|
ثوابت العلاقات التونسية الأمريكية |
|
|
|
بقلم : الأستاذ الطاهر الأسود
السبت 8/12/2007 الموافق 27 ذي القعدة 1428 هق
ربما يعتقد بعض المحللين والباحثين الصدئين في تونس أن مسائل "الإستراتيجية الإستباقية" وهيمنة المحافظين الجدد على السلطة في الولايات المتحدة وحتى إحتلال العراق مسائل بعيدة ولا تمس تونس "المنيعة" والتي تقبع في برجها العاجي كالعادة سائرة في طريقها الذي لا يتأثر بالأمواج العاتية للتغيرات الهائلة التي تصيب وأصابت العالم. وطبعا يعتاد بعض المحللين من الصنف الروبوتي الشائع في بلد يحوز المراتب الأولى في التخلف الإعلامي على الترويج لأفكار بهلوانية من نوع أن التحولات العالمية "الإيجابية" فقط تمس تونس في حين لا يطالها أي من التأثيرات "السلبية"، والتي لا تتعلق بالأزمات المالية الدولية فحسب بل تشمل أيضا أوبئة من نوع "حرية الصحافة" و"مكافحة الفساد" و"النضال المعادي للعولمة والصهيونية وعودة الإحتلال".
ففي تونس يُمنع التداول في هذه المسائل ووحدها مشيخة الحكم في قرطاج قادرة على التفكير والتدبير والحل والعقد. مقابل ذلك هناك حاجة ملحة ومتزايدة في تونس للتصدي بشكل أكبر لمواضيع الوضع العربي والدولي وموقع تونس في إطارها العربي الاسلامي والمغاربي. كما أن هناك حاجة ملحة للتخلص من العادات القديمة لبعض الأطراف المعارضة والتي تختزل تحليلها للسياسة الخارجية للنظام التونسي في مقولات "العمالة" و"الخيانة"
وتتواتر المؤشرات سواء العامة والتي تتعلق بالإستراتيجيا الأمريكية في المنطقة العربية ككل أو تلك الخاصة بالرؤية الأمريكية الراهنة لشمال أفريقيا وبتونس بشكل أخص، لتشير إلى بعض العناصر بل والمشاريع الجديدة التي يمكن أن تحدد السياسة الأمريكية المستقبلية تجاه تونس. غير أننا لن ننحو منحى إخباريا في هذا المقال، فرغم أن الأخبار أمر لا مفر منه بالخصوص عند معالجة التاريخ الراهن فإننا نحتاج إلى نظرة أشمل تحاول تحديد الثوابت وتحلل أسباب وآفاق الوضع الحالي.
ولهذا سنقوم في هذا المقال بتحليل الثوابت العامة للسياسة الخارجية التونسية، والتي نعتقد أنها تعتمد رؤية إستراتيجية واضحة - وبالمناسبة ليس وجود إستراتيجيا واضحة أمر إيجابي في ذاته - أرساها الرئيس الراحل بورقيبة، وهو ما سيأخذنا في أحيان كثيرة إلى فترات تسبق حكم الرئيس الحالي وحتى إلى مراحل الخمسينات والستينات. كما سنحلل الرؤية الأمريكية الراهنة لتونس على ضوء المستجدات الطارئة عليها وبهذه الثوابت التي لطالما حددت سياساتها على أساسها، وهو ما سنقدمه في الإطار الطبيعي لتونس والذي تحرص الولايات المتحدة على معاملتنا ضمنه أي الإطار العربي والإسلامي عامة، ثم الإطار الشمال إفريقي خاصة. وسيكون الهدف الأساسي من هذه الورقة التناول الموضوعي وإثارة نقاش مثمر حول العلاقة بين الإستراتيجيا العسكرية العدوانية للولايات المتحدة ودعواتها الراهنة إلى "التحويل الديمقراطي" للمنطقة العربية، والتي يجب أن نتذكر - وهو الأمر الذي تحرص على نسيانه بعض القوى السياسية في تونس - أنها تشمل تونس.
ثم سنتعرض بعجالة وفي شكل خاتمة إلى المواضيع التي دارت حولها زيارة الرئيس التونسي إلى واشنطن خلال شهر فيفري/ شباط الماضي، بالإضافة إلى بعض التأملات حول العلاقة الوطيدة بين المسألتين الديمقراطية والوطنية. ونوضح هنا أننا لن نتعرض إلى السياسة الخارجية التونسية بشكل عام، بل إلى العلاقات التونسية الأمريكية بشكل خاص.
وأخيرا نشير إلى أن الوثائق التي اعتمدنا عليها، وبعضها يتم نشره للمرة الأولى، حددت بشكل كبير المحاور التي ينتظم حولها هذا المقال.
*إستراتيجية الخارجية التونسية: الحرص على لعب دور في الإستراتيجية الأمريكية
لم يعد لا من الغريب ولا أمرا جديدا أن الحكومة التونسية تلعب دورا إقليميا يبدو للكثيرين أكبر بعض الشيء من حجم البلاد السكاني والمادي. فقد قامت بدور خاص في المبادرات والسياسات الأمريكية ليس في المغرب العربي فحسب بل على المستوى العربي بشكل عام.
ففي تونس تمت أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات جولات أساسية من الإتصالات السرية ثم المفاوضات الرسمية الأولى من نوعها لمنظمة التحرير الفلسطينية مع الإدارة الأمريكية (من خلال سفيرها في تونس جورج بيليترو الإبن ثم بمشاركة دنيس روس).
وعلى سبيل المثال فإن المعطى الأساسي الذي ركزت عليه الصحف الأمريكية أثناء زيارة الرئيس الحالي إلى الولايات المتحدة في شهر ماي 1990 كانت الأقاويل حول رسالة شفوية حملها من زعيم منظمة التحرير إلى الرئيس بوش.
كما لا ينفك النظام التونسي عن التركيز وبشكل علني على الدور الأساسي الذي لعبه في التوصل إلى إتفاقيات أوسلو وفي الإتصالات السرية التي سبقته. وفي تونس أو عن طريقها تمت إتصالات هامة ومباشرة بين الحكومتين الليبية والأمريكية في إتجاه تحريك ملف لوكربي وإنهاء القطيعة الليبية الأمريكية، وليس تسرب أخبار عن لقاء في تونس خلال شهر ماي 2004 بين العقيد القذافي وجورج تينيت، مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إلا مؤشرا على ذلك (صحيفة الشرق الأوسط 24 ماي 2003).
وبعد التطور الكبير للمحادثات الليبية الأمريكية مؤخرا يبدو أن الجانب التونسي قد أصر على الجانب الأمريكي أن يعلن عن "الدور الإيجابي الذي لعبته تونس"، كما صرح بذلك كولن باول خلال زيارة بن يحيى إلى الولايات المتحدة بداية شهر جانفي 2004.
أما في الحالة العراقية فقد دار بعض الحديث حول إحتمال أن تكون زيارة وزير الخارجية التونسي الحبيب بن يحيى إلى العراق ولقائه الرئيس العراقي قبيل بدء الحرب بأيام تبليغا لرسالة من أطراف دولية إلى صدام حسين بالتنحي عن السلطة من جملة عدد من الرسائل التي وجهت إليه بشكل غير مباشر من الطرف الأمريكي في تلك الفترة شديدة التوتر.
والأهم من ذلك أن هناك معطيات كافية مؤخرا تشير إلى أن الطرف التونسي قد انتقل عمليا إلى المساهمة في محاربة المقاومة العراقية تحت غطاء محاربة "الإرهاب" حيث أشارت صحيفتا التايمز والأستراليان مؤخرا (23 جانفي 2004) أن عناصر سرية من الأمن التونسي بالإضافة إلى الأجهزة الأمنية الجزائرية والمغربية هي بصدد المشاركة في الشبكة العملياتية للمخابرات الأمريكية والبريطانية في العراق، حيث يلعب هؤلاء دورا أساسيا في اوروبا، وعلى الحدود العراقية السورية، وحتى في داخل العراق (الفلوجة والرمادي)، في الكشف عن شبكات المتطوعين العرب التي تدعم المقاومة العراقية.
وليست هذه المؤشرات العامة لأسس السياسة الخارجية التونسية إثر 7 نوفمبر 1987 إلا إستمرارا لإستراتيجية وضع أسسها وقادها الرئيس السابق الحبيب بورقيبة منذ قيام الدولة الوطنية بل وقبلها بسنوات.
وبالرغم أنه لا توجد وثائق كثيرة من تحرير النظام تنظٌر لهذه الإستراتيجية فإن ذلك لا يعني غيابها. وسنحاول هنا توضيح الملامح العامة للإستراتيجية التونسية من خلال وثائق ودراسات نادرة الإستعمال.
- الإهتمام الكبير بتوثيق العلاقات مع إسرائيل كحجر زاوية لعلاقات تونس الدولية وخاصة مع الولايات المتحدة.
في مقال نادر للحبيب بن يحيى - وزير خارجية النظام في أغلب الفترة الممتدة من 7 نوفمبر 1987 إلى 2006 - عندما كان سفير تونس في الولايات المتحدة سنة 1985، وضح المسؤول التونسي أهم أسس السياسة الخارجية التونسية.
وفي إطار حديثه عن الدور الإقليمي للحكومات المغاربية بشكل عام حرص بن يحيى على التركيز على أن رؤية بورقيبة، ومن ثمة تونس، لـ"حل سلمي" للصراع العربي الإسرائيلي تلعب دورا رئيسيا في تعميق العلاقات التونسية (والمغاربية) الأمريكية.
