مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




المعونة الأمريكية.. ضغوط ومهانة نسخة للطابعة ارسال الی صديق
                        بقلم: سالي مشالي
 
                                       الخميس 13/07/2007م – الموافق 27/جمادي الثاني/1428هق
 
 
 الجدل الذي دار في الكونغرس الأمريكي خلال مناقشة الميزانية الأمريكية عن المعونة السنوية التي تُقدمها الولايات المتحدة لمصر، والتي تقرر خفضها بمبلغ 200 مليون دولار لتصبح 1.415 مليار دولار، ورغم أن هذه المعونة مقسمة إلى جانبين الجانب الأكبر منها هو المعونة العسكرية والذي يمنح مليارًا من الدولارات للأسلحة الأمريكية، وباقي المعونة (415 مليون دولار) منحة مشروطة بالشروط الأمريكية، إلا أن هذا التخفيض أثار جدلاً مصريًّا مقابلاً في قضية قديمة جديدة ويُعاد مناقشتها تقريبًا كل عام حول أهمية المعونة الأمريكية بالنسبة للاقتصاد المصري، والتي ارتبطت باشتراطاتٍ وضغوطٍ سياسية وأحيانًا إملاءاتٍ وتدخلاتٍ في السياسة الخارجية والداخلية يقابلها تهديدات بقطعها ومنعها إذا لم تستجب الحكومة المصرية.
هذه المعونة المعجزة التي قد يهددون بها مصر في واقع الأمر هي نقمة على الشعب المصري، وأنه يدفع مقابل كل دولار يقبضه منها الكثير من استقلاله وسيادته وحرية قراره، مع الوضع في الاعتبار الإحصائيات التي تؤكد أن 80% من المعونة الأمريكية تعود إلى جيوب الشركات الأمريكية!
وتأتي تأكيدات الرئيس الأمريكي عن تمسكه بعدم خفض المعونة مبررًا هذا بقوله "تفاديًا وتلافيًا لأضرار تلحق بالمصالح القومية الأمريكية تؤكد مخاوف الكثيرين من أن المعونة تحقق مصالح أكيدة للولايات المتحدة وأضرارًا أكيدة لمصر، خاصةً مع اعتراف مساعد وزير الخارجية الأمريكي بأن المعونة تشترط أن تكون كل مشترياتها من المنتجات الأمريكية وأن يكون الخبراء أيضًا أمريكيين!!
أضف إلى ذلك تصريحات ديفيد وولش- مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأوسط- بأن مصر "شريك بالغ الأهمية" للأمريكيين بسبب دورها في السماح للطائرات الأمريكية المتوجِّهة إلى العراق بالمرور عبر الأجواء المصرية، بالإضافة إلى مشاركتها في الحرب على ما دعاه وولش "الإرهاب"، وهو ما يؤكد ويُوضِّح المقابل الذي تدفعه مصر مقابل هذه المعونة، ولم يعد يُثير الدهشة الحديث حول قيام وكالة المعونة الأمريكية بالمشاركة في برامج تطوير التعليم في مصر، أو مشاركتها في ورشة عمل لدراسة مشروع قانون خصخصة التأمين الصحي والذي يلقى رفضًا واسعًا من كافة طوائف الشعب المصري!!
ولا تتعامل وكالة المعونة مع مصر كجهةٍ مانحةٍ تحاول أن تضمن أوجه إنفاق أموالها، وإنما تتعامل كما لو كانت "إدارة محلية" أو "سلطة احتلال" صاحبة اليد العليا والكلمة الأولى في القرارات المصرية الداخلية والخارجية، فهل تستطيع مصر بالفعل أن تستغنى عن المعونة؟ أم أن أقصى ما يمكنها فعله هو المناورة للحصول على أفضل الشروط وأقل القيود؟ أم أن المحاولة مستحيلة وليس في الإمكان أبدع مما كان؟!!
- د. الغزالي: السيادة المصرية لا يساويها مليارات الدولارات

