|
الساحة السياسية الموريتانية متأزمة وتنعدم فيها الثقة بين الفرقاء |
|
|
الاثنين 21/ 09/ 2009م
الموافق02 شوال 1430هق
تستأنف الساحة السياسية الموريتانية بتثاقل وبرودة نشاطها بعد رمضان وبعد عطلة عيد الفطر المطولة، وذلك في جو تنعدم فيه الثقة بين الفرقاء وتتعقد فيه المشاكل يوما بعد يوم.
ويجمع الفاعلون السياسيون الموريتانيون بمن فيهم الرئيس محمد ولد عبد العزيز على أن موريتانيا تعيش بالفعل وسط أزمة ما، سياسية حسب البعض وأخلاقية حسب البعض الآخر، وهي في كل حالاتها أزمة خانقة شالة لحركية الشأن العام.
ويجمع متتبعو الشأن الموريتاني على أن هذه الأزمة ناجمة كلها عن الانتخابات الرئاسية التي نظمت في تموز/يوليو الماضي وأحدثت شرخا كبيرا في ساحة محمومة أصلا بفعل الانقلابات والتجاذبات غير المسبوقة.
ولكل طرف من الأطراف مصطلحه الخاص في التعبير عن هذه الأزمة التي لا يوجد طرف ثالث يمكنه حلها بعد أن اصطفت المجموعة الدولية إلى جانب الطرف الحاكم مفضلة الحسم السريع عن الإجماع.
فقد سمى الرئيس عبد العزيز في خطابه بمناسبة عيد الفطر الأزمة التي تشهدها بلاده "أزمة أخلاقية"، حيث دعا "القوى الحية للمساهمة بجد وإخلاص في القضاء على الأزمة الأخلاقية التي يعيشها المجتمع الموريتاني".
وحسبما يتضح من الخطاب فإن الرئيس عبد العزيز يرى أن معارضة نظامه الذي يرى أنه منتخب بكل ديمقراطية، مجرد أزمة في أخلاق المعارضة يجب أن يقضى عليها.
ودعت الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية التي تنتظم فيها المعارضة حكومة ولد عبد العزيز إلى "تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات صارمة وملموسة من أجل التخفيف من معاناة المواطنين وإصلاح الدولة بتكريس الشفافية وحسن التسيير والابتعاد عن الديماغوجية".
وشددت الجبهة في بيان وزعته الاثنين على أن "الظرف الصعب الراهن يتطلب وثبة وطنية جادة وإصلاحات سياسية واقتصادية جذرية".
وتواجه حكومة الرئيس عبد العزيز تحديات كبيرة رافقت نشأتها وهي الخارجة للتو من حملة سياسية استخدمت فيها الشعارات ووزعت فيها الوعود الانتخابية بسخاء جعل الكثيرين يتوقعون الدخول المباشر في الجنان التي وعدهم بها الجنرال ولد عبد العزيز "رئيس الفقراء" كما يسمي نفسه.
وكان المشكل المالي أول هذه التحديات لأن خزانة الدولة بحاجة لأموال، والتمويلات الدولية التي تأكد الإفراج عنها بعد الانتخابات لم تستأنف بعد تدفقها الذي يتطلب إجراءات طويلة قد لا تستكمل قبل الفصل الثاني من السنة المقبلة وهو أجل لا تتحمله الأوضاع، حسب تصريحات خبير مالي.
أما التحدي الثاني فهو التعطل المفاجئ لمولدات وكابلات الشركة الوطنية للكهرباء مما جعل العاصمة نواكشوط تقبع منذ أكثر من شهرين في ظلام دامس.
وقد أخمدت أزمة الكهرباء التي ما تزال دون حل، جذوة الحماس التي رافقت انتصار ولد عبد العزيز في الانتخابات.
ويؤكد المهندس محمد السالك ولد هيين، وهو مدير سابق بارز للشركة الوطنية للكهرباء، أن الأزمة الكهربائية في نواكشوط لن تحل نهائيا إلا بعد أربع سنوات وبشرط وجود تمويلات خارجية لا تقل عن عشرين مليار أوقية (نحو 800 مليون دولار).
وجاءت الأمطار التي تهاطلت بنسب غير مسبوقة هذا العام والتي أغرقت أحياء بكاملها في مدن بينها العاصمة نواكشوط، لتظهر عجز الحكومة أمام الرأي العام عن إغاثة المتضررين وعن إقامة سريعة لنظام صرف صحي وهو ما شكل تحديا آخر لا يقل إحراجا عن سابقيه.
ويواجه سكان العاصمة نواكشوط وسكان مدن في الداخل بينها مدينة روصو المنكوبة صعوبة في التنقل لقضاء حوائجهم اليومية نتيجة البرك الآسنة وانسداد الطرقات.
وإلى جانب السياسيين، للكتاب الموريتانيين رؤيتهم للأزمة من خلال ما عبروا عنه في الصحف والمواقع.
ويرى الكاتب المصطفى ولد خطري في صحيفة "السراج" أن الأزمة التي تشهدها موريتانيا حاليا "تتنزل في إطار أزمة أخرى حضارية أشمل وأعمق، هي أزمة مجتمع ونظام حكم وصعوبات حضارية كأداء ما زالت تلوك مجتمعنا؛ فتعطل تطور نظامه الاجتماعي وتحول دون نضج تجربة الحكم فيه".
وينظر الكاتب محمد الأمين ولد سيدي مولود في مقال بصحيفة "أخبار نواكشوط" للوضع القائم بتشاؤم كبير إذ يقول "بما أن (رئيس الفقراء) يمتاز بالطبيعة غير الشوروية، وبما أن خلفيته غير تخصصية لا في الاقتصاد ولا في السياسة، وبما أن مقربيه يمتازون بخاصية الالتصاق، فلا نصح ولا مبادرة فمن الراجح أنه سيتمادى في تسييره الأحادي مما سيفاقم الأزمات وسيزيد الأوضاع سوءا وعندها ستزداد وسائل الإعلام الرسمية وخاصة التلفزيون صفاقة وستنحدر شيئا فشيئا إلى العصور الغابرة بتمجيد الرئيس وتضخيم الإنجازات الضئيلة الباهتة والانغلاق أمام أي رأي نقدي أو نصحي ثم ستزداد الحكومة تعقدا مع كل انفعال يصدر من القائد نتيجة لضغوط الأزمات وسينعكس ذلك على طبيعة الجو "الديمقراطي" فيضيق الخناق على المنابر الحرة بالإغراء والتخويف وسيزداد الأنصار شراسة وتتسع دائرة المعارضين وتكثر الرشاوى وتتدهور الأوضاع الاقتصادية.. لنعود إلى ملامح أزمة لم نتخلص منها بعد".
وبلهجة مريرة شرح الكاتب عبد الله ولد سيديا مطالب المواطنين للرئيس عبد العزيز في مقال نشر بصحيفة "الأخبار" قائلا: "سيدي الرئيس، نحن لا نكترث بمعاينة المشاكل واقتراحات الحلول طويلة الأمد لا نفهم لجهلنا الخطط الخمسية أو العشرية (...) نحن نريد وطنا نعيش فيه لا على هامشه، وطنا فيه مساكن ومدارس ومصابيح ومجاري للصرف الصحي؛ واقعنا سيدي، لا يحتاج فهمه للكثير من التفكير فنحن ببساطة فقراء خذلهم رئيس الفقراء".
ويعترف الكثيرون بمن فيهم المعارضون للرئيس ولد عبد العزيز بالجدية والنشاط الكبير وبواقعية الجنرال الذي أصبح رئيسا، غير أن الكثيرين يرون أن اعتماده فقط على أنصاره ومعظمهم يفتقد للتجربة لا يساعد في حل المشاكل الحالية.
وبالنظر لذلك فإن على ولد عبد العزيز أن يتجاوز الماضي وأن يوظف خبرة وجهود الجميع لأن الوضع الحالي يفرض ذلك.
|