وربما يعتقد الكثيرون خطأ أن الطريق التونسي إلى تل ابيب كان أساسا من خلال واشنطن. وبالرغم من صحة ذلك جزئيا، فإن الطريق المعاكس - من تونس إلى واشنطن عبر تل أبيب كان أكثر أهمية.
وفي الواقع توضح إحدى الدراسات الهامة المتعلقة بتطور علاقات دول المغرب العربي بإسرائيل منذ أواسط القرن، والتي اعتمدت على عديد الوثائق الإسرائيلية التي رفعت عنها السرية مؤخرا، أن حرص بورقيبة الشديد - وذلك حتى قبل وصوله إلى السلطة- على تمتين علاقته بالولايات المتحدة كان مرتبطا بقوة بمسار تقوية علاقاته بأطراف إسرائيلية مختلفة بما في ذلك الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.
وكانت هذه الإتصالات المستمرة قد بدأت بشكل مبكر وذلك منذ 25 جوان 1952 من خلال لقاء الباهي الأدغم في نيويورك بممثل إسرائيل في الأمم المتحدة آنذاك والتي قام خلالها المبعوث التونسي بـ"طلب الدعم الإسرائيلي" لمطلب الإستقلال التونسي، كما أكد الباهي الادغم في نفس اللقاء أن حزب الدستور لم يكن وراء الهجمات "المعادية لليهود" في تونس آنذاك.
وبشكل متزامن دعا بورقيبة في حوار مع صحيفة لوموند الفرنسية في جوان 1952 إلى ضرورة قيام الأطراف العربية بتسوية سياسية مع إسرائيل. وأكد نفس الرؤية حين وجوده بالمنفى ضمن المجال الفرنسي سنة 1954 لـ"ألك استرمان" مدير المكتب السياسي للمؤتمر اليهودي العالمي بلندن.
ومن المثير أن الطرف الإسرائيلي - أكثر ربما من الطرف التونسي- كان مترددا في إعلان هذه العلاقات لتجنب إغضاب سلطات الإحتلال الفرنسي.
غير أنه وبعد سنوات قليلة ستأخذ هذه الإتصالات التونسية الإسرائيلية منحى أكثر جدية وذلك في إطار عمل الجانب التونسي على تطوير علاقاته بالولايات المتحدة. ويأتي في هذا الإطار لقاء مهم جدا بالنسبة لصياغة رؤية بوقيبة للسياسة الخارجية التي يجب أن تلعبها تونس في المستقبل وهي على أبواب إنهاء الإحتلال العسكري الفرنسي.
ففي شهر فيفري 1956 وخلال المفاوضات الدائرة في فرنسا حول الإستقلال التقى بورقيبة السفير الإسرائيلي بباريس ياكوف تسور، وبعد سماعه ملاحظات عديدة لبورقيبة تتلخص في "كرهه" لعبد الناصر وسياسته في المنطقة، نصح السفير الإسرائيلي بورقيبة النصيحة التالية: أن عليه "ضمان دعم اليهود الأمريكيين للحصول على دعم إقتصادي أمريكي".
وبالإضافة إلى التعاون الإقتصادي المباشر بين الحكومتين والذي انطلق بشكل فعلي مع لقاء السفير الإسرائيلي تسور في 3 اكتوبر 1956 بوزير المالية التونسي، فإن أهم ثمار هذه العلاقة خاصة بالنسبة لتطوير العلاقات التونسية الأمريكية كان مع أواسط الستينات. ففي ماي 1965، أي بعد أقل من شهرين من خطاب اريحا الشهير وجولة بورقيبة المثيرة في المشرق العربي في مارس 1965، سافر بورقيبة الإبن والذي كان وزير الخارجية التونسي وحامل أسرار أبيه آنذاك إلى واشنطن في زيارة هدفها طلب الدعم المالي الأمريكي. وإستجابة لطلبه فقد طلبت وزارة الخارجية الأمريكية من إسرائيل التوسط للجانب التونسي مع حكومتي فرنسا وألمانيا الغربية للحصول على دعم مالي يقدر بـ20 مليون دولار، كما طلب الأمريكيون في نفس الإطار من إسرائيل شراء الخمور التونسية.
وتلاحظ الوثائق الإسرائيلية في هذا الإطار أن موافقتها على الإستجابة للمطالب الأمريكية كان في إطار أملها أن تساهم الحكومة التونسية في تشجيع حكومات عربية "معتدلة" أخرى من أجل "إفشال أو تخريب الجهود المصرية والسورية للوحدة العربية".
وتزايدت إثر ذلك العلاقات التونسية الإسرائيلية توثقا حسب هذه الوثائق لتشمل أحيانا الجوانب الأمنية، حتى أنها تشير على سبيل المثال إلى تنسيق جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد مع الأمن التونسي في ترتيبات حماية بورقيبة خلال زيارته إلى ليبيريا في نوفمبر 1965. كما قامت وزارة الخارجية الإسرائيلية - من خلال طرف ثالث مقرب منها (رئيس "جامعة البرازيل") وذلك تجنبا "لإحراج بورقيبة"- باقتراح إسمه كأحد المرشحين لجائزة نوبل للسلام لسنة 1966.
وخلال نفس الفترة أقام الطرفان خلية إتصال دائمة من خلال سفيريهما في باريس: السفير التونسي محمد المصمودي والسفير الاسرائيلي والتر ايتان وذلك بحضور الموساد الإسرائيلي.
كما إلتقى المصمودي مرة على الأقل بوزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك ابا ايبان وذلك بمنزل البارون دي روتشيلد. بالإضافة إلى وجود قناة إتصال أخرى من خلال استرمن مدير مكتب لندن للمؤتمر اليهودي العالمي والذي كانت له علاقة قديمة ببورقيبة كما أشرنا إلى ذلك سابقا.
ومن أهم النقاط التي يمكن التأكيد عليها في علاقة بالنقاشات التي تمت عبر قنوات الإتصال هذه هي الطلب التونسي من خلال محمد المصمودي (مثلا في لقاء يوم 4 اكتوبر 1966 بين الأخير واسترمن) لدعم اليهود في الغرب لتونس ماليا وإقتصاديا عموما، وذلك لتجنب علاقة مباشرة ومكشوفة بين الطرفين وهو الأمر الممكن في حالة الإعتماد على يهود يحملون جنسيات أخرى غير الإسرائيلية. وقد أثمرت هذه الإتصالات الإتفاق على ما يلي:
أولا، الإتفاق على إقامة علاقات على أعلى المستويات بين الجانبين التونسي والإسرائيلي مع الحذر والإمتناع في الظرف الراهن عن ترفيع هذه الإتصالات إلى مستوى العلاقات الديبلوماسية.
في نفس الوقت دعا الجانب الإسرائيلي الجانب التونسي إلى مواصلة الدعوة لـ"حل سلمي" مع إسرائيل إلى أن تنضم أصوات أخرى إليه، وحتى "يغرق العقل العربي" في مثل هذه الأطروحات.
ثانيا، تكريسا لمطلب دعم يهود غربيين لتونس فقد إلتقى مسؤول مالي تونسي رفيع المستوى (محمد صفر) بإسرائيليين لمناقشة إمكانيات الإستثمار الإسرائيلي في تونس تحت أغطية مختلفة للتمويه. وقد تم الإتفاق حسب هذه الوثائق على مجموعة من المشاريع وهي كالتالي: بناء نزل في المهدية برأسمال مشترك بين محمد صفر والمجموعة المالية للبارون ادموند دي روتشيلد، وتطوير مصنع للزجاج في تونس العاصمة، وتوفير أثاث للنزل من إسرائيل عبر شركة في بريطانيا.
ثالثا، تم الإتفاق على عمل إسرائيل على تحسين العلاقات التونسية الفرنسية والتي تدهورت منذ سنة 1961، بالإضافة إلى التدخل لدى الحكومتين الأمريكية والألمانية للحصول على مساعدات مالية وعسكرية.
رابعا، "تفاعلت إسرائيل" مع رغبة الجانب التونسي في مساعدته من أجل توسيع إستثماراته السياحية، وذلك بدعم خطوات تم بدؤها منذ الأشهر الأخيرة لوجود غولدا مائير في منصبها بوزارة الخارجية الإسرائيلية، حيث طلبت من السفير الإسرائيلي بواشنطن حث اليهود الأمريكيين على إضافة تونس إلى قائمة رحلاتهم السياحية، وحسب هذه الوثيقة فقد وصلت وفود منهم إلى تونس منذ نهاية سنة 1965.
خامسا وأخيرا، العمل على تكثيف التعاون في المجال الزراعي.
وتشير الوثائق إلى أنه تم الإتفاق على الحفاظ على السرية المطلقة بالنسبة لهذه النقاط.
إثر ذلك لا توجد وثائق مهمة عن طبيعة تطور العلاقة. غير أنه من المعروف أن تونس كانت من أول الدول العربية إثر إتفاقيات اوسلو تفتح مكتبا للإتصال في إسرائيل، رغم تقطع هذه العلاقة بسبب وصول حكومتي نتنياهو وشارون إلى السلطة، وعودة توتر الصراع في المنطقة. غير أن اللقاءات الرسمية والزيارات المتبادلة (آخرها زيارة الوفد الصناعي الإسرائيلي إلى مؤتمر دولي في تونس أواسط ديسمبر 2003) لم تنقطع.