يؤكد د. عبد الحميد الغزالي- أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسة جامعة القاهرة- أن مصر ليست في حاجةٍ للمعونة الأمريكية، وأنها يمكنها الاستغناء عنها وإيجاد الموارد البديلة والتي يمكن أن تُوفِّر أضعاف المعونة من خلال الاقتصاد المصري ذاته إذا أُحسنت إدارته.
يُوضِّح أن التهرب الضريبي وخاصةً من الحيتان الكبار يُضيِّع على الحكومة موارد كبيرة هي في أشد ما تكون من الاحتياج إليها، كما أنَّ علاجَ الفساد الاقتصادي المستشري في الإدارة الحكومية وخاصةً عمليات الخصخصة هو في حقيقته فاقد لموارد أعلى بكثيرٍ من حجم المعونة الأمريكية.
ويرى الغزالي أن استقلال القرار المصري والسيادة المصرية لا يضاهيها ولا يقابلها مليارات الدولارات، وعلى مصر لإعلان استغنائها عن هذه المعونة قبل أن تُسقطها أمريكا عنها، وفي هذا من المهانة ما لا يمكننا ولا يستحق تحمله.
- د. غيث: المفاوض المصري يمكنه أن يقول: "لا"
ويتفق معه أسامة غيث- رئيس القسم الاقتصادي بالأهرام- والذي يؤكد أن كل دولار تحصل عليه مصر من خلال المعونة الأمريكية ينفق أمامه أكثر منه بكثيرٍ لصالح الاقتصاد الأمريكي ولصالح السياسة الأمريكية، مشيرًا إلى أن المعونة الأمريكية لا تستفيد منها مصر بصورةٍ كبيرةٍ وإنما تستفيد منها في المقام الأول شركات ورجال الأعمال الأمريكيين.
وأضاف: أنه بالرغم من أن المعونة الأمريكية من حقوق مصر وفقًا لاتفاقية كامب ديفيد وبصفة أن مصر لاعب رئيسي في المنطقة إلا أن حصولها عليها ينبغي ألا يقترن بضغوط أو شروط أو تدخلات داخلية أو إملاءات متعلقة بالسياسة الخارجية أو القرارات الاقتصادية، مؤكدًا وجوب أن تحافظ مصر على سيادتها وأن تحترم أمريكا هذه السيادة، ورفض غيث تبريرات البعض بأن الخضوع والتبعية للشروط الأمريكية نتيجة ظروف العولمة واتفاقات التجارة العالمية والظروف الإقليمية، واصفًا ذلك بأنه استعمارٌ مباشرٌ للأرض العربية والقواعد العسكرية، مؤكدًا أن المفاوض المصري يملك من الأدوات ما يمكنه من أن يقول.. "لا".
ويتابع: إن المعونة نظام عالمي يتم بالحد الأدنى من الضغوط المقبولة من الطرف المتلقي للمعونة وتصاعد هذه الضغوط يعني ضعف المفاوض المصري، ضاربًا المثال بفنزويلا وهي دولة ليست أقوى من مصر ومصالح أمريكا معها أقل بكثيرٍ ومع ذلك استطاعت أن تحافظ على خصوصيتها واستقلاليتها وأن تقول.."لا".
والبديل من وجهة نظر غيث يكمن في التوجه نحو السوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي، مؤكدًا أنه مهما كانت درجة الخضوع لأمريكا فهناك دائمًا احتياجات لإرضاء الشعوب وتهدئة الرأي العام الداخلي، وهناك مساحات متعددة للمناورة والتفاوض، نافيًا أن تملك أمريكا أوراق اللعبة كاملةً، مستشهدًا بالمستنقع العراقي والذي يدل على أن الإرادة الشعبية والوطنية تستطيع أن تفعل الكثير.
- د. حشمت: المليارات المهدرة تغني عن المعونة
يؤيد د0 جمال حشمت- النائب السابق بمجلس الشعب- بشدة الرأي الذي ينادي برفض المعونة الأمريكية، مؤكدًا أن المعونة تنقسم إلى شقين وهما: المعونة العسكرية وهناك شكوكٌ في كفاءة أسلحتها وفقًا لتصريحات بعض ضباط الجيش السابقين، والمعونة الاقتصادية وهي مشروطة بأوجه إنفاق بعينها وتسمية المجالات والتي يغلب عليها مجال الصحة الإنجابية والتنمية البشرية والذي لم نلمس منه فوائد حتى الآن، وتوفره شركات أمريكية ويعمل به مستشارون أمريكيون، مما يُفرِّغ المعونة من معناها ويحولها إلى عبء على المواطن المصري وعلى الحكومة أيضًا والتي أصبحت قراراتها مقيدة، فأصبح الشعب يدفع الثمن ولا يحقق أي نفعٍ من ورائها، وإذا علمنا أن هناك أموالاً تُقدَّر بـ 13 مليار جنيه مهدرة في ميزانيتين متتاليتين للدولة لا يعلم أحدٌ أوجه إنفاقها لعلمنا أننا نملك أموالاً تُغنينا عن المعونة، والحل الأمثل هو عبر ترشيد الإنفاق وإعادة تنظيم الهيكل الإداري وإعادة النظر في "طابور" المستشارين الحكوميين، والإسراف بل السفه الحكومي.
د. محمد عبد السلام : إعادة النظر
ويرى د. محمد عبد السلام- الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- أن المعونة الأمريكية الاقتصادية أصبحت عبئًا على الطرفين سواء المصري أو الأمريكي، ومن المعلوم أنه يتم تخفيضها سنويًّا بنسبة 10%؛ مما يعني أنها في طريقها إلى الزوال، أما المعونة العسكرية فلأول مرة يتم المساس بها هذا العام، وكان من المتصور أنها خطٌّ أحمرُ بين الطرفين، وبالتأكيد فخفضها له دلالاته ومعانيه، ووضع المعونة الأمريكية الحالي وبالنظر إلى ربطها بشروطٍ سياسيةٍ يُثير حساسيات لا أولَ لها ولا آخر، وعلاجها لن يتم عن طريق مواقف مصرية "عنترية" ولا مواقف أمريكا المتغطرسة، ولكن بمناقشتها بصورةٍ واقعيةٍ باعتبار أنها تخدم المصالح المتبادلة بدلاً من أن تتردى العلاقات بين البلدين أكثر مما هي عليه حتى الآن.
- د. قدري: أمريكا تستفيد من منح مصر المعونة
ويُركِّز د. قدري سعيد- الخبير العسكري- على التأكيد على أن الاستعانة بالخبراء الأمريكيين في أي مجالٍ أمر طبيعي للغاية باعتبار أنهم أصحاب خبرة وتجربة تستحق الاستفادة منها، ولكن ذلك لا يبرر أن يكون هؤلاء الخبراء ذوي طابعٍ رسمي أو حكومي وليسوا خبراء مستقلين، كما يظهر في حالة مستشاري تطوير التعليم، وهيئة المعونة الأمريكية التي تشارك في ورشة عمل قانون خصخصة التأمين الصحي، وإن كان قد أشار إلى أن التأمين الصحي هو مشكلة مزمنة في كل دول العالم بما فيها أمريكا وأوروبا حتى إن البرنامج الانتخابي لأي رئيسٍ في أمريكا لا يخلو من اقتراحاتٍ وحلولٍ للتأمين الصحي، ونفى أن يكون حصول مصر على المعونة الأمريكية لكونها ضعيفةً أو دون مقابل، وأكد أنها تحصل على المعونة مقابل خدماتها ولاحتياج أمريكا لها لأهميتها السياسية في المنطقة بدليل مساندتها في حرب الخليج الأولى واستخدام أساطيلها لقناة السويس، كما أن موقف مصر من عمليةِ السلام يصبُّ في مصلحة أمريكا.
- د. ماضي: المعونة تذهب إلى جيوب رجال الأعمال
ويُوضِّح د. عبد الفتاح محمد ماضي- أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية- أن المعونات دائمًا وعلى مرِّ التاريخ لا يمكن أن تكون دون مقابل وإنما تُستخدم للضغط لصالح الدولة المانحة، وسبق استخدامها في دول شرق أوروبا للضغط عليها لانتهاج سياسة السوق الحر، وكما حدث في مصر في الستينيات عند محاولة مصر بناء السد العالي، وطبيعي أنْ تُناهض أي دولةٍ التدخلات الأجنبية، ولكن قدرتها على الرفض تعتمد على إرادتها السياسية وعلى استخدام عناصر القوة المتاحة لها، وفي حالة مصر فلديها من الإمكانات التي تسمح لها أن تستغنى عن المعونة وعن الضغوط والتدخلات، وعليها أن تستخدم كل الأوراق الموجودة على الطاولة، ولدينا نماذج لدول أضعف من مصر بكثيرٍ استطاعت الاستغناء عن المساعدات الأمريكية في سبيل استقلال قرارها السياسي والاقتصادي، فمَن المفترض أن تحقق المعونة فائدة للطرفين، ولكن في حالة مصر فإن المعونة لا تصل إلا لفئاتٍ محدودةٍ من رجال الأعمال ولا يستفيد منها باقي طبقات الشعب.
تيمور عبد الغني : الإرادة الشعبية
ويُقسِّم تيمور عبد الغني- عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب المصري- المساعدات الأمريكية المقدمة لمصر إلى ثلاث جهات: "برنامج معونات التنمية" والذي يُعطي منحًا وقروضًا بتسهيلات ائتمانية مع اشتراط المشروعات التي تُوجَّه إليها هذه القروض والتي يغلب عليها أن تكون في مجال التعليم أو الصحة، و"صندوق المعونة الاقتصادية" ويمنح قروضًا ميسرةً لتعزيز الاستقرار السياسي، وهو يخضع تمامًا للرؤية الأمريكية، و"المعونات الغذائية" والغرض منها تقليل معاناة الشعوب الفقيرة، وإن كانت تشترط استخدام المعونة في شراء السلع من الولايات المتحدة الأمريكية ذاتها، ويؤكد تيمور أن النتائج الملموسة لهذه المعونة في النهاية لا تصبُّ في مصلحة الدولة الممنوحة، ولكن في مصلحة الدولة المانحة، وحتى القروض الميسرة فهي عبء على ميزان المدفوعات في النهاية ولا يسمح بشراء أصول رأسمالية منها أو تحقيق تنمية اقتصادية طويلة المدى وإنما يقتصر الأمر على عقد الدورات والندوات.
وأكد أن توافر الإرادة الشعبية وإتاحة الفرصة أمام المؤسسات الرسمية أن تقوم بدورها في الإصلاح السياسي والاقتصادي وتعبئة الجماهير لمساندة الإصلاح هو الطريق الوحيد والأكيد من أجل إنقاذ الوطن.
المصدر : اخوان اون لاين 

ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement