الحركة مجموعة من التحولات على مستويين ، المستوى الأول ويرتبط برؤية الحركة لأهدافها حيث اعتبرت نفسها حركة دولية أكثر منها محلية بعد ان انضمت إلى " الجهاد العالمى " ، وسمحت بانضمام أفراد من جنسيات مختلفة بما يسمح لهؤلاء بالاندماج فى المجتمعات المحلية وتنفيذ أهداف الحركة .
أما المستوى الثانى للتحول فكان فى جانب العمليات والامتدادات الخارجية لها حيث تمكنت الحركة من مد أزرعها خارج الصومال بل وخارج نطاق إقليم شرق أفريقيا، ونفذت عمليات فى دور الجوار المحيطة بالصومال وقامت بتفجيرات فى أوغندا فى يوليو الماضى استهدفت مدنيين وأثارت الرعب فى اقليم شرق أفريقيا .
كما تحالفت حركة الشباب مع جناح تنظيم القاعدة فى شبه الجزيرة العربية ، حيث يتبادل الاثنين المقاتلين والخبرات والسلاح ويتعاونان فى تحقيق الأهداف ، وتعتقد الحكومة الصومالية أن العمل العسكرى الذى تقوده الولايات المتحدة فى أفغانستان يزيد الضغوط على مجموعات القاعدة هناك الأمر الذى يزيد جاذبية الصومال كملاذ آمن لهؤلاء المتشددين ، وتعتقد الحكومة الصومالية أيضا أن هناك من بين المقاتلين الأجانب فى صفوف " الشباب " مقاتلين من أصول يمنية ، يمثلون جزءا كبيرا من الجهاديين الأجانب فى الصومال ،وكان القيادى البارز من تنظيم القاعدة فى جزيرة العرب قاسم الريمى قد قاتل فى الصومال .
وزادت المخاوف الإقليمية والدولية بشأن العلاقة بين حركة الشباب وفرع تنظيم القاعدة فى اليمن عندما اتهم وزير الدولة بوزارة الدفاع الصومالية الشيخ يوسف محمد سياد تنظيم القاعدة فى اليمن بإرسال حمولة من الأسلحة إلى مقاتلى حركة الشباب ، وأعلنت حركة الشباب فى الأول من يناير الماضى أنها سترسل " مقاتلين " للمساعدة على محاربة القوات اليمنية التى تطارد عناصر القاعدة .
وداخل الصومال واصلت حركة الشباب عملياتها ضد القوات الحكومية المدعومة من قوات حفظ السلام الأفريقية واستطاعت ومن خلال تحالفها مع الحزب الاسلامى تحقيق انتصارات والسيطرة على معظم المدن الصومالية إلى أن وصلت إلى العاصمة مقديشيو وحاولت السيطرة على ميناء ومطار مقديشيو إلا أنها فشلت فى ذلك ، لكنها اتخذت مجموعة من الإجراءات لتطبيق الشريعة الإسلامية فى المدن والأقاليم التى سيطرت عليها ، إلا أن هذه الإجراءات اتسمت بالتشدد من خلال ما يسمى بـ " جيش الحسبة " مثل منع تدريس اللغة الإنجليزية فى المدارس باعتبارها لغة للعملاء والجواسيس ، والقيام بتنديس أضرحة تابعة لمسلمين صوفيين وإغلاق مساجدهم وجامعتهم بدعوى أن ممارسات الصوفيين تتعارض مع مفهوم حركة الشباب للشريعة الإسلامية .
ووفقا لهذه التطورات التى شهدتها حركة الشباب والتى بدأت كجناح عسكرى يهدف إلى تحرير دولته من الاحتلال الأجنبى وضرب هذا الجناح أروع البطولات ، وأعلن بعد ذلك انضمامه إلى تنظيم القاعدة ، بات واضحا ان هناك مجموعة من العوامل دفعت حركة الشباب للتحول من المقاومة إلى ممارسة الإرهاب .
فمن ناحية اهتمت الحركة بالتأكيد على عدائها لإثيوبيا و استمرار الأطماع الإثيوبية فى الصومال فى الوقت الذى تتشاور الحكومة الانتقالية برئاسة الشيخ شريف احمد - والذى كان رئيسا لاتحاد المحاكم الإسلامية - فى كل شئونها مع المسئولين الإثيوبيين . بل أن الحكومة الانتقالية نفسها جاءت بدعم أمريكى إثيوبى .
ومن ناحية أخرى ، لم تشارك حركة الشباب فى مفاوضات واتفاقية جيبوتى عام 2008 ولم تشارك فى البرلمان ،فكانت بعيدة عن العملية السياسية بكاملها، على الرغم من أن الحركة كانت من أهم فصائل المعارضة فى الصومال .
ومن ناحية ثالثة لم تقدم الحكومات الإقليمية والقوى الكبرى دعما كافيا للحكومة الانتقالية الصومالية وقواتها العسكرية واعتمدت بشكل كبير على قوات حفظ السلام الأفريقية والتى تشكلت من القوات الأوغندية والبورندية فى دعم القوات الحكومية وتحقيق الأمن فى الصومال، مما اعطى فرصة أكبر للمجاهدين للسيطرة على معظم المدن الصومالية حتى لم يبقى للحكومة الانتقالية سوى بضعة أحياء تسيطر عليها.
ومن ناحية رابعة تركز اهتمام الأطراف الدولية والإقليمة بتسوية الأزمة الصومالية على الأداة العسكرية دون غيرها ، وإتباع سياسة الاغتيالات بين صفوف الشباب مما دفع شباب المجاهدين للإستقواء بتنظيم القاعدة وفروعه فى المنطقة، حيث ترفض إثيوبيا إشراك حركة الشباب فى مفاوضات لتسوية الأزمة الصومالية وتحث الحكومة الصومالية الانتقالية على عدم التفاوض معها .
وأخيرا فإن تحول شباب المجاهدين إلى استخدام العمل الارهابى جاء كمحصلة للأطماع الأمريكية والإثيوبية فى الصومال حيث رفضت الدولتين التعامل مع التيار المعتدل فى اتحاد المحاكم الإسلامية الذى حكم البلاد ستة أشهر فى النصف الثانى من عام 2006 وحقق الاستقرار ، مما أدى لبروز التيار المتشدد فى المحاكم والذى زاد من تطرفه انضمام عناصر أجنبية إليه فرت من مناطق أخرى فى العالم مثل أفغانستان نتيجة للممارسات الأمريكية فى هذه الدولة .
فإذا كان العمل الإرهابى شئ خطير يهدد أمن الأبرياء فإن الذى يدفع بالمقاومين والمجاهدين ليتحولوا إلى " إرهابيين " هو " الأطماع " الخارجية التى لا تجد سبيل لها سوى تفكيك وحدة الدول وتشريد مواطنيها وإشاعة الفوضى والدمار ، فيبقى الأمل الوحيد فى استعادة الاستقرار فى أيدى أبناء الدول أنفسهم الذين هم الأقدر على توصيف مشكلاتهم ومن ثمة الأقدر على تحديد سبل حلها .
|