كما أن هناك تقارير متزايدة حول إمكانية إعادة تنشيط التطبيع السياسي مع إسرائيل وتزايد الإتصالات مع وزير الخارجية الإسرائيلي شالوم كوهين ذي "الأصل التونسي" خاصة في الأسابيع الاخيرة من شهر جانفي 2004، ولا يبدو ذلك منفصلا عن زيارة بن علي إلى الولايات المتحدة.
بقي أن نشير إلى أن النشاط المخابراتي الإسرائيلي في تونس قد وصل إلى مستوى قياسي منذ وصول منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس سنة 1982، ولا يتعلق ذلك بوجود بعض العملاء من الأوساط الفلسطينية للموساد مثل (نائب السفير الفلسطيني في تونس عدنان ياسين وابنه هاني) فحسب بل شمل أيضا - حسب تصريحات مصادر مخابراتية إسرائيلية نقلتها عنها صحف أمريكية - "مسؤولين تونسيين رفيعي المستوى" بالإضافة إلى عناصر من الأمن التونسي ساهمت مثلا بعلم ومن دون علم (معتقدة أنها تعمل مع مخابرات أوروبية) في التحضير الإسرائيلي لعملية اغتيال ابو جهاد.
لكن ذلك وحده إن كان صحيحا لا يعني بالضرورة وجود تنسيق مخابراتي بين الجانبين خاصة في علاقة بهذه الأحداث.
وعموما فإن تواصل المراهنة على علاقات خاصة ولو سرا مع إسرائيل مثلت وستمثل نقطة ثابتة بالنسبة للنظام الحالي والذي لا يقوم الا بمواصلة السياسة التي أرساها الرئيس الراحل. وكما أشار إلى ذلك الحبيب بن يحيى بالإضافة إلى دراسات أخيرة فإن الرؤية التونسية لتسوية "سلمية" مع إسرائيل كانت أحد مفاتيح العلاقة القوية للحكومة التونسية بالحكومات الغربية بما في ذلك الحكومة الأمريكية.
ولعلنا نتذكر أن إحدى الخطوات التي قام بها الرئيس التونسي الحالي أثناء زيارته إلى الولايات المتحدة سنة 1990 هي مخاطبته بشكل خاص الجالية اليهودية التونسية المقيمة في أمريكا ودعوته لها لزيارة تونس، وهو ما يذكرنا بالنصيحة التي وجهها السفير الإسرائيلي في باريس إلى بورقيبة سنة 1956 حول أهمية الإعتماد على اليهود الأمريكيين للتقرب من الولايات المتحدة.
ا- رؤية بورقيبة لنفسه كشخصية دولية تدعم الولايات المتحدة: رسالة بورقيبة إلى الزعيم لفيتنامي هو شي منه نموذجا.
رغم مرور أكثر من ست عشرة سنة على نهاية حكم بورقيبة فإن طيفه لايزال يحوم على السياسة الخارجية التونسية، كما أن الثوابت التي أرساها في علاقة بقراءة الساحة الدولية تتجاوز شخصه ولا تزال مطابقة لقراءة النظام الراهن. ولقد كان دائما من الواضح أن من العناصر الأساسية المكونة للسياسات التونسية هي الشخصية الخاصة والمعقدة للرئيس الراحل. غير ان ما يجب توضيحه هنا أن الخصائص الشخصية لهذا الأخير لم تكن منفصلة بل كانت منسجمة مع إجماع لدى جزء من الطبقة السياسية في تونس - ولا يشمل ذلك التيار المهيمن في حزب الدستور فحسب بل أيضا بعض الأطراف المعارضة خاصة منها تلك المقربة من بعض الأوساط الغربية والفرنسية تحديدا - على إستراتيجية عامة للسياسة الخارجية التونسية والتي تواصلت حتى في غياب شخصه. وبمعنى آخر فشخصية بورقيبة كانت تخدم تلك الإستراتيجية أكثر من العكس.
وليس خفيا أن من الملامح المشهورة عن شخصية الرئيس الراحل هي إعتقاده بأنه كان شخصية عظيمة تستحق بلدا أكبر من تونس ودورا إقليميا بل دوليا أكبر بكثير مما كان يقوم به. وفي الواقع فإن أحد وثائق أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية التي رُفعت عنها السرية مؤخرا تعطينا فرصة نادرة للتوغل في رؤية بورقيبة لدوره الشخصي على المستوى الدولي، كما تؤكد النقطة الرئيسية في الإستراتيجية الخارجية التونسية والتي أشرنا إليها أعلاه: الحرص التونسي الشديد على إيجاد دور في الإستراتيجية الأمريكية.
الوثيقة "سرية" بتاريخ 24 افريل 1968 مرسلة من السفارة الأمريكية في تونس إلى وزارة الخارجية الأمريكية ورفعت عنها السرية في 6 فيفري 1992 تتمثل في ترجمة سريعة (وكثيرة الاخطاء اللغوية) إلى اللغة الإنجليزية لرسالة مكتوبة باللغة الفرنسية موجهة من بورقيبة إلى الزعيم الفيتنامي هو شي منه بتاريخ 20 مارس 1968. وتشير ملاحظات السفير الأمريكي المكتوبة على نص الوثيقة إلى أنه تسلمها من قبل وزير الخارجية التونسي، وحسب التواريخ المذكورة فإن الجانب التونسي لم يسلم الأمريكيين الرسالة إلا بعد حوالي الشهر من إرسالها، لأسباب غير واضحة.
وتبدأ الرسالة بأسلوب ليس غريبا على بورقيبة، إذ يقول، موجها حديثه إلى هوشي منه:
"أنتم وأنا من الشيوخ الحكماء الذين ينتمون إلى تلك المجموعة الصغيرة من الرجال الذين وهبوا حياتهم لتحرير وبناء بلدانهم (...) أنتم وأنا، سيدي الرئيس، إتجهنا لتحقيق هذا الهدف آخذين في الإعتبار خصوصيات بلداننا المختلفة (...)وذلك، بدون شك، هو السبب الذي يُفسر لماذا (...) نظهر كأننا نقف على الطرف النقيض من بعضنا البعض. وهذا إنطباع خاطئ بطبيعة الحال لأن كلاّ منا قد جعل من الأساسي الحفاظ على إستقلال بلاده بالإضافة إلى الإحترام الذي يكنه كل منا للآخر، ولهذا السبب أتوجه إليكم مرة أخرى كمقاتل يخاطب مقاتلا."
وبعد الإشارة إلى رسالة سابقة وجهها بورقيبة إلى هو شي منه في سنة 1967 وإلى جواب من الأخير أرسله إلى بورقيبة بتاريخ 23 فيفري 1967، يكرر بورقيبة طلبه من الزعيم الفيتنامي العمل على "إعتماد كل الأساليب الممكنة بما في ذلك التفاوض، تجنيبا للشعب الفيتنامي ويلات الحرب". لتفسير هذا المطلب يقدم بورقيبة تحليله للحرب الفيتنامية كالتالي (نقدم هذه المقتطفات من الرسالة ليس لأهميتها في سياق هذا المقال فحسب بل لأنها أيضا هامة في ذاته لندرتها ولأهمية التحليل السياسي الوارد فيها خاصة بالنسبة للظروف الدولية الراهنة):
"لقد درست تاريخ شعبكم وأعرف قدرته الإستثنائية على التحمل وحبه للحرية. وبالإضافة إلى ذلك آخذ في الإعتبار ما تفرضه الظروف الجغرافية لبلادكم عليكم من ضرورات. كما أعرف الولايات المتحدة، والرجال الذين يحكمون ذلك البلد، ونفسيتهم والظروف التي تحكمهم في تقرير سياساتهم الداخلية والخارجية (...) وأخذا بالإعتبار كل ذلك بالإضافة إلى الوضع السياسي والعسكري في الفيتنام الجنوبية، والرأي العام الأمريكي والعالمي، فإنني أرى أنه من الضروري أكثر من أي وقت مضى البحث عن حل مشرف يخرج الفيتنام من هذا الصراع المدمر. ففي الميدان العسكري النصر الجزئي ممكن غير أن النصر الكلي مستحيل. طبعا أنا على علم أن البعض يرى أن للعمليات العسكرية أثر نفسي كبير (...) وأنه مع طول الحرب فإن المواطن الإمريكي سيتعاظم قلقه وسيدفع حكومته للإنسحاب. غير أنه يجب التخوف، وعلى الزعيم المسؤول قراءة حساب هذه الفرضية، من أن مثل هذه الحسابات يمكن أن تنتهي إلى الفشل (...) وبالنسبة لي فإنني أضيف أن إنتصارا على الولايات المتحدة في مثل هذه الظروف، على ما يسمى بـ"النمر من ورق" الأمريكي، لن تكون لا في مصلحة التوازن الدولي ولا في مصلحة سلام وإستقلال الفيتنام".
ويمضي الرئيس التونسي الراحل لينصح الزعيم الفيتنامي بأنه "من الضروري أن يبقي المرء باب التعاون مفتوحا مع كل القوى الكبرى." ثم يشير إلى ما يبدو أنه الرسالة الأساسية من وراء هذا الخطاب: "إني أخشى، ومعي في ذلك الكثير من رجالات الدول، أنه إن لم تتنطلق المفاوضات من هنا إلى الأسابيع القليلة القادمة فإن مساوئ أكبر ستحل بالفيتنام".
وحتى نضع هذه الرسالة في إطارها التاريخي فإننا نشير إلى أنها كتبت في ظرف من التصعيد العسكري لقوات الفيتكونغ التابعة لهو شي منه، إبتدأ بهجوم كاسح على مدن جنوب الفيتنام أواخر شهر جانفي (1968)، ثم بموجات أخرى أواخر شهر فيفري، ثم بهجوم كبير إبتدأ يومين فقط بعد كتابة رسالة بورقيبة (23 مارس). لكن في نفس الوقت فإن الحديث عن رغبة أمريكية كبيرة لبداية محاثات مع حكومة هو شي منه كان منتشرا بشكل كبير خاصة في ظل رغبة الرئيس لندون جونسون في تقوية الحزب الديمقراطي على أبواب الإنتخابات الرئاسية التي جرت أشهرا قليلة فيما بعد. وفعلا ففي يوم 10 ماي 1968 إنطلقت المحادثات الأمريكية الفيتنامية في باريس.
ومن المرجح إذا أن رسالة بورقيبة في مثل هذه الظرفية التاريخية كانت في إطار حملة أمريكية لتجنيد كل الأصوات المقربة منها والتي يمكن أن تقنع هو شي منه بإتخاذ قرار التفاوض، غير أنه من غير المعروف كم كان الأمريكيون متحمسين لمشاركة بورقيبة في ذلك كما أنه ليس واضحا ما هو وزن رسالته في إقناع الفيتناميين في التفاوض مع الجانب الأمريكي.
بيد أنه وفي كل الحالات فإن بورقيبة كان بالتأكيد مستعدا للقيام بمثل هذه الخطوات التي تزيد حظوته لدى الإدارة الامريكية، والتي تتفق مع مطامحه الشخصية في أحقيته بلعب دور هام على المستوى الدولي. ومن جهة أخرى توضح الرسالة الأهمية الكبيرة التي يعلقها الرئيس التونسي السابق على "التعاون مع القوى الكبرى" وخاصة منها الولايات المتحدة، والشعور نفسه يمثل أحد الثوابت الأساسية للسياسة الخارجية التونسية إلى الآن.
لقد كان ثمن مثل هذه المواقف تزايد المعونات والتدخلات الأمريكية لحصول تونس على مساعدات وقروض من أطراف دولية مختلفة، كما أشرنا إلى ذلك اعلاه. ولقد كان تواصل هذه المعونات مهما بالنسبة للطرف التونسي حتى أنها عندما توقفت سنة 1996، لأن تونس "لم تعد تحتاج إليها" حسب تعبير الإدارة الأمريكية، تذمر من ذلك وزير الإستثمار والتعاون الدولي آنذاك والوزير الأول حاليا، محمد الغنوشي.
* ملامح الرؤية الأمريكية الراهنة لتونس: "زنابق مائية" وأشياء أخرى
يتبين الآن ان جزءا أساسيا من مشروع "تطوير العلاقات المغاربية الأمريكية" من المنظور الأمريكي يتمثل في إقامة قواعد عسكرية في بلدان المنطقة، ويأتي ذلك في إطار مشروع "دمقرطة" المنطقة العربية، فكما سنوضح، ترتبط رؤية "الدمقرطة" هذه في ذهن الإدارة الحالية بالتواجد العسكري الأمريكي، وليس المثال العراقي إلا النموذج الأكثر حدة والطليعي بشكل ما لما ترغب في القيام به. ومن جهة أخرى، وكما أشرنا في مقال سابق (الطاهر الأسود "بعد زيارة شيراك: السقوط الفرنسي و"الدمقرطة الأمريكية" تونس نيوز 10 ديسمبر 2003) فإن الولايات المتحدة تضع إستراتيجيتها في منطقة شمال إفريقيا ضمن إستراتيجيتها الأطلسية و"التعاون الاوروبي الأمريكي"، وليس كما تروج بعض الأوساط الفرنسية المتوترة بأن الهم الأمريكي في شمال إفريقيا هو أساسا "منافسة" النفوذ الفرنسي.
* التقرير الخاص بالعمل على إقامة قواعد عسكرية أمريكية في تونس والمغرب
قبل الإنتقال إلى المعطيات الأساسية الخاصة بنوايا نشر قوات أمريكية في تونس والمغرب نود الإشارة إلى بعض المعلومات الخاصة بمصدر هذه المعطيات "مؤسسة التراث" وهو مركز بحث أمريكي غير حكومي، وذلك بهدف تحقيق هذه المعلومات ومن ثمة التأكيد على صحتها، ولكن أيضا لحصر المجال السياسي الذي تدور فيه مثل هذه الأفكار، وهذا طبعا مؤشر مهم في حالة أردنا إستقراء هذه الأفكار كإستراتيجية عليها الإجماع من قبل جل الأطراف السياسية المؤثرة وبالتالي مستديمة أم هي مؤقتة لأنها مرتبطة بأوساط محددة يمكن أن تغادر أوساط القرار بمغادرة أدارة بوش الابن للبيت الأبيض أو بتراجع نفوذها في إدارتها إذا لم يغادر البيت الأبيض.
لقد أسس بول وايرش الهريتاج فاوندايشن سنة 1973 كمركز بحوث يقدم تحاليل على حسب الطلب وبمقابل مادي طبعا لجميع مناحي الإهتمامات السياسية الأمريكية، ومن أهم زبائنه الحكومات الأمريكية المتعاقبة وخاصة الجمهورية منها بسبب العلاقة الخاصة التي تربط وايرش بأوساط محافظة كثيرة في الولايات المتحدة، يُتهم البعض منها بالعنصرية.
ويعد هذا الأخير حسب بعض المصادر - مثل صحيفة الوول ستريت جورنال - ومجموعة المفكرين الذين يعملون معه من "اقوى" الشخصيات السياسية تأثيرا في الولايات المتحدة بالرغم أنهم من ذلك النوع الذي لا يظهر كثيرا في النشرات والبرامج الأخبارية والسياسية للإعلام الأمريكي. ومن جهة أخرى فإن هريتاج فوايندايشن تحصل على دعم سخي من أشهر وأقوى المؤسسات المالية والصناعية الأمريكية الكثير منها مرتبط بالمنطقة العربية خاصة من خلال الصناعة النفطية مثل: (General Motors) و(Amoco) و(Rockfeller's) (Chase Manhattan Bank) و(Gulf Oil)..... الخ.
ولا يبدو واضحا ما هي العلاقة المباشرة بين "فريق الأحلام" (The dream team) للمحافظين الجدد، الذين اختطفوا الأضواء في الآونة الأخيرة، ومركز الهريتاج فاوندايشن، غير أن البعض من فريق المحافظين الجدد من البنتاغون مثل دوغلاس فايث قاموا بمحاضرات في إطار هذه المؤسسة. كما أن الكثير من الدراسات في موقعها الإلكتروني تدعم بشكل أو بآخر التوجه العام لإستراتيجية المحافظين الجدد في العراق وفي غيرها، وخاصة أطروحة "الحرب الإستباقية". وعموما يمكن أن نعتبر أن الهريتاج فواندايشن قد تحولت مثلها في ذلك مثل الكثير من المؤسسات والأطراف المقربة من الأوساط الجمهورية إلى وجهة نظر المحافطين الجدد خاصة بعد صعود بوش الابن إلى السلطة وأحداث 11 سبتمبر. وبالتالي فإن التقرير أسفله بالإضافة إلى الإشارات المتعلقة بالخطط الأمريكية في منطقة شمال إفريقيا إنما تعبر بالتأكيد عن الإدارة الحالية، غير أنها لا تعني كل الأطراف المؤثرة في الأوساط السياسية الأمريكية بما في ذلك أوساط الحزب الديمقراطي. فإذا كانت هذه الأفكار جادة بالنسبة للإدارة الحالية وستعمل على تطبيقها في حالة إستمرارها في الحكم فهي لن تكون بالضرورة في دائرة الإهتمام الأمريكي الرسمي في حالة صعود إدارة أمريكية مختلفة. ويعكس ذلك في الواقع مدى عمق الإنقسام في الدوائر السياسية الأمريكية حول مواضيع السياسة الخارجية بشكل يقر معظم الملاحظين أنه لم يصل إلى هذه الدرجة فيما قبل.
أما بالنسبة لتقرير الهريتاج فاوندايشن الذي أورد نوايا إقامة قواعد عسكرية أمريكية في تونس والمغرب فقد تمت كتابته يوم 15 كتوبر 2003 ولم يتم نشره إلا يوم 17 ديسمبر 2003. وترد المعلومة المتعلقة بإقامة القواعد العسكرية ضمن تحليل مكانة القارة الإفريقية في الإستراتيجيا العسكرية الأمريكية. فحسب كاتبي الدراسة - وهما بالمناسبة نيل قاردينار (Nil Gardiner) وجيمس كارافانو (James Carafano) باحثان شابان في التاريخ المعاصر ويشير سجلهما الوظيفي إلى إقترابهما من أوساط ذات علاقة قوية بالطاقم الحالي للمحافظين الجدد، حيث عمل قاردينار في المكتب الخاص لمارغريت تاتشر في حين يعمل كارافانو مستشارا لدى البنتاغون ووزارة الأمن الداخلي- فإن القيادة الأمريكية للقوات الأمريكية المتمركزة في اوروبا، وهي تنشط في إطار قيادة الحلف الأطلسي، والمتمركزة تحديدا في شتوتغارت-ألمانيا (United States European Command or USEUCOM)[14] تفكر بتوسيع قواعدها إلى جنوب المتوسط في إتجاه إفريقيا وتحديدا في تونس والمغرب.[15 ومن غير الواضح من أين تحصل المسؤولون عن هذه الدراسة على الإشارة المباشرة إلى تونس والمغرب، غير أنهما يشيران إلى حوار قامت به قناة (MSNBC News) مع قائد (USEUCOM) الجنرال جيمس جونس (James Jones)، في شهر اكتوبر 2004 يشير فيه بشكل عام إلى ضرورة إقامة قواعد عسكرية "في مكان ما من إفريقيا".
