مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط

مقالات منتخبة
الاصلاحات في السعودية
ابعث رسالة (0 رسالة)
أمريكا وربيع الشعوب العربية
ابعث رسالة (0 رسالة)
سيناريوهات ما بعد رحيل صالح
ابعث رسالة (0 رسالة)
أمريكا ومفهوم القوة الناعمة
ابعث رسالة (2 رسالة)
تنافس أمريكي فرنسي
ابعث رسالة (0 رسالة)
top_logo
top_logo

 

 

top_logo





الصفحة الرئيسة > المقالات والدراسات > المقالات والدراسات > التحولات في السياسة التركية الشرق أوسطية؟
التحولات في السياسة التركية الشرق أوسطية؟ نسخة للطابعة ارسال الی صديق
                                                        السبت 05/09/2009م الموافق 15رمضان 1430هق 
 
 
بقلم : نصر فتفت

ساهمت المتغيرات الاقليمية والدولية في بروز اقطاب دولية جديدة على الساحة السياسية والعسكرية والأمنية، كانت نتاج الأزمة العراقية وتاثيراتها وتفاعلاتها في محيطها العربي والدولي، واخفاق ادارة بوش السابقة في ضبط الوضع الأمني في العراق، وكذلك فشلها في اقناع العالم بالخطوة التي اتخذتها في فرض الديموقراطية المشوهة، والتي اوصلت العراق الى الحالة المزرية، التي نشهدها اليوم في هذا البلد العربي، الذي يتربع على أحد أكبر احتياكي نفطي في العالم.

ولعل تركيا وايران البلدين المجاورين للعراق، قد نفضا غبار الزمن وسعيا في الوقت نفسه للبحث عن مصالحهما، ولعب دور اكثر فعالية وتأثيراً في المنطقة العربية المتقطعة الأوصال، وفق رؤية مستقبلية مبنية على اسس تاريخية، نظرا للارتباط الوثيق بين هاتين الدولتين، والمنطقة العربية الاسلامية، من هنا بتنا نشهد صعود قطب دولي لمع نجمه في السنوات الأخيرة، من خلال التبدل الكبير في الداخل والدور المهم والريادي مع الخارج.

فكان هذا البلد هو تركيا الذي تربطنا به علاقة وطيدة، وتاريخ مشترك طويل، امتد لمئات السنين، وقد ظل العرب قرونا في ظل السلطنة العثمانية وهم ينتمون الى دولة كبرى، كان الغرب يخشاها ويحسب لها الف حساب طيلة 500 سنة، ولكن من المؤسف ان يحصل بين العرب وتركيا هذا الشقاق، الذي تسبب فيه الأوروبيون، والذي كان لهم دور كبير في استدراجنا لمحاربة الدولة العثمانية وخداعنا وتضليلنا بشعارات محرضة، بغية مساعدتنا كما كانوا يدعون في تحقيق دولة عربية مستقلة.

ففي الوقت الذي احتضن فيه الأوروبيون، قيام "دولة اسرائيل"، فكانت النتيجة تقسيمنا الى دويلات مجتزأة ضعيفة وهشة، وكان نتيجتها ايضا ان ساءت العلاقات بيننا وبين الأتراك، الذين بدورهم واجهوا مطبات عديدة وانقلابات، رسمت سياسة تركيا على مدى مئة عام ونيف، حتى بروز حزب العدالة والتنمية ذات التوجه الاسلامي، وفوزه بالأغلبية النيابية عام 2003، حيث ساهم في تغيير البوصلة التركية التي كانت تدير ظهرها للعرب ووجهها للغرب، التي تطمح للانخراط في صفوفه ولم تفلح رغم محاولاتها العديدة، ورغم ردائها العلماني الذي كان حتى العام 2003 يتمتع بباع طويل في الهيمنة على السلطة، مستقوياً بالمؤسسة العسكرية ورجال الأعمال والقضاة والأغنياء.

كانت العلاقة مع الأتراك شبه مقطوعة فترة طويلة من الزمن، الى ان تمكن حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الاسلامي من الفوز بالأغلبية البرلمانية، فأحدث هذا التغيير تحولاً جذرياً في موازين القوى في تركيا، اتى الى السلطة بمجموعة سياسية مستنيرة ومتجانسة وذات جزور شعبية عميقة ودم جديد، اخذت السياسة التركية الجديدة تنفتح على العالم العربي، وتعمل لاعادة الروابط التاريخية مع المحيط العربي، سقطت على اثرها حواجز كثيرة بين العرب والأتراك، وأخذت الدبلوماسية التركية تنحو منحى ايجابيا باتجاه التعاطي مع مشاكل المنطقة، حيث بدأت اول خطوة على طريق الاهتمام بالشأن الاقليمي، عندما نجحت في وضع اتفاقية لتقاسم المياه مع سوريا والعراق، وهذا قد يعطي لأنقرة مزيداً من النفوذ السياسي الاقليمي في معالجة ملفات العراق وفلسطين، وربما ابعد من ذلك في الاطار الاقليمي الشرق أوسطي.

