مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > تونس > الديمقراطية والحريات > المجلّة الانتخابية التونسية أو الاحتكار بالقانون
المجلّة الانتخابية التونسية أو الاحتكار بالقانون نسخة للطابعة ارسال الی صديق
الاثنين 21/ 09/ 2009م  الموافق02 شوال 1430هق

 
 
بقلم : الأستاذ عبد الوهاب معطر*

في سنة 1988 ولمّا كان "العهد الجديد" طريّ العود كتبت في جريدة الموقف تعليقا على التقيحات المزمع إدخالها وقتئذ على المجلة الانتخابيّة ما نصه " أن النظام الجديد ماض كسابقه في استعمال القانون الانتخابي سلاحا بتّارا لتعويق التحوّل الديمقراطي الذي يدعو إليه من جهة كاستعماله يافطة للتمويه الديمقراطي من جهة أخرى". (انظر الموقف 14 جويلية 1988 ص 2) .

ومنذ تنقيحات 29 ديسمبر 1988 أخضعت المجلة الانتخابية إلى أكثر من سبعة تقيحات كان آخرها في جويلية 2009 وعلى الرغم من ذلك فانّ ما قلناه منذ واحد و عشرين سنة مازال قائما وماثلا للعيان.

صحيح أن القانون الانتخابي في تونس قد وقع تغيير بعض تفاصيله لكن هذا التغيير اقتصر فقط على الهوامش الكميّة المحدودة الأثر بينما بقيت المفاصل الجوهرية والبؤر الحيويّة المتحكمة في ديناميكية المشهد السياسي عصيّة عن كل تطوّر. وها هي المجلة الانتخابية الحالية في تونس اليوم بقيت صامدة كما كانت في السابق... آلية قانونية لتكريس الانغلاق والاحتكار والإقصاء ولا تخرج في الواقع عن كونها حلقة من سلسلة الآليات التي تؤسس للديكتاتورية بالقانون وتضعنا هي الأخرى أمام أخطر الديكتاتوريات على رأي حنا أرندت " تلك التي تستخدم وتطوّع التشريع (القانون) لضمان الاحتكار والقمع الشمولي".

إن الانتخاب كآلية للانتداب والفرز لا تعني في حدّ ذاتها إلا شيئا واحدا : هو إقصاء التعيين التحكمي أو الانفرادي. وهي بهذا المعنى المحايد لا تقترن بالضرورة بالديمقراطية أو بسيادة الشعب على صعيد الحكم السياسي كما أنها لا تؤدّي حتما إلى تجديد النخب وتحقيق التنمية السياسية على الصعيد الاجتماعي. نقول ذلك دفعا لأيّ ادّعاء مضلّل يجعل من مجرّد إقرار المبدأ الانتخابي رديفا للديمقراطيّة والعصرنة. وليس أدلّ على ذلك من أن الديكتاتوريّات والأنظمة القمعيّة لا تتردّد في اللجوء إلى الانتخابات لتحقيق هدفين متلازمين هما الظهور في الخارج ببرقع ديمقراطي من جهة وتشريع التسلّط والقمع في الداخل من جهة أخرى.

ذلك أنّ العبرة لا تكمن في إقرار الانتخابات في حدّ ذاتها بل أنها تتمحور حول طريقة معالجة الآليات الداخليّة لهذه العملية المعقدة من جهة -وهو ما يضعنا وجها لوجه مع الفصول القانونيــة المنظمة للانتخابات- كما تتمحور من جهة أخرى حول الملابسات الواقعية الخارجة مبدئيا عن القانون الانتخابي في حدّ ذاته لاتصالها بالمناخ السياسي العام الذي تجري فيه الانتخابات.

ولئن كانت هذه العوامل الخارجيّة المؤثّرة في مسار الانتخابات ليست محلّ دراستنا هنا على الرغم من أهميتها. فإننا سنحاول فيما يلي تسليط الضوء على المسألة القانونية الصرفة لإبراز فكرة مفادها أنّ فصول المجلة الانتخابية التونسية النافذة حاليا تمثل عائقا كبيرا يحول دون أي تطوّر ديمقراطي للبلاد بل أنها في مضمونها الداخلي وفي جوهرها الأصولي لا تنتج الاّ دوام الاحتكار ولا تفرّخ إلا تأصيل دعائم الديكتاتورية.

إننا نزعم أن العقلية التي قادت التشريع الانتخابي في تونس منذ 30 جويلية 1959 الى اليوم كانت تهدف بالأساس للظهور باللبوس الديمقراطي لكن وفي آن واحد مع تعمّد إجراء عملية اخصاء صلب هذا التشريع حتى لا يفرّخ بل وحقنه للغرض من حين الى آخر – عبر التنقيحات المجراة عليه طوال حوالي نصف قرن – بموانع الحمل. وهذا ما تؤكده الدراسة الموضوعية لركائز المجلة الانتخابية في تونس.

ذلك أن المجلة الانتخابية في بلادنا ظلّت تلاحق هذا الهدف سواءا عند ضبطها للجسم الانتخابي (أوّلا) أو في تصعيد أعضاء المجلس النيابي (ثانيا) أو في تعيين رأس السلطة التنفيذية (ثالثا) بل أنها لم تكتف بهذه الاحتياطات "القانونية" فزادت عليها احتياطات فعلية (رابعا).

أوّلا: التحكم في ضبط الجسم الانتخابي:

في المنظور الديمقراطي تتيح ممارسة الحق الانتخابي المشاركة السياسية للمواطن في تسيير الشأن العام. وبهذا المعنى فان هذا الحق يعتبر من الحقوق السياسية المقدّسة التي لا يجوز التضييق عليها خاصّة أنه لئن كان يشمل بالضرورة الحق في الاختيار والتصويت فانه يشمل وبالخصوص كذلك الحق في الترشّح لمناصب الدولة. ولهذا السبب تحاط عادة عمليّة ضبط الجسم الانتخابي بتدابير عديدة مانعة للإقصاء وتقتصر على وضع شروط دنيا لممارسة هذا الحق.