وعند محاولتنا التوصل للموقع الأصلي للقناة المذكورة والإطلاع على الحوار المذكور باستعمال الرابط المشار إليه في التقرير فقد وجدنا حوارا مختلفا بعض الشيء وفي تاريخ مغاير (28 سبتمبر)، غير أنه لا يذكر بدوره بالاسم تونس والمغرب كمواقع للقواعد العسكرية المراد إقامتها في "مكان ما في إفريقيا". وفي جميع الأحوال فيبدو أن تقرير الهريتاج فاوندايشن المكتوب أصلا أسابيع قليلة بعد هذا الحوار قد تضمن معلومة سرية يبدو أنها كانت أحد أسباب تأخير نشر التقرير إلى شهر ديسمبر. وليس واضحا ماهي أسباب نشرها الآن لكن التقرير الذي هو في الأساس دراسة تحليلية قد كان له بسبب هذه المعلومة بالذات طابع السبق الصحفي، وهو ما جعله مادة إخبارية لعدد من الدوريات.
ومما يلفت الإتنباه إلى جانب المعطى الخاص بإقامة قواعد عسكرية في تونس والمغرب، هي الأفكار التي تعرض لها الجنرال الأمريكي جيمس جونس في الحوار التلفزي المذكور أعلاه، حيث حرص على التوضيح أن هذه القواعد لن تكون مشابهة للقواعد العسكرية الضخمة (massive) وأنها ستكون "مواطئ قدم في شكل معابر بدائية، مع صيانة بمستوى ضعيف، لكنها إستراتيجية"، وأضاف بأنها ستكون بمثابة "الزنابق المائية" (lily pads). وهذا يعني أن الحديث لا يقع هنا عن قواعد بحجم تلك الموجودة في أوروبا او السعودية أو قطر، بل أقل ظهورا للعيان بكثير، وهو ما لن يستدعي بالضرورة الإعلان عنها، وهو ما يتفق على الأرجح مع رغبات الحكومتين التونسية والمغربية.
من جهة أخرى، فإن تقرير الهريتاج فاوندايشن بالإضافة إلى حوار الجنرال جونس يضع هذا التوغل العسكري في شمال إفريقيا ضمن إستراتيجية التعاون الأطلسية بين اوروبا والولايات المتحدة، خاصة وأن الجنرال جونس، المعني الأساسي بهذه الخطوة، هو فعليا على رأس القيادة الأطلسية. وبمعنى آخر فإن هذا التوغل العسكري لن يكون محصورا بالضرورة في القوات الأمريكية، غير أننا يمكن أن نكون متأكدين في جميع الأحوال أن بعض الجنسيات الأوروبية ستجد بعض الصعوبة لتكون ضمن هذه الخطة، وهو ما ينطبق على سبيل المثال على القوات الإسبانية في حالة إقامة قواعد في المغرب.
يبقى أن نشير أنه قبل تداول تقرير الهريتاج فاوندايشن لهذه الأفكار في شهر ديسمبر 2003، فقد راجت أخبار مماثلة خلال السنوات الأخيرة - بالرغم من أنها لم تكن مؤكدة - عن بعض العسكريين الأمريكيين تشير بشكل علني إلى تونس والمغرب كمجالات يمكن أن تستقبل قواعد عسكرية محتملة للولايات المتحدة في المستقبل القريب. وقد بدأت هذه الأخبار في التداول مع طرح العسكريين الأمريكيين وخاصة الجنرال جيمس جونس لأسماء عدد من الدول الإفريقية التي يمكن أن تستضيف مثل هذه القواعد.
ففي 1 ماي 2003 تناقلت بعض وسائل الإعلام الغانية تصريحات لجونس يشير فيها إلى غانا كأحد الدول المرشحة أن تكون مقرا لأحد القواعد العسكرية الأمريكية والتي ستسع حوالي الألف جندي أمريكي وذلك لمواجهة "الخطر الأصولي في نيجيريا".إثر ذلك بأكثر من شهر وتحديدا في 10 جوان 2003 نشرت صحيفة الوول ستريت جورنال واسعة الإطلاع تقريرا مهما حول "خطط أمريكية لتخفيضات هامة في عدد القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا".
ونقلت الصحيفة عن "مسؤولين رسميين في وزارة الدفاع" تفكيرهم في إمكانية إقامة قواعد عسكرية "شبه دائمة" في كل من تونس والمغرب والجزائر في إطار التحويرات الكبيرة المزمع إدخالها على الإنتشار العالمي للقوات الأمريكية.
ولكن أهم ما في هذه التقارير إشارة بعضها إلى أن هذه التحويرات العسكرية تأتي ضمن تحويرات سياسية أمريكية تؤكد بشكل خاص على لعب دور "الشرطي العالمي" (Globalcop) وهو ما يقع ربطه بالأساس برؤى مجموعة المحافظين الجدد داخل البنتاغون.
في نفس الوقت تداولت أوساط المعارضة التونسية في الخارج أنباء من داخل تونس تؤكد الأنباء الصادرة عن المصادر الإعلامية الأمريكية. حيث هناك حديث عن نية لإقامة قاعدة أمريكية في جهة بنزرت وستشمل تحديدا قاعدتين عسكريتين تونسيتين: القاعدة الجوية سيدي أحمد والقاعدة البحرية باشاطر. ويعني ذلك عمليا مجالا إستراتيجية من الساحل الشمالي الشرقي التونسي يقع بين منطقتي سجنان وكاب سرات. ومهما كانت صحة هذه التفاصيل وما إذا كانت ستفذ بالدقة الواردة أعلاه، فإنه من المؤكد أن بنزرت كما سنشير أسفله كانت في فترة سابقة منطقة محبذة لدى الإستراتيجيين العسكريين الأمريكيين.
ماهي إذا العوامل التي تقف وراء الرغبة الأمريكية في إقامة قاعدة أو قواعد عسكرية في تونس؟
- ما وراء "الزنابق المائية"
يشير تقرير الهريتاج فاوندايشن إلى الإطار العام الذي يفسر ما يمكن أن يدفع الولايات المتحدة إلى التفكير في إقامة قواعد عسكرية في تونس والمغرب، وهو تزايد النزاعات جنوب الصحراء مما يخلق ظروفا مناسبة حسب التقرير لتوغل القوى "الإرهابية"، وينعكس ذلك في النفوذ الذي مازالت تحافظ عليه بعض الجماعات المسلحة في الصحراء الجزائرية وشمال النيجر. ومن المهم الإشارة في هذا الإطار إلى تقرير صدر اخيرا (30 ديسمبر 2003) عن المؤسسة البحثية النافذة في واشنطن "مجلس العلاقات الخارجية" بعنوان "إفريقيا: محميات الإرهاب"، حيث تم فيه إدراج تونس، إلى جانب الجزائر ومصر ضمن الدول الإفريقية التي تمثل تهديدا متوسط المدى في علاقة بإمكانية تطور "التهديدات الإرهابية" فيها ومنها.
وفي الواقع فإن الأنباء الأخيرة عن مشاركة الأمن التونسي في الشبكة العملياتية للمخابرات الأمريكية والبريطانية في العراق والتي تستهدف ملاحقة المتطوعين العرب تأتي ضمن هذا الإطار حيث تقع الإشارة إلى تونس كأحد أهم مصادر "الإرهاب"، حيث يخلط الأمريكيون بشكل متعمد ومتزايد بين التطوع مع المقاومة العراقية وبين الإنضمام لتنظيم القاعدة.
من جهة أخرى، يشير الجنرال جونس إلى عوامل أخرى، تدفع بقيادة الحلف الأطلسي للتفكير في التوسع جنوب المتوسط، وهو تحول نقطة الجاذبية في العلاقات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة عن أوروبا الغربية مقابل الأهمية المتزايدة بالنسبة للإستراتيجية الأمنية للولايات المتحدة للمنطقة التي يطلق عليها الجنرال تعبير "الشرق الأوسط الكبير"، ويعني بذلك العالم الإسلامي بشكل عام. كما يؤكد بدوره على أن الفراغ السياسي الكبير في كثير من المناطق الإفريقية يستحث الولايات المتحدة لسده حتى لا تتحول إلى مراكز لـ"الأصولية" و"الإجرام".
وقد تأكد في خلال الأيام الأخيرة أن تصريحات جونس هذه جدية بشكل كبير، حيث تناقلت تقارير صحفية مختلفة منذ 22 جانفي2004 أنباء عن جهود أمريكية وتركية داخل الحلف الأطلسي لإقناع الحلفاء الاوروبيين على ضم دول عربية من جنوب المتوسط بما فيها تونس إضافة إلى إسرائيل إلى الحلف. وليس من الصدفة أن يكون الجنرال جونس أحد المصادر الأساسية للتأكيدات الأخيرة حيث كرر بشكل واضح خطط تجديد تركيبة الحلف لتضم الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة وأشار بوضوح إلى تونس.