بل تخطى دور تركيا الاطار الاقليمي الى الاطار الدولي، من خلال جملة من القضايا التي ساهمت في انجاحها، وقد برز ذلك من خلال ادارتها للقمم والمحادثات والوساطات، والتي تجسدت في الجهود الدبلوماسية الجبارة، التي تقوم بها تركيا، والتي ساهمت بدورها في تخفيف التوترات في المنطقة، وعلى سبيل المثال القضية العراقية، والسعي الى حل العقد الفلسطيمية ـ الفلسطينية، الى جانب قيامها بالمهمة المستحيلة في الوساطة بين اسرائيل وسوريا من خلال استضافة الفريقين في اسطنبول على مدى اربع جولات متتالية.

وقد برز الحضور السياسي التركي في الشرق الأوسط، اثناء عدوان اسرائيل على قطاع غزة، وفي الاطار الاقليمي الشرق أوسطي، نلاحظ ان مفاوضات نيويورك وبمشاركة الاتحاد الأوروبي وتركيا واليونان، اخذت تتجه نحو حل مقبول للأزمة القبرصية التي بدأت منذ العام 1974، حيث ساهمت في تحسين العلاقة التركية ـ اليونانية كما تمكنت من تجاوز مرحلة الانقسام القومي والجيوسياسي، هذا بالاضافة الى ايجاد مناخ جديد في منطقة القوقاز المجاورة.

و بعد الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس تركيا عبد الله غول الى ارمينيا، من اجل طي صفحة تاريخية سوداء في سجل تركيا، هذه المواقف جميعها وغيرها سوف تعطي لتركيا مكانة اضافية في الشرق الأوسط، وعلى خط آخر نلاحظ ان الحزب الحاكم في تركيا، يعمل على تطوير العلاقات التركية مع دول مجلس التعاون في الخليج، ويساهم في تحقيق الاستقرار الداخلي اللبناني، بالاضافة الى وضع تصور استراتيجي للعلاقات الايرانية ـ التركية والمبني على مجموعة من الاتفاقات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، انطلاقا من العمل المشترك في مجموعة دول الجوار الاقليمي للعراق.

وعلى خط آخر نجد ان ثقة واشنطن بأنقرة تتزايد من خلال الصورة التي قدمتها عبر الأدوار التي قامت وتقوم بها، وخصوصاً فيما يتعلق بالقضية العراقية، الامر الذي حملها على توقيع اتفاق بين واشنطن وأنقرة ومنطقة كردستان العراقي، وموافقة العراق بنص هذا الاتفاق على انشاء مركز امني استخباراتي مشترك، مهمته التصدي لأعمال المتمردين الأكراد في اربيل، وبشكل خاص حزب العمال الكردستاني، واليوم فان تركيا هي عضو في حلف الأطلسي وتحاول الانضمام الى الاتحاد الأوروبي، وكذلك هي عضو في حلف الناتو، كل ذلك يعطي لتركيا مكانة دولية هامة، تجعل منها بلداً محورياً ووسيطا لحل القضايا الدولية.

تركيا من المنظور العربي

كان العرب ينظرون الى تركيا على انها عضو في حلف الأطلسي، وأنها تحوي قاعدة اميركية متقدمة في الشرق الأوسط، فما هي التحولات والظروف التي جعلت دولة مهمة مثل تركيا، تتخذ من نفسها دولة محورية، وتلعب دوراً مهما في الشرق الأوسط، بعد ان كان شغلها الشاغل الانضمام الى الاتحاد الأوروبي؟، سؤال فرض نفسه ويبحث عن اجابة، في الواقع ان الموقف التركي الجديد والمؤيد للعرب، بل المؤيد للموقف الاسلامي عموما هو نتيجة الظروف التي نجمت عن حرب العراق في العام 2003، وبعد ان فقدت الولايات المتحدة برئاسة جورج بوش، الأرضية الأخلاقية لسياستها العالمية، وجد كثير من حلفائها وفي مقدمتهم تركيا، مجالاً ولا سيما في الشرق الأوسط، للعمل بشكل منفرد ان لم يكن بشكل مستقل تماما عن واشنطن.

اضف الى ذلك وجود عدة عوامل هيأت الأرضية الملائمة للنشاط السياسي والدبلوماسي التركي الجديد في المنطقة، ولم يكن بروز الدور الايراني فقط هو ما استفزها كما كان يعتقد الكثيرون، بل ان تركيا ادركت التحديات الاقليمية والدولية، الامر الذي دفعها الى توسيع اهتمامتها الاقليمية، وتحولها من مجرد دولة ملحقة بحلف الناتو، الى دولة محورية في النظام العالمي، تسعى الى الاستقرار توصلا الى الحفاظ على مصالحها الوطنية، وهو ما جعلها لاعبا سياسيا واساسيا في سياسات الشرق الأوسط، ولعل من أهم العوامل التي ساعدت تركيا هو عجز اوروبا عن حمل الارث الروسي الشرق اوسطي للاتحاد الأوروبي، ساعد تركيا في تثبيت سياستها النشطة التي هي على تناقش صارخ مع العزلة التركية التقليدية السابقة، ولكن هل ستتأثر تركيا بالسياسة الاميركية الجديدة بقيادة أوباما.

بين تركيا وإيران

في البداية كنا نظن أن الدور التركي في المنطقة سيضع حداً لدور إيران في الشرق الأوسط، وفي المنطقة العربية تحديداً، من منطلق مذهبي، وأنه يمكن الإفادة من دور تركيا في تعزيز قدرات محور الاعتدال العربي، في مقابل محور الممانعة، ولكنه بدا وهماً يضاف الى أوهام سابقة، فالدولة التركية تتصرف كدولة لها مصالح وأهداف إستراتيجية، وكذلك تفعل الدولة الإيرانية، ولكن ما يبرر لتركيا قيامها بهذا الدور أن العلاقة مع سوريا وإيران، وكلاهما جارتان لتركيا، الأمر الذي يحتم على تركيا قيام علاقات صحيحة وقريبة من الطرفين الجارين، كركيزة أساسية لسياستها الشرق أوسطية، وبغض النظر عن كون تركيا دولة علمانية، وذات توجه غربي، فإنها تبقى ذات أكثرية سنية، وهي مدركة لحقيقة هويتها، مع العلم بأن سعيها للحفاظ على علاقات سلسلة مع كل من إيران وسوريا وخصوصاً يجعلها في مسار مختلف عن مراكز القوى السنية الاخرى في المنطقة، وإنطلاقاً من تصميمها على البقاء خارج أي حلف لأي مجموعة من دول الشرق الأوسط، فإن تركيا تريد ان تستثمر علاقاتها الخاصة بكل من إيران وسوريا مع مصر والأردن والسعودية.

واشار الرئيس التركي عبدالله غول في هذا السياق الى أن فلسطين عربية، داعياً في الوقت نفسه حركة حماس الى الانخراط في العملية السلمية، وأشار أيضاً الى أن إيران قد تكون لها تطلعات معينة كدولة إسلامية، وتريد أن تدافع عن مصالحها في هذا الاتجاه، وأنها دولة وجارة ومهمة في العالم الإسلامي، ولها سياسة أمنية مختلفة.

الموضع التركي وأهميته في المنطقة العربية

وقد يكون من المفيد جداً هذا الموضع، وخصوصاً لجهة القضية الفلسطينية، كما سيكون له أهمية كبرى على صعيد العلاقة التركية العربية الذي يحاول حزب العدالة والتنمية التركي برئاسة رجب طيب أردوغان إعادة بناءه، من منطلق العلاقة بالقادة العرب وعلى قاعدة أن بلاد العرب للعرب وأن فلسطين عربية وهي أقرب ما تكون الى التحالف بين النظام العربي كقوة إقليمية، وتركيا كقوة إقليمية أيضاً.

من الواضح أن تركيا تدعم سبل إحلال السلام في المنطقة، وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وتركيا تتقدم في المجالات كافة، كما تحرص تركيا على دفع علاقاتها مع العرب قدماً الى الأمام وفي أعلى مستوياتها وحض على ضرورة إرساء السلام وفقاً للقرارات الدولية والمبادرة العربية وتجدر الاشارة هنا أن دور تركيا قد برز قبل أحداث غزة من خلال لعب دور الوسيط بين سوريا وإسرائيل.