وبموجب مجلّتنا الانتخابية فانه لابدّ من التفريق – حتى تسود المنظومة- بين الانتخابات من جهة والترشّح من جهة أخرى. إذ أنّ هذا الأخير يخضع لشروط خاصّة حسب نوعية المنصب كما سترى لكنه يتطلّب بدءا أن يكون المترشح ناخبا فإذا لم يكن كذلك فانه يحرم من أية إمكانية للترشح لأيّة وظيفة ومن هنا نتأتى أهميّة ضبط الجسم الانتخابي. فبقدر ما تكون الشروط اللازمة للانضمام إليه يسيرة بقدر ما تكون المشاركة السياسية أوسع.

ولأنّه يتعيّن في بلادنا التحكم في مآلات الانتخابات حتى لا تخرج عمّا هو مرسوم لها وجب إذن وضع التضييقات لتطهير حجم الجسم الانتخابي. وكان الأمر كذلك عبر توسّع مجحف في صور الحرمان (1) وعبر اقرار طريقة بطاقة الناخب مع ضمان التحكّم الإداري في إسنادها (2).

1- توسّع مجحف في حالات الحرمان من الحق الانتخابي

بعد أن وقع اقرار عمومية الانتخاب (الفصل 1) حرمت المجلة الانتخابية بعض الفئات الاجتماعية من حقها في الانتخابات ومن ثمة للترشح فيها نذكر منها بالخصوص فئة المعارضين السياسيين المحكوم عليهم
تكشف فصول المجلة الإنتخابية التونسية على تعمّد إحكام غلق الأبواب -مع سبق الاضمار والترصّد- على جميع فئات المعارضة السياسية المكتوية في مذابح القضاء في تونس التي لم تعرف طوال تاريخها إلا تنمّر الاستبداد وتصدّي أجيال من الشرفاء له من مختلف التيارات والمذاهب.

وقلنا أن هذا الإقصاء إنما كان بسبق الإضمار والترصّد لأنّ المهم فيه ليس التصويت في الانتخابات في حدّ ذاته بل خصوصا هو استهداف تلكم الشخصيّات الوطنيّة لحرمانها من أيّة إمكانية للترشّح لأيّ منصب عامّ وإخراجها تبعا لذلك من أيّ تنافس انتخابي مهما كانت شعبيّتها أو حظوظها.

فبموجب الفقرتين 2 و 3 من الفصل الثالث من المجلة الانتخابيّة فانّ المحكوم عليهم في القضايا السياسيّة والنقابية أو حتى الحقوقيّة ومهما كانت هذه القضايا جناحيّة أو جنائيّة لا يرسّمون في القائمات الانتخابية أصلا. والأدهى أن هذه الشخصيات السياسية التي قد تشكل منافسا جديّا لأزلام الديكتاتورية وقعت معاملتها في المجال الانتخابي بطريقة لا تخلو من الفجاجة وانعدام الحياء اذ أنه لم يقع تمتيعها حتّى بالاستثناء المخوّل للمحكوم عليهم من أجل جنحة غير قصديّة الذين يمكن ترسيمهم بالقائمات.فالمعارضون السياسيون المحكوم عليهم مجرمون يتعيّن استئصالهم من السباق بموجب القانون حتى وان كانت "جريمتهم" غير مخلّة بالشرف..حتى وان كان "ذنبهم" هو إصرارهم على ترك الخوف جانبا واستماتتهم في ممارسة حقوقهم.

أفليس في ذلك أيسر السبل لتحصين رجالات الدكتاتورية من أيّة منافسة جديّة؟
فكم هم هؤلاء المعارضون السياسيّون في بلادنا ممن لم يحاكم بغلظة من طرف مؤسسة قضائية كانت طوال تاريخها مجرّد جهاز قمعي في خدمة التسلّط والاستبداد؟.

إن المجلة الانتخابية رسالتها واضحة في هذا المجال فإن أردت أن تكون ناخبا وان اقتضى الحال مترشّحا فعليك إذن أن تنسجم مع بشاعات الديكتاتورية وأن تثبت ولاءك لها بالتحفّظ والبعد ولم لا التشهير بتلكم الآلاف من التونسيين ممّن قبع وممّن مازال يقبع منهم داخل الأسوار.
والآن افترض وأنّك نجحت في اختراق شبكة المحاكمات السياسية فهل أن ترسيمك بالقائمات الانتخابية واسنادك بطاقة ناخب هو أمر مضمون؟

2- القائمات و البطاقات الانتخابية: تحكم سياسي لادارة منحازة

في حين أن العديد من البلدان قد استنبطت طرائق عديدة لتيسير ممارسة المواطن لحقه الانتخابي مازالت بلادنا تشترط ضرورة الترسيم بالقائمات الانتخابية وكذلك ضرورة التحوّز ببطاقة ناخب.