وهو ما يشير إلى أن إقامة قواعد عسكرية أمريكية في تونس يمكن أن يكون تحت غطاء أطلسي يضع تونس ضمن موقع "الحليف" أو على الأقل عضو بمرتبة ما ضمن الناتو.
كما يمكننا أن نضيف إلى تغير الرؤية الإستراتيجية للمنطقة، الأهمية الدائمة التي توليها الولايات المتحدة للمنابع النفطية، وحرصها على البقاء بالقرب منها. نشير إلى هذا العامل خاصة وأن الفترة الأخيرة قد حملت تزايدا في الإكتشافات النفطية في تونس على سبيل المثال.
وبالرغم من أن ذلك لا يجعلها دولة نفطية بالمقاييس الخليجية وحتى بالمقياس الليبي أو الجزائري، فإن وجود هذه الإكتشافات الأخيرة في الجنوب التونسي ينسجم مع النوايا الأمريكية لتركيز قواعد تشرف على الصحراء الكبرى.
فقد أُعلن في شهر ديسمبر وحده إكتشاف شركة اجيب بالتعاون مع شركة بريطانية حقلا نفطيا ضخما في منطقة برج الخضراء، ومنح تراخيص للتنقيب النفطي لعدد من الشركات الاوروبية مع الشركة التونسية للأنشطة البترولية في مناطق تطاوين ورمادة. ومن المهم التذكير هنا أن أهم الإستثمارات الأمريكية في تونس تتركز في مجال الطاقة وخاصة في المجال النفطي وذلك حسب تقرير أمريكي صادر سنة 1996. لكن بالإضافة إلى النفط التونسي فإن قاعدة عسكرية ولو محدودة في الجنوب التونسي ستكون على مرمى حجر من إحتياطيات أكبر بكثير تقع على إمتداد المناطق الصحراوية الجزائرية والليبية، كما أن الولايات المتحدة كانت دائما مهتمة بـ"الحفاظ على أمن" الإحتياطيات النفطية في غرب القارة الإفريقية وخاصة منطقة خليج غينيا، وذلك في إطار توسيع مصادرها النفطية.
غير أن الرغبة الأمريكية في إقامة قواعد عسكرية في المغرب العربي وفي تونس والمغرب تحديدا ليست بالجديدة، وبرغم تغير الظروف فقد كانت دائما حاضرة لدى المسؤولين الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث كانت التقارير السرية خاصة تلك الصادرة عن مجلس الأمن القومي الأمريكي حول منطقة شمال إفريقيا والتي كانت تصدر مرة كل سنة تؤكد سواء في الفترة الإستعمارية أو ما بعدها على أهمية البحث عن صيغ لإقامة قواعد عسكرية أمريكية في كل من تونس والمغرب. وحتى خلال المحادثات الأولية الجادة مع الحركات الوطنية وذلك أثناء اقتراب تسلمها السلطة أو إثر ذلك كانت هذه النقطة في أعلى سلم الأولويات الأمريكية.
وأثناء أزمة بنزرت على سبيل المثال وكما ينقل تقرير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية بتاريخ 22 جويلية 1961 فقد كان هناك رغبة أمريكية لتعويض الفرنسيين في ميناء بنزرت في حالة ما فشل الأخيرون في البقاء هناك.
ورغم عدم وجود خطط أمريكية محددة ومعروفة خلال فترة طويلة، فإن الرغبة في إقامة قواعد عسكرية في تونس والمغرب تجددت أواخر التسعينات لدى الأوساط العسكرية الأمريكية المتمركزة في اوروبا، وتحديدا في إيطاليا. فقد نقلت أحد الصحف الأمريكية بتاريخ 18 افريل 1999 عن اميرال القوات الجوية الأمريكية في ايطاليا تفكير وزارة الدفاع الأمريكية في "مواقع تدريب جديدة (للقوات الجوية الأمريكية) في تونس والمغرب" بديلة للمواقع التي تعودوا إستعمالها في إيطاليا، وذلك إثر الحادث الذي جد سنة 1998 في الأجواء الإيطالية بعد إصطدام إحدى الطائرات العسكرية الأمريكية بأحد الكوابل الكهربائية وهو ما أدى إلى وفاة حوالي عشرين مواطنا إيطاليا. ويشير الاميرال الأمريكي إلى أن ما أنجر عن الحادث الأخير من تقييد لطيران الطائرات الأمريكية على مستوى منخفض، دفعهم للبحث عن مواقع جديدة لا تفرض فيها مثل هذه القيود. ومن الواضح هنا أن الحديث لا يتم على إجراء مناورات مشتركة بل عن قواعد عسكرية جوية تستخدم رسميا لأغراض التدريب.
وفي الواقع فإن برامج التدريب العسكري المشتركة بين تونس والولايات المتحدة معروفة خلال عقد التسعينات. فهناك مثلا برامج التدريب الروتينية والتي يشارك فيها ضباط تونسيون في إطار برامج تدريب مضيقة تقام في الولايات المتحدة، والتي لا تتعلق فقط بإستعمال الأسلحة بل أيضا بصيانتها. فقد نقلت على سبيل المثال أحد الصحف في شيكاغو في نوفمبر 1999 مشاركة ضباط تونسيين من سلاح البحرية ضمن تدريبات تتعلق بصيانة الأسلحة الأمريكية. من جهة أخرى شارك عسكريون تونسيون ضمن تدريبات في ولاية نيويورك شملت عددا من الدول وذلك في إطار التعاون بين حلف الأطلسي وقوات "شريكة". مقابل ذلك فقد تم إرسال قوات أمريكية مع طائراتها "في مهام عسكرية" إلى تونس على الأقل مرة واحدة خلال السنوات الأخيرة.
حيث أعلن ضباط أمريكيون في حدود شهر افريل من سنة 1999 أنه تم إرسال مثل هذه القوات إلى عدد من الدول من بينها تونس.لكن عموما لا تشير هذه المعطيات إلى وضع جديد، فقد كان التركيز على الدورات التدريبية المشتركة أحد النقاط الأساسية في "التعاون العسكري التونسي الأمريكي" منذ فترة طويلة. ومن المعروف على سبيل المثال أن الرئيس التونسي الحالي قد شارك في دورات تدريبية مماثلة في بداية حياته العملية.
كما ان جزء أساسيا من المساعدات العينية التي تقدمها الولايات المتحدة إلى تونس، كانت تتعلق بدعم برامج التدريب العسكري المشترك. وآخر ما هو معلوم حول مثل هذا الدعم هو منح الرئيس الأمريكي بوش الابن في اوت 2002 (بعد سنة من عرض قرار المساعدة على الكونغرس) ما قيمته خمسة مليون دولار إلى تونس في شكل مساعدات عسكرية خاصة ببرامج التدريب.
إلا أن النوايا الحالية لا تأتي في ظروف مغايرة فحسب بل تأتي أيضا لتحقيق أهداف مختلفة بعض الشيء عما كانت عليه الأهداف الأمريكية خلال الحرب الباردة. حيث نرى في ذلك جزء من الأحاديث الدائرة حول برامج المحافظين الجدد لما يسمى بـ"دمقرطة" المنطقة العربية وهو ما ظهر خاصة من خلال محاضرات ومقالات وما يتسرب عن لقاءات كوندليزا رايس حول هذا الموضوع.
وافتتحت رايس حملتها حول "دمقرطة" المنطقة العربية بمحاضرة يوم26 جوان في لندن دعت خلالها "الحلفاء الأطلسيين" للتعاون لتحقيق هدف جديد لا يقل عن هدف إسقاط المعسكر السوفياتي، وهو هدف "دمقرطة" المنطقة العربية التي أضحت في رأيها مصدرا أساسيا للخطر القادم ألا وهو "الإرهاب العالمي". إثر ذلك بأكثر من شهر وفي مقال بصحيفة الواشنطن بوست بتاريخ 7 أوت 2003 طرحت رايس نفس الأفكار أعلاه بيد أن الروح الخطابية في هذا المقال لم تتح المزيد من وضوح الرؤية عن الخطوات العملية وراء هذا المشروع خاصة حول الدور الذي سيلعبه حلف الأطلسي (الناتو).
إثر ذلك بأشهر وتحديدا يوم 6 نوفمبر 2003 تبنى الرئيس الأمريكي الأفكار العامة لرايس، مع التركيز على إمكانية "تعايش الديمقراطية مع الإسلام" وتجنب الإشارة إلى دور الناتو في "إستراتيجية نشر الحرية" هذه، وذلك في خطاب روج له البيت الابيض بأنه "تاريخي" بالنسبة للرؤية الأمريكية للمنطقة العربية.وحتى تلك اللحظة لم تتوفر بعد أية تفاصيل عن الخطوات العملية لمشروع "دمقرطة" المنطقة العربية هذا.
ولكن مع بداية شهر ديسمبر بدأت بعض الصحف العربية بنشر ما تسرب، على الأرجح عبر مصادر اوروبية، من بعض الإجتماعات والمسودات الأولية لمشروع رايس. ففي عدد 1 ديسمبر من صحيفة الحياة، صدر تقرير بعنوان بوش سيطلق مبادرة "الشرق الأوسط الأوسع" للإعتماد على الـ"ناتو" في تحويل المنطقة إلى ديموقراطيات". وفي التفاصيل يذكر التقرير ما يلي:
"وتولت مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي كوندوليزا رايس وضع نظرائها الأوروبيين في صورة هذه "المبادرة"، إذ عرضتها عليهم خلال مأدبة عشاء جمعتهم في لندن، على هامش زيارة الرئيس بوش لبريطانيا. وعلم أن معاونها بوب بلاكويل مكلف ببلورة هذه المبادرة والتحضير لها. والفكرة كما عرضتها رايس هي بمثابة "خريطة طريق" لتغيير من المغرب إلى المشرق، "على أساس الديموقراطية وإحترام حقوق الإنسان والحريات"، وتتولى مكاتب لـ"ناتو" تطبيقها ومتابعتها (...)
وفي شرحها لـ"المبادرة" قالت رايس إن "أولوية الولايات المتحدة الآن هي تحويل الشرق الأوسط إلى ديموقراطيات على النموذج الأميركي، وعبر فتح مكاتب للناتو في عواصم المنطقة لتتولى نشر هذه المبادرة.
ويضيف التقرير أن عددا من المسؤولين الاوروبيين قد عارضوا هذه الرؤى، وخاصة ما يرتبط منها من تحاليل خاصة في علاقة بالوضع الفلسطيني والدعم الأمريكي لحكومة شارون وسياساته. كما علق بعضهم على إقحام الناتو في عملية "الدمقرطة" العربية وأشار الى مسألة أساسية في علاقة مباشرة بما نحاول قوله في هذا المقال، حيث حذر أحد المسؤولين الاوروبيين من "من خطورة"عسكرة العلاقة الأميركية - الشرق الأوسطية عبر إستخدام الناتو لهذا "الغرض".
وفي الواقع فإنه من المهم التفكير في مشروع "دمقرطة" المنطقة العربية الذي يروج له فريق المحافظين الجدد في علاقة بالخطط العسكرية الأمريكية، بما في ذلك توسيع الوجود العسكري بيننا، من الوجود العسكري الكبير في العراق، والذي تحول إلى قاعدة عسكرية أمريكية كبيرة، إلى "الزنابق المائية" في تونس والمغرب.
وقد أكدت تقارير لاحقة تقرير صحيفة الحياة، خاصة في سلسلة من المقالات التي صدرت في صحيفة الأسبوع المصرية بقلم مصطفى بكري (خاصة في عدد 8 ديسمبر 2003) والتي وفرت تفاصيل إضافية حول الورقة التي بصدد صياغتها مساعد رايس، روبرت بلاكويل. ويضيف أحد هذه المقالات أن أحد البدائل المطروحة في "مراقبة وفرض إنتخابات نظيفة" في البلدان العربية، والتي تعني بالمناسبة إبعاد "العناصر المشكوك في أنها إرهابية أو متطرفة" والتي سيتم تحديد قوائم بأسمائها بالتعاون مع الأجهزة الأمنية التي تعينها الدكتاتوريات القائمة أصلا، هي الإستعانة بمكاتب للناتو أو لهيئة عسكرية اوروبية أمريكية مشتركة متفرعة عنها، تضيف إلى أقسامها العسكرية أقساما لـ"التطبيق الديمقراطي" و"الحريات" و"إحترام معايير حقوق الإنسان".
وبيدو أن الآراء العامة التي يقوم بصياغتها بلاكويل، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، وحتى الأخبار المتعلقة به تستحق إنتباها خاصا من الآن فصاعدا بفعل تعاظم مكانته السياسية داخل البيت الابيض في الأسابيع الأخيرة (اواخر ديسمبر 2003). حيث تشير تقارير صحفية أمريكية إلى إمساكه بأهم ملفات السياسة الخارجية الأمريكية وتجاوزه لأهم أعمدتها بما في ذلك رامسفيلد وباول وحتى رايس التي يُفترض أنه مساعد لها، حيث أصبح مرتبطا مباشرة بالرئيس الأمريكي، ومكلفا منه شخصيا بمهمة "منسق التخطيط الإستراتيجي". وفي الواقع فرغم التهميش الظاهر لبلاكويل في السنوات الأخيرة، بما في ذلك إرساله سفيرا إلى الهند سنة 2001، فإنه كان من أهم عناصر الفريق السياسي الحالي للمحافظين الجدد والذي شارك في حملة بوش الإبن الرئاسية سنة 2000، والذي اشتهر في تلك الفترة المبكرة بتسمية "فريق البراكين". ولعله من المهم الإشارة في إطار المسائل التي تناولناها أعلاه ان بلاكويل كان ولا يزال متميزا داخل هذا الفريق بدفاعه القوي، حسب بحوثه ضمن "مجلس العلاقات الخارجية"، عن سياسة دفاعية مشتركة بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي، وهو ما يفسر على الأرجح التركيز الأمريكي المتزايد مؤخرا على أهمية دور الناتو في الخطة الأمريكية المتوقعة لـ"دمقرطة" المنطقة العربية.
وعموما فهناك علاقة بين التوجه لإقامة قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة المغاربية ضمن إطار الناتو والحديث المتزايد عن إقحام الناتو في شؤون سياسية وخاصة فيما يسمى بمشروع "دمقرطة" المنطقة العربية. ويمكن حينها تصور ما هي "الديمقراطية" التي ينشدها المحافظون الجدد في منطقتنا العربية:
إقامة تداول سياسي شكلي بدون إستقلال فعلي، مع المحافظة على مبدأ أولية المصالح الأمريكية على المصالح الوطنية، وطبعا من لا يوافق على هذا المبدأ سيتم تصويره كطرف خطير يهدد الإستقرار وبالتالي معادي لـ"الدمقراطية".
خاتمة: حول زيارة ابن علي الى واشنطن 2004 وحول أن الإستقلال الوطني شرط أساسي للدولة الديمقراطية:
من غير المعروف هل ان الإعلان عن الرغبة الأمريكية في إنشاء قواعد في تونس والمغرب مع شهر ديسمبر2003 كان مجرد مصادفة من حيث تزامنه مع الإعلان عن التفاهم الليبي الأمريكي في أواخر نفس الشهر. وقد رافق الإعلان عن الوجهة الإستراتيجية الجديدة لنظام العقيد القذافي حديث عبر، خاصة في حوارات مع إبنه سيف الإسلام، عن إستعداد ليبي لتعاون عسكري مع الولايات المتحدة وحتى عن إستقبال قواعد عسكرية أمريكية. ويأتي ذلك في نفس الوقت الذي تسربت فيه أخبار عن محادثات سرية لتطبيع محتمل بين ليبيا وإسرائيل.
واذا حاولنا الربط بين هذه الإعلانات، واعتبار تزامنها ليس مجرد مصادفة، فيمكن أن نتحدث آنذاك عن أن الإعلان المبكر عن الرغبة في إنشاء قواعد أمريكية في تونس والمغرب كان ربما سيشوش على المحادثات الليبية الأمريكية قبل الإعلان عن التفاهم بين الجانبين خاصة وأن ليبيا كانت تنظر دائما بعيون متشككة للنوايا الأمريكية. كما أن التوصل لتفاهم مع ليبيا ربما جعل الطرف الأمريكي والأطراف المغاربية أكثر إرتياحا من حيث خياراتهم في المنطقة خاصة أن الجميع مؤهلون الآن لإستقبال قواعد عسكرية أمريكية حيث ستنضاف ليبيا إلى قائمة الدول التي يمكن أن تنشئ فيها الولايات المتحدة قواعد عسكرية، وهو ما انعكس في الحوارات الأخيرة لسيف الإسلام القذافي، وبالتالي لن يشعر أي كان بحرج خاص، وكما يقول المثل "إذا عمت خفت".
وبعيدا عن هذه التكهنات فمن المؤكد أن الإعلان عن التفاهم الأمريكي الليبي ستؤثر على الإستراتيجية العسكرية والسياسية الأمريكية في المنطقة، خاصة إذا ارتمى النظام الليبي بشكل كامل في الحضن الأمريكي، وهو ما سينعكس خاصة على الإهتمام الأمريكي الخاص بتونس بشكل سلبي.
ومن غير المستبعد ان يطلب الامريكيون في هذه المرحلة التهيئة لإقحام الناتو في المعادلات السياسية الداخلية من خلال طلب إقامة قاعدة او قواعد عسكرية محدودة في تونس بداعي محاربة "الارهاب" في افريقيا.
بالإضافة الى ذلك سيضغط الامريكيون من اجل إعادة العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل على ما كانت عليه، ومواصلة الضغط في اتجاه ارسال تونس قوات عسكرية الى العراق في اطار "القوات العربية والاسلامية" المحدودة التي يرغب الامريكيون في ارسالها الى هناك في اطار التمويه على تواصل الاحتلال الامريكي للعراق، حيث لن يكتفي الامريكيون بالتعاون الامني القائم حاليا والذي يستهدف المتطوعين العرب في العراق. وفي علاقة بالموضوع الاخير سيستشهد الامريكيون على الارجح بالتجاوب المغربي مع المقترحات الامريكية، كما اعلن عن ذلك وولفويتز مؤخرا، لتشجيع ابن علي على الموافقة على هذه النقطة.
وفي مقابل ذلك سيواصل الرئيس التونسي التمسك بأهم ثوابت السياسة الخارجية التونسية المتمثلة في العمل على تمتين أهمية الدور التونسي في الاستراتيجيا الامريكية. وفي هذا الاطار التاكيد على أهمية الدور التونسي في محاصرة المنظمات "الارهابية" بما في ذلك ما نُقل أخيرا عن الجهود الامنية التونسية للتجسس والكشف عن المتطوعين العرب في العراق.
كما سيؤكد "دور تونس الايجابي" في خصوص الصراع في فلسطين ومن ذلك الدعم الكامل للمبادرات الامريكية لـ"السلام". غير انه سينتظر مبادرات من دول عربية مجاورة مثل المغرب قبل إعادة العلاقات الديبلوماسية مع اسرائيل، والتي لم تنقطع على كل حال، على ماكانت عليه، مع الابقاء على مستويات التطبيع الاخرى بل وتنشيطها.
ومن المرجح ان يواصل ابن علي التقليد التونسي في طلب دعم مالي واقتصادي من الولايات المتحدة، وسيكون احد محاور مطالبه المالية على الارجح. كما سيطالب على الاغلب بعودة المعونات الامريكية التي تتذمر الحكومة التونسية من قطعها.
من جهة اخرى فحتى إن حاول التهرب من الالتزام باي شيء في علاقة بمسألة القواعد العسكرية، فليس من المستبعد ان يوافق عليها، خاصة في حالة الاتفاق على بقائها ضمن اطار السرية.
وعموما فإن إقامة مكتب اقليمي خاص بـ"المبادرة الامريكية" لتغيير الشرق الاوسط في تونس يشير الى الاستعداد التونسي المبدئي للتماشي مع المطالب الامريكية الراهنة، والتي لازالت ضبابية على اية حال.
بالاضافة الى ذلك فإن المصالحة القادمة بين النظام الليبي والولايات المتحدة ستؤثر بالتأكيد على المطالب التقليدية للجانب التونسي للحصول على معونات عسكرية حيث كان "الخطر الليبي الداهم" المبرر الرئيسي للنظام التونسي للحصول على مثل هذه المساعدات من الادارات الامريكية المتلاحقة.
وبالتالي فمن الممكن ان يلعب الامريكيون في هذه الحالة ورقة المعونات المالية والعسكرية في اتجاه إقامة نوع جديد من "التعاون العسكري" يتيح إقامة قواعد عسكرية امريكية "شبه دائمة "مقابل استمرار تقديم المعونات والصفقات العسكرية الامريكية مع تونس.
لن نسعى في نهاية هذا المقال إلى القيام بأي خلاصات نهائية حول الآفاق البعيدة المدى لتطور العلاقات التونسية الأمريكية، فليس هناك داعي للقيام بذلك إذا لم نتوفر على المعطيات الضرورية. وعموما فلا تتعلق أفاق هذه العلاقة فقط بما يجري في تلك "القلعة المنيعة" تونس، بل يتجاوزها إلى ظروف أشمل ومنها تطور الوضع في العراق المحتل، وما سيؤول إليه المحافظون الجدد على مستوى نفوذهم في أوساط القرار في الولايات المتحدة.
غير أنه من أهم العوامل التي ستساهم في بلورة آفاق هذه العلاقة هو ما سيقوم به عامة التونسيين، مثلهم في ذلك مثل بقية الشعوب العربية، حيث سيكون لتعاظم دورهم في المشاركة السياسية الأثر الكبير في تحديد تعاضم التأثير الأمريكي والأطلسي في المعادلات السياسية الداخلية.
بالمقابل فإن العامل الأساسي الذي سيتيح تعاظم دور القوى الكبرى في تحديد الشؤون الداخلية التونسية، هو التخاذل الشعبي عن الإمساك بزمام الأمور في البلاد. ومن المؤكد أن الثوابت التي تحدد رؤية النظام الحالي للعلاقة مع الولايات المتحدة بالإضافة إلى ثوابت سياسته الداخلية والتي تقف بعناد ضد أحقية الشعب التونسي في ممارسة حقوقه السياسية لن تقوم بإيقاف هذا النفوذ الخارجي المتزايد.
وفي كلمة، فإن الثوابت التي يقوم عليها النظام الحالي تقف عقبة أمام مستقبل أفضل لتونس يحافظ على إستقلالها ودورها في إستقلال محيطها المغاربي والعربي وحاجزا لا يتيح تحولها نحو نظام ديمقراطي. وما يحاول النظام الراهن ترويجه من أقاويل حول أن سياسته الخارجية تعكس "المصلحة الوطنية" هو غير صحيح لسبب بسيط:
على مدى النصف قرن تقريبا، سنحتفل بـ"اليوبيل الذهبي" لإستقلال تونس، وبإستثناء الرئيس وبعض مستشاريه لم يشارك أي من التونسيين في تقرير ليس السياسة الخارجية التونسية فحسب بل وأيضا ماهية "المصلحة الوطنية"، والتي يبدو أن تعريفها في قصر قرطاج يقف عند حدود "تنشيط السياحة التونسية" وإستمرار حكم الحزب الواحد.
ربما كان لبعض آراء الرئيس بورقيبة بعض الحكمة، خاصة في علاقة بأهمية الحفاظ على توازن دولي. وبالرغم أن تلك المقولة لم تكن تترجم السياسة الفعلية التي كان يقودها، فإنه من الضروري الإقرار بصحتها. إن سياسة خارجية تهتم بالمشاركة في صياغة عالم متوازن القوى هي أحد المبادئ الأساسية التي يجب أن تسعى إليها حكومة ديمقراطية في تونس.
ولا نعتقد اننا سنقول حقيقة غير مسبوقة عندما نؤكد أن الحكومة الوطنية الوحيدة الممكنة في المنطقة العربية، بما في ذلك تونس، هي بالضرورة حكومة ديمقراطية. ولسنا مطالبين بالقيام بمعادلة جديدة في تونس، حيث تقوم قوى شعبية وسياسية عبر أنحاء العالم وبشكل يومي بالتكيف مع الأوضاع الدولية الطارئة لمقاومة الزحف الإمبراطوري الجديد وهي تكتشف من خلال تجربتها العملية علاقات أكثر وضوحا بين المسألتين الديمقراطية والوطنية.
إن تكيف القوى الوطنية والديمقراطية مع الظروف الدولية الجديدة وتشكيلها لجبهة عالمية مناهضة للعولمة النيو ليبرالية المتوحشة - الرديف الإقتصادي والثقافي للمحافظين الجدد - قد جعلها تكرس فعليا العلاقة الوطيدة بين الخيارين الوطني والديمقراطي في عالم اليوم. ففي نماذج مثل ماليزيا والحكومات الجديدة في أمريكا اللاتينية، حيث أعادت القوى اليسارية المتشددة والوطنية رسكلة برامجها وأمسكت بالسلطة عبر الإقتراع الحر، وحتى في المثال التركي إلى حد ما، نرى كيف أن إرساء ديمقراطيات في دول تواجه هيمنة الحيف الإمبراطوري النيوليبرالي، هو الطريق الأمثل للتعبير عن موقف وطني مجلجل ومتماسك.
إن الولايات المتحدة من خلال موقعها المميز وبجميع أطيافها هي أول من يعلم بحقيقة هذه التطورات. وهي تملك في الوقت الراهن بديلين:
إما العمل ببرنامج المحافظين الجدد من خلال إرسال الجيوش والدبابات وإقامة القواعد العسكرية و"الزنابق المائية" وتنصيب إشباه الحكومات بشكل يدمر الأساس الأولي للديمقراطية: الإستقلال الوطني. وإما العمل برأي الحكمة، وليست قلة من تؤمن بهذه الرؤية في الولايات المتحدة، والإقرار بأنه لا يمكن إقامة الديمقراطية في حالة سلب القوى الوطنية المحلية أحقيتها في تمثيل شعوبها بداعي أنها "متطرفة".
نقول للمحافظين الجدد، الذين يفقهون جيدا تاريخهم الغربي، ولأتباعهم المتوترين من بعض نخبنا العربية، والذين لا يفقهون أي تاريخ: عندما يذكر الكثيرون أثينا في عهدها الكلاسيكي والديمقراطي البدائي، فإنهم يركزون على أهمية إنجازها الديمقراطي ونجاحها في إقرار نظام سياسي بدون طغاة. غير أن ذلك لم يكن ليحدث لولا تخلص اثينا من عبودية الإمبراطورية الفارسية. وخلال عصرها الديمقراطي كان التغني بملحمة أثينا الوطنية وهزمها للفرس عنصرا قارا يشيع هيبتها ولا يقل عن الإفتخار بنظامها السياسي. وفي الدول الغربية الديمقراطية، بما في ذلك الولايات المتحدة، يشغل التغني بالشعور الوطني مكانة مماثلة للفخر بالتعايش الديمقراطي ومستوى الحريات السياسية التي تم تحقيقها، حتى أن أغلب العائلات الأمريكية مثلا ترفع بطواعية العلم الأمريكي على أبواب منازلها في مشهد يصدم من تعودوا على التفكير بأن مهمة نصب الأعلام هي من إختصاص المصالح البلدية ولجان الأحياء. وإذا زعزعت الأحداث الأخيرة مقولة "الدكتاتور الوطني" وأثبتت أن "دولة وطنية مستبدة" هي المرحلة التي تسبق نهاية الدولة الوطنية ومن ثمة عودة الإحتلال، فإننا يجب أن نتذكر في المقابل أن الديمقراطية، خاصة الأثينية والغربية الشكل، غير ممكنة التحقيق بدون الحفاظ على الإستقلال الوطني.
|