عدوان غزة وتدهور العلاقات بين تركيا وإسرائيل

ارتبطت تركيا وإسرائيل بعلاقات ودية منذ فترة طويلة، فتركيا، تعتبر إسرائيل واقعاً يجب التعامل معه ككيان معترف به دولياً، الى جانب أن هذا الاعتراف والمعاملة الودية قبل أحداث غزة، يسهل دخولها الاتحاد الأوروبي، فالموقف التركي قد يؤثر بشكل مباشر على العلاقة مع إسرائيل، حيال الوضع الذي كان سائداً في قطاع غزة، حيث قال غول إن علاقاتنا بإسرائيل يجب أن نستثمرها لمصلحة الاستقرار في المنطقة، لذا نحن نسعى لاستخدام هذه العلاقة من أجل السلام في المنطقة، ولو لم تقع الأحداث الدامية الأخيرة في قطاع غزة، لقطعنا شوطاً كبيراً في مسار المحادثات بين سوريا وإسرائيل، إذ من الواضح أن تركيا ومن خلال كلام الرئيس عبدالله غول، غير مستعدة لقطع العلاقة مع إسرائيل، بل كانت هي الواسطة في المفاوضات غير المباشرة، علماً أن شيمون بيريز كان قد وعد الأتراك بأنه لن يقوم بأية اعتداءات على الفلسطينيين قبل أربعة أيام من عدوانه على غزة، ولكنه ما لبث أن تراجع عن كلامه مما أثار حفيظة القيادة التركية، واتخاذ موقف مندد بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فالنشاط التركي في المنطقة كان ظاهراً في مبادرة الحكومة التركية برئاسة رجب طيب أردوغان من خلال القيام بالمهمة المستحيلة في الوساطة بين سوريا وإسرائيل، إلا أن لهجة أردوغان أثناء أزمة غزة كانت مختلفة تماماً، وذلك حين انتقد رئيس الوزراء التركي إسرائيل منذ اليوم الاول للعدوان.

فكان الرد التركي القوي على العملية الإسرائيلية العسكرية في قطاع غزة، قد أدى الى تدهور العلاقات بين الطرفين، حيث اتهم رئيس الوزراء التركي أردوغان الرئيس الإسرائيلي بيريز بقتل المدنيين والأطفال في فلسطين، بعد أن دافع الأخير عن العدوان على غزة في كلمته التي ألقاها أمام المنتدى الاقتصادي بدافوس في سويسرا، والذي عقد تحت عنوان غزة نموذج للسلام، أدت الى مغادرة أردوغان للقاعة، واحتد رئيس الوزراء التركي على بيريز عندما قال إن ما قامت به إسرائيل في غزة هو دفاع مشروع عن النفس، فرد عليه أردوغان قائلاً إنكم تقتلون البشر وهذه سياستكم دائماً، وقاطع بيريز الرئيس اردوغان خلال الجلسة، متهماً حركة حماس بانتهاك وقف إطلاق النار، وتوجه بيريز بالسؤال الى أردوغان قائلاً، إذا سقطت الصواريخ على رؤوسكم ماذا ستفعلون، ورد عليه أردوغان قائلاً، إن صوتك مرتفع أكثر من اللازم، وأعتقد أن هذه الحالة النفسية يعيشها الإسرائيليون بسبب ارتكابكم للأخطاء والآثار، ولانكم تعلمون جيداً أن سياستكم تقوم على قتل الأبرياء، ثم غادر أردوغان الجلسة موجهاً كلامه الى الحضور، لقد انتهى مؤتمر دافوس وانتهت مشاركتي فيه، ثم تساءل أردوغان رداً على كلام بيريز، هل هذه الصواريخ التي سقطت على إسرائيل قتلت أحد المواطنين، بالطبع لا وفي المقابل فقد المئات من المدنيين والمواطنين الأبرياء حياتهم في غزة، هذه المشادة الكلامية بين أردوغان وبيريز في منتدى دافوس، سلطت الأضواء على دور تركي لافت في الشرق الأوسط، بل وعززت الدور التركي فيه، وخلاصة القول إن لتركيا اليوم في نفوس العرب مكانة خاصة، بعد هذا الموقف المشرّف الذي كان منتظراً من أية جهة عربية، فإذا بالرئيس أردوغان قد فجر قنبلة في دافوس، وتحدث باسم ملايين العرب والمسلمين ممن يغارون على فلسطين وغزة الجريحة، إنه موقف مشرق وصوت علا في وجه الطغاة والمجرمين.
وفي النهاية ما هو مصير الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل بعد هذا الموقف الشجاع.


ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement