|
مستقبل الاماكن المقدسة في القدس المحتلة |
|
|
|
الجمعة 18/ 09/ 2009م
الموافق 28 رمضان 1430هق
بقلم : خليل التفكجي
بدأت الاعتدادات الإسرائيلية على الحرم القدسي مع بداية احتلال مدينة القدس عام 1967 ، بهدم حارة المغاربة بزواياها ومبانيها ومساجدها ، خاصة المباني الملاصقة للسورالمغربي للحرم. إضافة إلى ذلك تم تحطيم الباب الرئيسي للمسجد الأقصى والأقواس والنوافذ الجصية فوق مداخل الأقصى في أثناء الحرب، ثم أجريت حفريات ما زالت مستمرة حتى اليوم، ولا سيما في المنطقتين الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية.
وأثرت هذه الحفريات في المباني فارتجت أساساتها وتصدع بنيانها وأصبحت آيلة للسقوط كما حدث في "المدرسة الجوهرية" و" رباط الكرد" والمدرسة التنكزية" وغيرها من الأبنية التاريخية والأثرية العائدة إلى الفترات الأموية والعباسية والمملوكية. والجدير بالملاحظة أن تلك الأبنية تعتبر من أهم المعالم الحضا رية لمدينة القدس التي تبرز الوجه الإسلامي لها. وعلى مدى اثنين وأربعين عامأ من الاحتلال، جهدت السلطات الإسرائيلية لتغيير طابع المدينة واضفاء وجه آخر لها ، وفرض واقع جديد وملامح غير إسلامية.
لكن لماذا قررالإسرائيليون الحفر حول المسجد الأقصى ؟ يعود ذلك إلى الاعتقاد التقليدي بوجود هيكل سليمان في تلك المنطقة. هكذا كان هدف الحفريات في محاولة الوصول إلى أي أثار تاريخية يهودية في القدس والعثور بشكل خاص على موقع الهيكل المزعوم، اعتماداً على اعتقاد شائع بين اليهود أن الموقع هو في منطقة الحرم القدسي. جاء تمويل الحفريات من قبل بلدية القدس ووزارة المالية والإسكان والثقافة والتعليم وسلطة تطوير البلدة القديمة تحقيقاً لهذا الهدف.
الموقف الاسرائيلي:
أما السفيرجدعون رفاثيل فقد أصر على إقامة سلطة دينية دولية تتألف من شخصيات لها اعتبار دولي ما بين اليهود والنصارى والمسلمين. ومن جانبه، اقترح رئيس الوزراء الأسبق، إيهود باراك ( 1999- 2001) ، أن تكون السيادة على المسجد الأقصى لمجلس الأمن الدولي. وفي الوقت ذاته، تسابق اليهود على الدعوة إلى إقامة كنيس داخل الحرم القدسي وتحويل "المدرسة العمرية" المحاذية للسور الشمالي إلى كنيس لإقامة الشعائر اليهودية.
وكانت هناك خطة حاييم وامون وهو من حزب "كاديما" الحاكم، أنذاك، وتنص على وضع الأحياء اليهودية في القدس تحت السيادة الإسرائيلية والأحياء العربية تحت السيادة الفلسطينية، أما المواقع الإسلامية المقدسة فستؤول لسيادة خاصة ومواقع مقدسة أخرى ستظل تحت السيادة الإسرائيلية إلى الأبد. وفي القدس فإن ما هو عربي سيكون فلسطينيا، وما هو يهودي سيكون إسرائيليا من أجل ضمان محافظة مدينة القدس على أغلبية حاسمة يهودية سكانية، وهذا يتلاءم مع ما أخذ في الاعتبار عند تشكيل "كاديما". كما طرح "معهد القدس لأبحاث إسرائيل" مشروعه الخاص في البلدة القديمة باعتبارها "منطقة محايدة أومركزا إنسانيا شاملا". وهذا الحل يقضي بتقسيم الصلاحيات حسب الأحياء أومنح طرف دولى صلاحية الإشراف على الأماكن المقدسة وربما الحفاظ عليها، وتكون السيادة مشتركة بين إسرائيل والفلسطينيين وربما جهات أخرى أيضا بحيث تعطى كل خدمة وصلاحية بشكل متوازمن قبل كل طرف.
ماذا قالت أميركا؟
بعد صدور قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية ومنها القدس، وحسب قراري الأمم المتحدة 338 و 242 فقد اعتبرت القدس أراضي محتلة . وتطور موقف واشنطن منذ عام 1967 حتى اليوم تبعأ لتغير الإدارة الأميركية وطبيعة العلاقات التي أقامتها مع الحكومة الإسرائيلية.
وشكلت التسريعات التي أطلقتها الإدارة الأميركية عام1994 خلال ولاية الرئيس الأسبق، رونالد ريغان ، ممثلة بسفيرتها في الأمم المتحدة (ووزيرة الخارجية لاحقا ) ، مادلين أولبرايت، التي اقترحت فيها تدويل القدس وتحقيق مبدأ السيادة الإلهية على مقدسات المدينة ومنها المسجد الأقصى، تطوراً كبيراً في هذا السياق. وتبع هذا التطور تطور آخر شهدته وقائع " قمة الألفية " التي عقدت في نيويورك في سبتمبر/أيلول عام 2000 ، تمثل في استخدام الولايات المتحدة الصيغة اليهودية للحرم القدسي عندما أطلقت أولبرايت على المسجد الأقصى تسمية"جبل الهيكل" واعتبرهذا الاستخدام دليلأ على النوايا الأميركية تجاه الحل السياسي للأماكن المقدسة، ما حمل يومها الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، على الانسحاب من الجلسة.وفي دعم آخر للسياسة الإسرائيلية تجاه الأماكن المقدسة في المناسبة ذاتها، طمأنت أولبرايت رئيس الوزراء الإسرائيلي، يومها، إيهود باراك بأنه لن تكون هناك سيادة فلسطينية على المسجد الأقصى رافضة الاعتراف بأن القدس هي منطقة فلسطينية محتلة.
رأي الأردن وفلسطين:
حاول الجانب الفلسطيني باجتهادات من مفاوضيه أن يضع بعض الحلول لقضية الأماكن المقدسة ومدينة القدس، كما أن الأردن و"جامعة الدول العربية" و"منظمة المؤتمر الإسلامي " والمؤتمرات العربية طرحت حلولا كان أهمها مشروج عدنان أبوعودة، المستشار السابق، للعاهل الأردني، الذي كتب في مجلة " فورين أفيرز" عام 1992 ، معربا عن رأيه أن القدس داخل الأسرار لا تنتمي إلى أي دولة أو دين ولن تكون عليها سيادة سياسية ويطلق عليها اسم (Jerusalem) ويديرها مجلس يمثل السلطات الدينية العليا الإسلامية والمسيحية واليهودية.
إن التعاطي مع الوقائع الميدانية التي أوجدتها سياسات إسرائيل لجهة المصادرة والتوطين وفرض الحقائق على الأرض، علاوة على القانون الأساس الذي سنه الكنيسة بجعل "مدينة القدس العاصمة الأبدية لإسرائيل" ، أدت كلها إلى تغيير مواقف بعض الأوساط الفلسطينية والعربية. وبدأ هذا التبدل بالإقرار بإمكان أن تكون القدس الغربية عاصمة "للدولة العبرية" والشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية شريطة ضمان حرية الوصول إلى أماكن العبادة الإسلامية والمسيحية. بل إن الرئيس الراحل عرفات تحدث في أثناء توقيع اتفاقية أوسلو" ب " عن القدس بوصفها "المركز الاقتصادي والروحي والديني للشعب الفلسطيني " من دون أن يذكر أنها ستكون العاصمة الفسطينية. وفي خطوة متقدمة من الجانب الفلسطيني طرحت الوثيقة المعروفة بوثيقة " يوسي بيلين أبو مازن" عام 1995 ، اللذ ين اقترحا إمكانية اتخاذ أبو ديس عاصمة للفلسطينيين مع تشكيل "بلدية سقف" في القدس وبلديتين فلسطينية واسرائيلية، الأمر الذي يستبقي السيادة الإسرائيلية عليها ويرضي الطرف الفلسطيني.
وبدوره أثار اقتراح نقل منطقة الحرم الشريف إلى سيادة إسلامية جدلا. ففضلا عن غياب تعريف قانوني له، يلغي مصطلح سيادة دينية رؤية الرئيس عرفات الذي تمسك دائماً بشعار أن "دولة فلسطينية بغير القدس عاصمة لها وعلم فلسطين على الحرم الشريف، ليست دولة". ولئن كان مرناً نسبياً في كل ما يتصل بمكانة القدس الدينية، فإن الزعيم الراحل ظل حادا جدا بخصوص المسائل المتعلقة بالسيطرة والسيادة. خلاصة القول إن وضع القدس أصبح يؤرق الجانب الإسرائيلي بهاجسه الديموغرافي قبل هاجسه الديني الذي ينطلق من اعتبار القدس عاصمة إسرائيل الأبدية، ذلك أن سياسة القمع والحصار والهدم والترحيل الصامت الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين خلال اثنين وأربعين عاما لم تؤت ثمارها. فبعد أن كانت القدس من المحرمات، فإن مختلف الدراسات تشير إلى أنها ستتمتع بأغلبية فلسطينية في عام 2040 ما يعني أن رئيس البلدية سيكون عربيا وأن القدس ستصبح ثنائية القومية.
وهذا يقسر الخطوات العملية التي تلجأ إليها تل أبيب للتخلص من السكان، إذ بدا الهاجس الديموغرافي سببا رئيسيا في طرح موضوع تقسيم القدس وايجاد حلول لها ، وهوالأمر الذي اتفقت عليه جميع الأحزاب الإسرائيلية، فيما تراجع العنصر الديني خلافا لما يدعي الإسرائيليون.
عد الاحتلال مباشرة طرحت مشروعات حلول كلها تصب في المصلحة الإسرائيلية. فقد قدم أستاذ القانون البارزفي إسرائيل، بنيامين أكتين، مشروع تسوية شبه دولية للأماكن المقدسة في البلدة القديمة، ثم طرحت الحكومة الإسرائيلية مشروعأ يقضي بأن تبقى السيادة على المدينة بيد "دولة إسرائيل"، ومنح بعض الأماكن حصانة دبلوماسية لا تمس بالسيادة على المكان. وفي عام 1982 أعلن القاضي حاييم كوهيم مشروعه الذي ينص على تشكيل مجلس للأماكن المقدسة يضم ممثلين عن الطوائف الدينية جميعها.وبشكل عام تمحورت الاقتراحات جميعها الخاصة بالمسجد الأقصى حول سيادة منقوصة ماطلت فيها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وصولا إلى مرحلة متقدمة تتحدث عن تقسيم ساحات المسجد الأقصى ليكون ما تحت المسجد لليهود وما فوقه للمسلمين. وجاء الدعم من الأحزاب اليسارية الإسرائيلية عندما صرح يرسي بلين، الذي أسهم في إعداد وثيقة مبادرة جنيف في عام 2003 . بأن الإسرائيليين لم يتخلوا في المبادرة عن حقهم في إقامة هيكل سليمان اليهودي مكان المسجد الأقصى. وفي خطوة لافتة للنظر حمل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، آرييل شارون، خلال زيارته إلى الولايات المتحدة عام 2005، ولقائه الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، مشروعا بتقسيم المسجد الأقصى. وانتقلت السلطات الإسرائيلية إلى مرحلة جديدة، فبعد أن كان يحظر على اليهود دخول ساحات المسجد الأقصى، أخذت تنتهج سياسة الخطوة خطوة وهي مرحلة تعتبر من أخطر ما تتعرض له المقدسات الإسلامية والمسيحية بعد خطر الهدم والعزل والاستيلاء على المنازل واقامة الكنيس على مقربة من المسجد الأقصى. ويذكر أن هذه الخطوات استخدمت في حينه تجاه الحرم الإبراهيمي في الخليل، وأسفرت عن تقسيم المسجد في نهاية المطاف. وتؤيد هذه الرؤية أطراف وأحزاب يمينية إسرائيلية وشخصيات، منها عتنائيل شنلر عضو "كاديما"، الذي نقلت عنه صحيفة "هآريتس" في مارس/آذ ار الماضي تأكيده أن حزبه يفصل، الآن، بين المدينة التاريخية ( القدس القديمة والأحياء التي تجاورها ) والأحياء العربية الكثيرة البعيدة عن النواة التراثية التي لم تكن قط جزءا من القدس ( البلدة القديمة، جبل المشارف، جبل الزيتون، مدينة داود، والشيخ جراح، ستبقى في أيدينا ، لكن القرى والأحياء المحيطة ليست جزءا من القدس التاريخية) . وتبعه أفيغدور ليبرمان، وزير الخارجية الحالي، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، فقال إنه لا يوجد أي سبب لأن يبقى جبل المكبر، وشعناط، والعيزرية، والرام والأحياء الأخرى جزءا من "دولة إسرائيل"، كما أوردت صحيفة "معاريف " 12/12/2005 . وحسب مصادر مقربة منه، يبدي ليبرمان استعداده للتنازل أيضا عن سلوان أسفل مدينة داود، وعين سلوان، وصور باهر، وبيت حنينا ، وعناتا ، لكنه لا ينوي التخلي عن البلدة القديمة. وكان قد أعلن في جلسة الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 7 /10 / 2007 أنه يؤيد إعادة بعض ضواحى القدس إلى السيطرة الفلسطينية الأمر الذي وافقه عليه الوزير جدعون عزرا أيضا. كما تسرب جزء من الاتفاق الفلسطيني-الإسرائيلي الذي عقد بين محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، إيهود أولمرت، بأن تتواصل الرعاية الأردنية للأماكن المقدسة في القدس ولكل من يقطن داخل أسوارالبلدة القديمة. يقضي هذا التوجه بأن يبقى الحوض المقدس والبلدة القديمة تحت الرعاية الأردنية وأن يعطى سكانها أرقاما وطنية أردنية وتشكل لجنة إشراف عليا على القدس تضم الأردن ومصر والجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إضافة إلى الأمم المتحدة. ولا تزال مسألة الحي الأرمني مشكلة كبيرة تنتظرالحل. وفي خطوة مفاجئة تقدم خمسة من كبار المسؤولين السابقين في وزارتي الدفاع والخارجية الإسرائيليتين عام 2007 باقتراح ينص على تقسيم القدس كعاصمة إلى دولتين مقابل التنازل عن حق العودة.أما " معاهدة وادي عربة " التي أبرمها الأردن مع إسرائيل عام 1994 ، فقد نصت على تثبيت الوضع القائم بأن يبقى الأردن من خلال داثرة الأوقاف الإسلامية مشرفا وراعيا للأماكن الإسلامية المقدسة، على أن تأخذ إسرائيل في الاعتبار الدور الأردني التاريخي على الأماكن المقدسة عند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي. وأشار إلى ذلك الملك الراحل حسين بن طلال في الخطاب الذي ألقاه أمام الكونغرس الأميركي في 26 / 7 / 1994 ، إذ قال فيه " إن معتقداتي الدينية توجب أن تكون السيادة على الأماكن المقدسة في مدينة القدس بيد المولى تعالى وبحوزته فقط. إن من الواجب تعزيز الحوار بين الأديان ومن الواجب أيضا منح سيادة دينية للمؤمنين من الأديان الثلاثة بما ينسجم مع دياناتهم، وبهذا الشكل فإن القدس ستصبح رمزا للسلام بالنسبة إلى الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء ، عندما يتحدد وضعها في مفاوضات الوضع النهائي حول المدينة". وفي تطور آخر حول مستقبل القدس صرح نبيل أبوردينة، الناطق باسم رئيس السلطة الفلسطينية " بأنه إذ ا كان هناك قرار إسرائيلي بالتوجه إلى اتفاق سلام وقام في إسرائيل زعيم إسرائيلي يكون مستعدا لحلول وسط حقيقية، فسيكون ممكنا التوصل إلى سلام شامل في غضون ثلاثة أشهر حتى ستة أشهر فقط، والسلطة مستعدة للتنازل عن سيادة فلسطينية في الحرم، لكن مقابل سيادة إسلامية" فقط. ويلقى هذا الحل قبولا من كل الدول الإسلامية المؤيدة لفكرة التوصل إلى حل تاريخي مع إسرائيل ولاتفاق السلام. وحسب الاقتراح فإن الحائط الغربي (حائط البراق) وحارة اليهود سيكونان تحت سيادة إسرائيلية، بينما تخضع حارة المسلمين والنصارى والأرمن إلى السيادة الفلسطينية وفق مطلب السلطة. إلا أن بوادر الخلاف تلوح في الأفق بشأن موضوع الحائط الغربي، إذ تطالب السلطة الفلسطينية بأن تكون السيادة الإسرائيلية على مقطع الحائط المكشوف فقط، وليس على الحائط الغربي الذي يتواصل عمليا حتى طريق الآلام في شمال البلدبة القديمة.
|