وان إقرار النظام التونسي لهذه الطريقة لئن كان مفهوما في سنة 1959 فان إصراره عليها الى اليوم وفي ظلّ ما شهده العالم من تطوّر واستنباط في هذا المجال في علاقة مع التطوّر التكنولوجي هو أمر لا يفسّر إلا بشيء واحد هو الحرص الشديد على ضمان السيطرة والتحكم بواسطة الإدارة على ديمغرافية الناخبين.
وليس في نيّتنا هنا التطويح بالقارىء في تفاصيل وإجراءات الترسيم بالقائمات الانتخابية ولا إثقال كاهله بطرائق وتعرّجات الظفر ببطاقة الناخب. إننا نودّ فقط التأكيد هنا على أن الدوائر البلدية المكلفة بالقائمات الانتخابية كثيرا ما تلجأ إلى الطريقة الانتقائية عند تحريرها لتستبعد عادة الأعداد الوافرة من المواطنين ممن شملتهم القائمات الأمنيّة بوصفهم من المشبوه فيهم بالمعارضة أو من المقربين إلى الأخيرين وهو ما سيضطرّ هؤلاء المواطنين لاحقا إلى المطالبة والاعتراض والطعن طبق شروط وآجال محدّدة -كافية لوحدها لإثنائهم عن الترسيم إلا إذا كانوا مصرّين حقا عليه-. وهو أمر أكثر من مستبعد طالما أن التونسيين بخبرتهم أصبحت الانتخابات لديهم أصوات مكرّرة في قرص مشروخ يؤذي آذانهم ويستنزف أوقاتهم.

وبالطبع فان الدوائر البلدية بقدر ما تكون شحيحة في ترسيم المغضوب عليهم المدرجين في قائمات مراكز الأمن بقدر ما تكون على درجة قياسيّة من الجود والعطاء مع من كان مدرجا في دفاتر الحالة المدنية الممسوكة من طرفها. حتى إذا كان المعني بالأمر مثلا مقبورا أو سجينا أو مهاجرا أو معتوها. وبذلك تتضخّم القائمات الانتخابية من هذه الناحية دون أن يكون بالإمكان مراقبتها من طرف ذي المصلحة.ذلك أن المجلة الانتخابية لئن كانت تمّكن من المطالبة بالترسيم على النحو المبين أعلاه فإنها لا تضع أيّ إجراء جدّي للمطالبة بشطب كلّ من لا يجوز ترسيمه فالأمر موكول للإدارة بانفرادها. وأنى لهذه الأخيرة أن تقوم بهذا الشطب وهي المرتبطة عضويّا بحزب السلطة وبنواته الصلبة في قرطاج ؟

بلى إنّ التحكم في الجسم الانتخابي لا يقف عند هذا الحد بل أن الإدارة إياها هي التي تتولى توزيع بطاقة الناخب على كلّ مرسّم بالقائمة الانتخابية. وهنا تتدخّل أذرعها الدنيا من عمدة ورئيس شعبة لتجري عمليّة انتقاء ثانية تحجب بموجبها بعض البطاقات على البعض وتوزع البقية بعد الاحتفاظ لديها ببطاقات الموتى والسجناء والمهاجرين والمعتوهين والمغادرين لمقّرات سكناهم والقائمة طويلة.

والسؤال هو لماذا يقع إتباع هذه الطريقة المكلفة والمضنية في ضبط الجسم الانتخابي ؟ أليس من الأجدى انتهاج ما سلكته حتى بعض البلدان في أفريقا من اعتماد بطاقة التعريف الوطنية لممارسة حق التصويت؟ فضلا عمّا أقرته بعض الدول في أمريكا اللاتينية من إمكانية التصويت بواسطة طرائق مستنبطة من التكنولوجيا الحديثة.
إنّنا نحسب أن مثل هذه الحلول تراها الديكتاتورية غير ملائمة للشعب التونسي الذي لم ينضج بعد بما فيه الكفاية. وإذن فلا بدّ لها- كوصية عليه- أن تجول بأيديها في جسمه لتقلع منه الأشواك التي قد تدمي أصابعها.
فهل أن مجلة انتخابية تعطي بالقانون لإدارة منحازة الحق في التصرّف وبكامل الحريّة في الجسم الانتخابي قادرة يا ترى على إضفاء أيّة مصداقية على مآلات الانتخابات؟؟ .

الانتخابات التشريعية: تحكّم مسبق في النتائج :

إنّنا نزعم بدءا أن القانون الانتخابي في تونس ومنذ وضعه في 30 جويلية 1959 وعبر حوالي التنقيحات الستة عشرة التي أجريت عليه وصولا إلى آخر تعديل له في جويلية 2009 قد خضع شكلا ومضمونا إلى عقليّة تسلطيّة حريصة على مسك ناصية المجتمع بتلابيبه منعا لأيّ تطوّر أو تغيير قد يفقدها السيطرة أو احتكار الوصاية عليه فضلا حتى عن مجرد تغيير موازين القوى فيه.

وملاحقة لهذا الهدف وقع فعلا تكييف فصول المجلة الانتخابية وصياغتها بطريقة تضمن احتكار رجالات الاستبداد لجميع مقاعد البرلمان. ونقول احتكار لأنّنا نعتقد أنه حتى مع "جرعة النسبيّة" المعمول بها حاليا فان من يظفر "من المعارضة" بمقعد في مجلس النواب لا خيار له إلا التهميش أو الانسجام .وفي الحالتين فان احتكار الحزب الحاكم يظل قائما ومضمونا.

والواقع أن هذا الوضع الاحتكاري ليس مردّه مطلقا اتساع شعبية التجمع الدستوري ولا يعود بتاتا إلى ضمور حجم الساخطين على الديكتاتورية وفسادها أو إلى عقم النخب التونسية بل أنه يجد جذوره في حزمة من الأسباب والعوامل المعقدة التي ليس المجال للتطرق إليها في هذه المحاولة التي اختارت أن تقتصر على إحدى هذه الأسباب المفضية إلى ذاك الاحتكار ونقصد بها تلكم الآليات القانونية التي تكفلت بها المجلة الانتخابية في هذا السياق.

فمنذ وضعها تقوقعت المجلة الانتخابية في تونس حول طريقة اقتراع محددة تكفل للحزب الحاكم الاحتكار المطلق الواقع تعديله جزئيا في نوفمبر 1998 بما أسموه جرعة النسبيّة.
إنّ طريقة الاقتراع تعدّ مسألة حاسمة في توزيع مقاعد البرلمان بين المتنافسين على ضوء عدد الأصوات المتحصّل عليها اذ أن نفس عدد الأصوات يمكن أن تعطي عددا من المقاعد تختلف كميّا حسب طريقة الاقتراع المعتمدة.

ولقد أنتجت تجارب الشعوب أنماطا عديدة من طرق الاقتراع لا يمكننا التبسط فيها هنا لكن هذه الطرق على تنوعها تتمحور حول قطبين أولهما الاقتراع بالأغلبية وثانيهما الاقتراع بالنسبية وكلاهما غير محايد أي أنه ينبع من اختيار سياسي مسبق فإما الميل إلى توظيف عدد الأصوات المتحصل عليها لتكريس الاحتكار والهيمنة (وهو النظام الأغلبي ) أو توظيف نفس ذلك العدد من هذه الأصوات لتكريس التعددية البرلمانية كانعكاس للتعددية الاجتماعية والسياسية (وهو النظام النسبي).

ولا شك أن هذا الأخير يعتبر الطريقة المثلى للممارسة الديمقراطية لأنه لئن كان يعطي لأغلبية الأصوات حقها فانه لا يعطيها أكثر من حقها .كما أنه وفي الآن نفسه لا يغبن الأقلية حقّها بل أنه يمكنها من المشاركة الفعلية في العمل البرلماني بما يفتح أمامها إمكانيات المراكمة والتطور لتغيير موازين القوى وفق ديناميكية الحياة السياسية.ولهذا السبب بالذات وقع اعتماد طريقة الاقتراع بالنسبية كوسيلة للتطوير الديمقراطي والإصلاح السياسي في العديد من البلدان فيما بقيت الأنظمة المنغلقة تراوح مكانها متمسكة بطريقة الاقتراع بالأغلبية لأنه يضمن لها احتكار جميع مقاعد البرلمان بمجرد حصولها على أكثر من خمسين في المائة من أصوات الناخبين والحال أنها لن تحصل إلا على نصف المقاعد لو وقع اعتماد طريقة النسبية .

ولا شك أنّ بلادنا لم تعرف إلى حد اليوم أية انتخابات تنافسية حقيقية. لكنه حتى لو افترضنا جدلا ذلك فان اعتماد طريقة الاقتراع بالأغلبية يحول عمليا دون منع احتكار الحزب الحاكم لمقاعد المجلس النيابي. ومن ثمة فإنه لا مجال لأي تغيير في خريطة القوى السياسية بتونس بدون الإلغاء المسبق لنظام الاقتراع بالأغلبية.

وإذن فإن القانون الانتخابي في بلادنا يقوم أساسا على طريقة الاقتراع بالأغلبية ضمانا لاحتكار الحزب الحاكم بل أنه ولسدّ المنافذ عن أي اختراق محتمل فقد أقر علاوة على ذلك أ كثر الصيغ عنفا في الاقتراع الأغلبي فجعله على القائمات وفي دورة وحيدة والذي بموجبه تفوز قائمة واحدة بجميع المقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية بمجرد أن تفوز بأكثرية الأصوات أي حتى ولو كان الفارق بينها وبين القائمة الثانية هو صوت واحد لا غير. تأكيدا على أن طريقة الاقتراع بالأغلبية وبالقائمات في دورة وحيدة لا تتيح كسر الاحتكار مهما كانت نزاهة العملية الانتخابية ومهما كانت طبيعة السلطة القائمة عليها فما بالك لما نكون حيال سلطة ديكتاتورية تبيح لنفسها التحكم في جميع آليات الانتخابات وتزييفها.

وإن اعتماد أسلوب الاقتراع على القائمات يزيد في الوضع فداحة لأنّه يقتضي مسبّقا ضبط دوائر انتخابية وتخصيص عدد من المقاعد لكل واحدة منها. وهذا الأمر له إنعكاس هو الآخر على نتيجة الأصوات ومن ثمّة على توزيع المقاعد. فبقدر ما تكون الدائرة الانتخابية كبيرة جغرافيا وواسعة عدديّا بقدر ما تتقلّص حظوظ الأقلية سواءا في تشكيل القائمات أو في الفوز بالأصوات. وهذا أمر لم يغرب هو الآخر عن ذهن واضعي القانون الانتخابي في تونس فلفرط الحرص على ضمان الاحتكار لم يقع الاقتصار على طريقة الاقتراع إياها بل أنه عمد إلى توسيع الدوائر الانتخابية لتصبح الدائرة متطابقة مع حدود الولاية ( فيما عدا بعض الاستثناءات) بما لذلك من انعكاس مباشر على العمليّة الانتخابيّة برمّتها.

فهل بعد كلّ هذا يمكن التبجّح بالقول بديمقراطية القانون الانتخابي في تونس ؟.

إنّ السلطة الحالية تعرف قطعا أن نظام الاقتراع بالأغلبيّة أولا و على القائمات ثانيا و في دورة واحدة ثالثا وفي دوائر انتخابية واسعة رابعا سيضمن لها الاستمرار والدوام واحتكار المناصب في مجلس النواب حتى وإن لم يصوّت نصف الشعب التونسي لأتباعها ولذلك فإنها مصرّة على اعتماد هذا النظام حتى الرمق الأخير.

إلا أن حاجتها للديكور الديمقراطي المزيّف دفعها إلى انتهاج أسلوب الرشوة السياسية بتنقيحها للمجلة الانتخابية في نوفمبر 1998 فخصّصت عددا من المقاعد لارشاء بعض شخصيات الأحزاب المنسجمة معها عبر ما أسمته جرعة النسبيّة التي إنحصرت في أقلّ من خمس (5/1) عدد مقاعد مجلس النواب. ثم وبالتنقيح الدستوري لغرّة جوان 2002 إستحدثت مجلس مستشارين وأخضعت تسديد جلّ مقاعده للتعيين المباشر أو غير المباشر ممّا ليس هنا المجال للتدقيق فيه.

واعتقادنا راسخ أن طريقة الاقتراع المعمول بها حاليا في الانتخابات التشريعية قد أحكمت غلق الأبواب أمام أي اختراق غير مرغوب فيه بعد أن سدّت النوافذ ووضعت المتاريس لدفع الصائل الديمقراطي الذي قد يهدّد سطوة الاحتكار الاستبدادي. ومن ثمة فإن إلغاء طريقة الاقتراع هذه واستبدالها بطريقة النسبيّة المعدلّة هو شرط لازم لفتح الأفق نحو تلمّس المسلك الديمقراطي في العمل التشريعي لمجلس النواب.

ثالثا: الانتخابات الرئاسيّة : الإقصاء من الأساس

لئن كان الاحتكار في مجلس النواب يصبّ في خانة الحزب الحاكم وكانت وسيلته القانونية في ذلك طريقة الاقتراع بالأغلبية على القائمات في دورة واحدة وفي دوائر انتخابية واسعة فانه وبالنسبة لمنصب رئيس الجمهورية فان الاحتكار سيكون لفائدة رئيس ذلك الحزب. الاّ أن الوسيلة القانونية لذلك ليست طريقة الاقتراع – خاصة بعد اقرار نظام الدورتين في تنقيح 4 أوت 2003 – بل سيكون بآلية أخرى وهي شروط الترشّح. وسامح الله السيّد الشاذلي زويتن في ذلك.

وفعلا بالرجوع الى النص الأصلي للدستور وكذلك الى النص الأصلي للمجلة الانتخابية قبل تنقيحها في سنة 1976 نلاحظ ان الترشّح لرئاسة الجمهورية كان حقا مكفولا لكل مواطن تتوفر فيه شروط الدين والعمر والجنسية ويقوم بالتعبير عن رغبته المنفردة في الترشّح، لكن تقديم السيد الشاذلي زويتن ترشحه لرئاسة الجمهورية في سنة 1974 أثار حمية وغضب ونقمة رجال ذلك العهد الذين تكفلت جريدة العمل القديمة في رسالتها بعنوان" الرئاسة أخلاق ونضال" بتاريخ 3 أكتوبر 1974 ببلورتها ، اذ جاء على لسانها حرفيا:"ان المواطن التونسي لا يتصور ولا يقبل أن يتصور أن يكون هناك منافس للمجاهد الأكبر في الترشّح لرئاسة الدولة لا لأن جميع الشروط الدستورية والمدنية والأخلاقية والنضالية والفكرية تتوفر فيه، ولكن لأنه الرجل الذي صنع تاريخ تونس الحديثة ولا يجوز بأي وجه من الوجوه اتجاه هذه المواهب أن يجرؤ أحد على التفكير فضلا عن الاقدام على منافسة الحبيب بورقيبة في منصب رئاسة الجمهورية والتساوي معه في الحظوظ والمؤهّلات ووضع الشعب أمام الاختيار بين هذه القيادة أو تلك، وحتى لو قدر لعابث أن يقتحم هذا المجال لمجرد الظهور في مظهر التحدي للقيم الأخلاقية والمدنية فانه لا يجوز لمجتمعنا أن يترك مثل هذه الثغرة في الفصل الخاص بالترشّح لرئاسة الدولة اذ يجب المبادرة بوضع شروط لا بد من توفرها".

وفعلا وضعت هذه الشروط فشطب على الانتخابات الرئاسية بإقرار الرئاسة مدى الحياة دستوريا "للمجاهد الأكبر". أمّا لمن سيأتي بعده فقد وقع تنقيح المجلة الانتخابية في 11 أوت 1976 لإضافة شرطين لجواز الترشح للرئاسة يتعلق أولهما بضرورة تقديم المترشح من طرف ثلاثين مواطنا على الأقل من بين أعضاء مجلس النواب ورؤساء مجالس بلدية، مما يعني أن المواطن الذي ليس له معارفا وأصدقاءا أو أنصارا بمجلس النواب أو ضمن رؤساء البلديات لا يمكنه الترشح للرئاسة مطلقا.

أما الشرط الثاني فيتمثل في ضرورة تقديم المترشح لضمان مالي قدره 5000 دينار لا يرجع له الا عند حصوله على 5 ./. من الأصوات.

ومن نافل القول أن هذين القيدين الموضوعين أمام حق الترشح للرئاسة يشكّلان في الواقع اعتداءا صارخا على هذا الحق لم يستح النظام السابق عن اتيانه. الاّ أن حلول "العهد السعيد" لم يخلّص التوانسة من هذه العقبة الكأداء التي تحول دون أي تداول سلمي على الرئاسة نظرا للاستحالة التي يجد فيها نفسه كل من يغريه الترشّح لهذا المنصب في الحصول على تلكم التزكية الثلاثينية سيّما أن احتكار الحزب الحاكم لمقاعد مجلس النواب وقع تأمينه بطريقة الاقتراع المذكورة آنفا.

ولأن النخبة السياسية في بلادنا عقلانية جدّا ومعتدلة جدّا فقد وجدت في التنقيح المجرى في 29 ديسمبر 1988 على الفصل 39 من المجلة الانتخابية بعض السلوان وسلمت للديكتاتور بن علي التربع في الرئاسة مدة 17 سنة كان من المفترض أن تنتهي في 2004 باعتبار أن الفقرة الأخيرة من الفصل 39 المذكور لا يجيز له تجديد ترشّح إلا مرّتين فقط تنتهي في 2004.

إلا أنّ بن علي وبعد أن فعل طوال "عهده السعيد" ما فعل سارع بمجرّد اقتراب آخر دوراته الى النكوص على أعقابه ونكل- بالتعبير الأخلاقي- عن وعده ليعبث بالدستور مرّة أخرى ملغيا أي تحديد لعدد الدورات ومجريا اثر ذلك تنقيحا في هذا الاتجاه على الفصل 39 من القانون الانتخابي وبذلك أصبح مطلوبا من الطامح لرئاسة الجمهورية في تونس أن يجتاز بنجاح عند ترشّحه عقبة التزكية الثلاثينية كما يتعين عليه عند ممارسته لطموحه تخطّي الضغط السياسي بمفهومه الواسع الذي ستمارسه جميع أجهزة الدولة ودواليب الحزب الحاكم ومصالح الرئاسة ضدّه.

ومن نافل القول في مثل هذا الوضع أن أي تداول على منصب الرئاسة عن طريق المجلة الانتخابية النافذة حاليا يصبح سرابا في سراب بالنسبة لأيّ مواطن تونسي قد تتوفّر فيه الشروط الأخرى إذ لا مجال لهذا التداول إلا إذا كان المترشح سليل الحزب الحاكم ومن فطاحلته.

ولننتبه في هذا السياق إلى ما لجأت إليه السلطة من تمويه في انتخابات 1999 لمّا بلغ منها الشبق بالديكور الديمقراطي حدّا دفعها إلى العبث بالدستور لإلغاء شرط التزكية الثلاثينية ووضع شروط أخرى تمكن أشخاصا بعينهم من رؤساء الأحزاب المنسجمة من الترشح مع الديكتاتور. فهذا التعديل الدستوري هو بمثابة الإقرار بالطابع التعجيزي للتزكية الثلاثينية.

وعلى الرغم من أن المترشّحين مع الديكتاتور في انتخابات 1999 لم يسند لثلاثتهم معا إلا أقل من 3./. من الأصوات فانه وبمناسبة انتخابات أكتوبر 2004 عادت السلطة إلى تنقيح الدستور وعادت بعض قيادات أحزاب الانسجام من جهتها إلى الترشح ...عادت فعادوا والشعب والبلاد في عنق الزجاجة... وبمناسبة الإنتخابات القادمة لأكتوبر 2009 تقدمت سلطة الفساد و الإستبداد خطوة نوعية أخرى فأجرت تعديلا لما أقرته من تعديلات سابقة بهدف ضمان الديكور التعددي للإنتخابات الرئاسية إذ صادق مجلس الدواب يوم 24 جويلية 2009 على تنقيح خرقة الدستور مرة أخرى و ذلك بإدراج أحكام استثنائية للفقرة الثالثة من الفصل 40 منه وكانت الغاية المفضوحة من ذلك التعديل هي تمكين ساكن قرطاج من اختيار " منافسيه " بل تمكينه من اصطفاء من يرضى لتصعيده معه على خشبة هكذا مسرحية مبتذلة .

إن هذه العوائق الخرسانية التي شيّدتها المجلة الانتخابية و الدستور للحيلولة دون التداول السلمي على منصب الرئاسة تشكل خطرا لا محالة على استقرار البلاد ليس فقط لأنها تقطع دابر أيّة إمكانية قانونية للتغيير الديمقراطي عن طريق الانتخابات بل لأن منصب الرئاسة يمثل في النظام السياسي التونسي قطب الرحى. فالرئيس هو من الناحية الدستورية سوبرمان : هو الشمس وكل الآخرين أقمارا حوله تدور.ومن ثمّة فلا إصلاح ولا تغيير الاّ بواسطته توصّلا لاثبات أنه من الضروري لمصلحة البلاد والعباد تيسير آليات التداول على هذا المنصب. الاّ أنّ قانوننا الانتخابي يسبح ضدّ التيّار...!

تمثل الانتخابات في مفهومها الأصولي تقنية Technique لاختبار الهيئة أو الشخص الحائز على رضى أكبر عدد من الناخبين Institution لتولي المناصب القياديّة. و هي بهذا المعنى تشكّل حجر الزاوية في الديمقراطيات التشاركية Démocraties participatives التي عرفتها أوروبا و من بعدها جلّ الأنظمة السياسيّة الأخرى في قارّات العالم.

و لأهميّة هذه التقنية وقع إحاطتها بضمانات و وقع تنظيمها بقواعد آمرة جعلتها ترتقي من مجرّد تقنية إلى مؤسّسة تقوم على مبدأين أساسيين هما العدالة بين الفرقاء و الشفافية في ألإجراء و مقتضى مبدأ العدالة بين الفرقاء له ارتباط وثيق باختيار أنظمة الإقتراع المختلفة، فنظام الإقتراع بالنسبيّة Mode de scrutin proportionnel يكون أكثر عدالة من نظام القائمات de listesو كذلك الشأن بالنسبة إلى طريقة توزيع المقاعد و تقسيم الدّوائر الإنتخابية و التسجيل و شروط الترشح و غيرها من الأدوات التي تؤشر على مدى عدالة هذا النظام أو ذاك.

و مقتضى مبدأ الشفافية يعتبر نقطة الإرتكاز الأساسية لأي انتخابات مهما كانت درجة العدالة التي توفرها إذ بقدر ما يمكن المجادلة في أنظمة الإقتراع في علاقتها مع مبدأ العدالة بين المتنافسين فإنّ تحقيق شفافية الإتنخابات يظلّ المطلب اللاّزم لهذه الأخيرة و الذي يؤدّي أي تساهل فيه إلى فقدان الإنتخابات لجوهرها و لأسباب وجودها أصلا ضرورة أنّ الشفافية مبدؤها و منتهاها هو منع أي تزوير للإقتراع و أي تلاعب في نتائجه يفضي في حالة انعدامها و لو جزئيا إلى إفراغ مؤسسة الانتخابات من محتواها وحرفها عن وظيفتها بما يحوّلها إلى طريقة اغتصاب لإرادة الناخبين لفائدة أحد المتنافسين و إعطائه شرعية لا يملكها أصلا.

و للحيلولة دون ذلك فقد اهتمت الأنظمة القانونية بوضع آليات و تنظيمات متعدّدة و معقّدة كفيلة بضمان نزاهة العملية الإنتخابية وصلت إلى تجريم حتى مجرّد محاولة تزويرها.

و لا جدال أنّ ما سبق يجد تطبيقاته في الأنظمة الديمقراطية. إلا أنّ تقنية الإنتخابات لئن وقع تبنّيها في حدّ ذاتها من قبل الأنظمة الاستبدادية فإنها تعرّّضت إلى تشويهات عظيمة أفقدتها صفتها كمؤسسة قائمة على مبدأي العدالة و الشفافية و حوّلتها هكذا إلى أداة ممتازة لتعزيز الإستبداد و تقوية شوكته و ضمان استمراره مثلما تثبته شواهد عديدة في تونس ليس أقلها المجلة الانتخابية النافذة حاليّا و التي تنطق فصولها بإهدار العدالة الإنتخابية جملة و تفصيلا سواءا من جهة نظام الإقتراع بالقائمات الذي يضمن بالقانون احتكار الطغمة الحاكمة و أتباعها للمناصب أو من جهة القوانين الجائزة الأخرى الضامنة لإقصاء بقية الأطراف من المشاركة الفعلية في الحياة السياسية المنعدمة أصلا.

بل أن المجلة الإتنخابية التونسية و على الرغم من عمليّات التنقيح التي أجريت عليها إلى اليوم تظلّ في جميع مفرداتها حريصة ليس إطلاقا على شفافية و نزاهة العملية الإتنخابية بل على العكس من ذلك فإن هاجسها الأساسي الذي تفضحه فصولها هو الإحتياط لترك أوسع مجال لأيادي السلطة لكي تجول و تصول في نتائج الإنتخابات حسب مشيئتها دون رقيب أو حسيب جدّي ذلك أنّه بمراجعة فصولها المائة و الخمسة و الستون نجد أن قاسمها المشترك الأكبر هو إعطاء وزارة الدّاخلية جميع الصلاحيات للتّحكم في العملية الانتخابية و السيطرة عليها من أولها ( التسجيل في القائمات ) إلى آخرها ( الإعلان عن النتائج) مرورا بالحملة الانتخابية و توزيع المكاتب و تعيين أعضائها و فرز الأصوات في مختلف المستويات.

و إنّ المفارقة في هذا السياق تكمن في أنّ سطوة وزارة الدّاخلية لا تقابلها أيّة آلية ذات جدوى أو أية أداة مراقبة ذات مصداقية بحيث أصبحت الوزارة بمقدورها أن تضبط مسبقا حسب مشيئتها نتائج الانتخابات ثم تقوم يوم الاقتراع بالإعلان عن التسعينات المحققة زورا في جميع مفاصل العملية الانتخابية و التبجّح بهذا الرقم سواءا في عدد المقترعين أو في عدد الأصوات المتحصّل عليها بما من شأنه حجب أية انعكاس و إعدام أي أثر للمشاركين أو للمقاطعين على حد سواء , و هذا الواقع مشهود به حتى ممن سبق له أن أشرف على تزوير جميع الانتخابات السابقة أولئك الذين ينعمون اليوم بعدم المحاسبة الجزائية نظرا لخلوّ القانون التونسي من تجريم تزوير الانتخابات.

و كما هو الشأن بالنسبة للانتخابات السابقة التي عرفتها البلاد فإن انتخابات أكتوبر 2009 سيكون لا محالة مصيرها كسابقاتها إذ أنها لن تكشف حتى على حجم المقاطعين لها فضلا عن الكشف عن عدد المقترعين أو عن عدد الأصوات المتحصّل عليها حقيقة بما يجعلها في كنهها عملية غش كبرى يقع تسويقها تحت ياقظة الديمقراطية و الشّرعية.

و لقد دأبت المعارضة الوطنية و خاصة منذ سنة 1981 على المطالبة بتغيير القانون الانتخابي خصوصا في فصوله المتعلقة بتحقيق العدالة و المساواة مما جعل النظام يبتدع جرعات النسبية المغشوشة التي هي أشبه شيء بالإرشاء السياسي. إلاّ أنّ مسألة ضمان نزاهة الانتخابات و شفافيتها فهي إلى اليوم لم تحظ بما تستحقه من اهتمام إذ ظلّت مطلبا هامشيا كثيرا ما طغت عليه مطالب أخرى و الحال أنها تمثّل قطب الرّحى و العامل الحاسم في المؤسّسة الانتخابية بما كان يفترض معه أن يسبق هذا المطلب ماعداه من المطالب لارتباطه الكامل مع أساس و جوهر وغاية الإنتخاب فضلا عن أنه يتضمن و يستوعب جزءا كبيرا من مطلب توفير العدالة بين الفرقاء على النحو الذي ذكرناه .

و ليس أدلّ على عدم تمثّل أطراف المعارضة لمحورية هذه المسألة اقتصار بعضها مؤخّرا على المطالبة بالمراقبة الدّولية للانتخابات حال أنّ هذه المراقبة حتى و لو تمت فإنها لن تكون فاعلة بالقدر الكافي المانع للتلاعب الانتخابي الذي هو عبــارة عن حلقات مترابطة فيما بينها تبدأ من التسجيل في القائمات الانتخابية ( الذي يضبط عدد الناخبين) ثم يليها ضبط مكاتب الاقتراع و تعيين أعضائها ثم تنظيم الحملة الانتخابية وصولا إلى يوم الاقتراع حيث يقع ضمان حرية و سرية الاقتراع ليأتي بعد ذلك الفرز المشتمل على إحصاء عدد المقترعين و عدد الناخبين لــضبط عدد المقاطعين و من ثمة طرح الأوراق الملغاة و توزيع عدد الأصوات بين المتنافسين كما وردت.

و إذا كانت الصلاحيات المسندة بالقانون الانتخابي إلى وزارة الدّاخلية تمكّن هذه الأخيرة كما أسلفنا من سهولة تزوير الانتخابات , و إذا كانت آليات المراقبة الموضوعة غير ذات فعالية , و إذا كانت المراقبة الدولية لو تمّت فهي تظلّ قاصرة عن ضمان منع التزوير في انتخابات أكتوبر 2009 فإن هذه الأخيرة قد حكم عليها بعد الرأي العام الشعبي بالعزوف لأنها ستكون نسخة مطابقة لنظيراتها كما أن نتائجها معلومة مسبقا و لن ينال من كلّ ذلك ما تعوّدت عليه المعارضة المشاركة في الانتخابات من المطالبة بتوفير الحرّيات و ضمان عدالة الانتخابات و غيرها من الشعارات التي لئن كانت مشروعة إلى أقصى الحدود فإنها تظلّ هلامية و غير محدّدة إجرائيا في الظرف الراهن كما لن ينال منها ما تلهج به المعارضة الدّاعية لمقاطعة الانتخابات من تركيز بحق على عدم شرعية الطغمة الحاكمة.

إنّ المطلوب اليوم في مواجهة انتخابات أكتوبر 2009 هو إيجاد نقطة ارتكاز مفصلية جامعة لكلّ أطياف المعارضة الدّيمقراطية سواءا تلك المزمعة على المشاركة أو تلك الدّاعية إلى المقاطعة بما يتيح لها مجالا واسعا للتقدّم جماعيا في نضالها من أجل تعطيل آليات الاستبداد و خوض معركة حقيقية في الدّاخل و الخارج لكشف زيف الانتخابات القادمة و بطلان تبعاتها.

صحيح أن النّضال من أجل العدالة بين الفرقاء بما يستلزمه من إطلاق حرّية التجمّع و التعبير و الترشّح هو أمر أساسي لا بد من مواصلته إلا أنه على المعارضة الوطنية اليوم و أكثر من أي وقت مضى التقدّم بنضالها خطوة نوعيّة عبر التركيز على شعار شفافية الانتخابات و ضمان عدم تزويرها . و هو أمر يلقى صداه لــدى الرّأي العام لوجود مفارقة كبيرة بين فصول المجلة الانتخابية التي تضمن و تحضن التزوير من جهة و المعايير الدّولية للانتخابات و كذلك للطبيعة الأصولية للمؤسّسة الانتخابية من جهة أخرى.

و إن شفافية الانتخابات و ضمان عدم تزويرها يجب إخراجه من نطاق الشعار المجرّد إلى تجسيده في آلية عملية ممكنة و مقبولة ومجرّبة في آن واحد و لكنها ستكون محرجة أشدّ الحرج لأساطين الاستبداد في تونس الذين لن يجدوا بسهولة الذرائع لدفعها كما فعلوا بالنسبة لمطلب المراقبة الدّولية.

إنّ هذه الآلية تتجسد في تجميع أوسع القوى حول حملة متصلة للمطالبة بــ "هيئة وطنية مستقلة للانتخابات" تسند لها الصلاحيات القانونية و التنظيمية و التمويل اللازم للسهر على شفافية انتخابات أكتوبر 2009 في جميع تمفصلاتها.

و تكون هذه الهيئة سلطة إدارية مستقلة تتمتّع بالشخصية القانونية و الاستقلال المالي و تتألف من عدد من الأعضاء يقع اختيارهم بالتشاور من بين الشخصيات المستقلة المعروفة بالكفاءة و النزاهة الفكرية و الحياد و التجرّد و تختصّ بالمراقبة و الإشراف و المتابعة للعمليات الانتخابية التالية بالخصوص .

- إعداد و مراقبة القائمات الانتخابية.
- طباعة و توزيع بطاقات الناخب.
- تسجيل مختلف الترشّحات و منح وصولات استلامها.
- توفير الأدوات اللوجستية و توزيع المعدّات و تعيين أعضاء مكاتب التصويت.
- إحصاء و فرز الأصوات في مكاتب الاقتراع.
- نقل نتائج ومحاضر عمليات الاقتراع على حالها إلى الأماكن المخصصة لمركزتها.
- إعلان النتائج و نشرها.

و بقطع النظر عن الحصاد الانتخابي فإن هذه الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات هي مطلب شرعي مستمدّ من جور المجلة الانتخابية النافذة و هي الآلية الانتقالية التي ترفع أيادي وزارة الدّاخلية و تحفّز المواطن على التسجيل في القائمات و المشاركة النشيطة في الانتخابات بالتصويت أو بالمقاطعة بما يعيد للمؤسسة الانتخابية قيمتها و دورها.و بدون قيام هذه الهيئة فإنّ الانتخابات مهما كانت الأصباغ و الحيل ستكون مجرّد مسرحية من إخراج الطغمة المستبدّة.

و لا يــخفى على أحد أنّ هذا المطلب سيكون مصدر إرباك حقيقي للسلطة في الداخل و الخارج خاصّة إذا ما التفت حوله و ناضلت من أجله في الثلاثة أشهر المقبلة كافة أطياف المعارضة سواءا من يعتزم المشاركة منها أو المقاطعة كما أنّ رفض سلطة الاستبداد المتوقع للتفاعل مع هذا المطلب سيؤشّر على مرحلة كفاح جديدة في المستــقبل المنظور في هذا المجــال المخصوص على الأقل .

--------------------------------------
*
أستاذ جامعي ومحامي
نائب رئيس الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين
قيادي بحزب " المؤتمر من أجل الجمهورية "


ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement