|
قراءة في تقرير مؤسسة "راند" عن استراتيجيات غربية لاحتواء الإسلام |
|
|
الأربعاء
08/07/2009م الموافق 15رجب 1430هق
ان تقارير مؤسسة راند تهتم اهتماما واضحا بقضايا الشرق الوسط، وتقدم للادارة الاميركية توصيات ومقترحات متنوعة ودورية في كيفية التعامل مع هذه القضايا، وهنا تكمن ضرورة تعرف صانع القرار في العالم العربي والاسلامي على هذه التقارير، ليس لانها ستتحول بالضرورة الى سياسات تنفذ على ارض الواقع، ولكن لانها تعبر عن طبيعة وتوجهات النصائح والتوصيات التي تتلقاها الادارة الاميركية من المفكرين والباحثين والخبراء في مجالات العلاقات الدولية والاستراتيجية.
يوصي التقرير ان تدعم الادارة الاميركية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الاسلامي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لافكار واطروحات التيارات الاسلامية التي يصنفها التقرير بالمجمل بانها (تيارات متطرفة).
كما يؤكد التقرير على الحاجة لان يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم اميركية غربية، وليست مفاهيم اسلامية، وان يكون هناك اختبار للاعتدال بالمفهوم الاميركي يتم من خلاله تحديد من تعمل معهم الادارة الاميركية وتدعمهم في مقابل من تحاربهم وتحاول تحجيم نجاحاتهم.
يقدم هذا المقال قراءة مختصرة لهذا التقرير، مع التركيز تحديدا على الجزء الخاص بتعريف الاعتدال من وجهة النظر الاميركية، وكيفية اقامة تلك الشبكات المعتدلة بالمفهوم الاميركي.
كما يتضمن المقال مجموعة من التوصيات حول الاليات العملية للتعامل مع مثل هذه التقارير، قبل ان تتحول توصياتها الى سياسات اميركية عامة تستخدم لتحجيم او احتواء نهضة الامة الاسلامية.
مقدمة: تسعى المراكز الفكرية الاميركية المهتمة بالشرق الاوسط الى تقديم العديد من التوصيات للادارة الاميركية لتوجيه المعركة الفكرية مع العــالم الاسـلامي.
وتبـرز مؤسسة راندRAND Corporation ، وهي اكبر مركز فكري في العالم، كاحد اهم المؤسسات الفكرية الاميركية المؤثرة على صناعة القرار في الادارة الاميركية الحالية، خاصة فيما يتعلق بمنطـقة الشـرق الاوسط.
وقد اصدرت مؤسسة راند مؤخرا تقريرا في نـهاية شهـر مـارس من عـام 2007م (ربيـع الاول 1428هـ) بعـنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة) Building Moderate Muslim Networks ، وهو تقرير متمم لسلسلة التقارير التي بدا هذا المركز الفكري الهام والمؤثر في اصدارها لتحديد الاطر الفكرية للمواجهة مع العالم الاسلامي في الفترة التي اعقبت احداث سبتمبر.
كما يؤكد التقرير على الحاجة لان يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم اميركية غربية، وليست مفاهيم اسلامية.
وقبل ان نتعرض لمحتوى ذلك التقرير واهم ما ورد فيه من افكار، فلعله من المهم القاء نظرة على التقارير السابقة لهذه المؤسسة الفكرية، وملاحظة العلاقة بين ما تطرحه من افكار ورؤى، وما يتحول منها الى ياسات عامة تتبناها الادارة الاميركية، وتفرضها على العالم الاسلامي والعربي.
تقارير سابقة: اهتمت مؤسسة راند بما يسمى بالخطر الاسلامي منذ اكثر من ثمانية اعوام، وصدر عنها العديد من الدراسات التي لا يتسع المقام لعرضها، ولكننا نعرض فقط هنا اهم هذه التقارير، واكثرها تاثيرا على الادارة الاميركية.
وقد اصدرت مؤسسة راند كتابا في عام 1999م، اي: قبل احداث سبتمبر بعامين بعنوان (مواجهة الارهاب الجديد)، وهو من اعداد مجموعة من الخبراء الاميركيين، وصدر الكتاب في 153 صفحة، وهو خلاصة افكار وابحاث اهم خبراء (الارهاب) في الولايات المتحدة، سواء في دوائر البحث والاكاديميات، او دوائر السياسة والاستراتيجيات، من امثال: ايان ليسر، وبروس هوفمان، وديفد رونفلت، وجون اركويلا، ومايكل زانيني؛ كما يذكر مركز كمبريدج بوك ريفيو الذي قام باعداد قراءة متزنة لهذا التقرير.
حاول الكتاب ان يجيب عن سؤال عما اذا كان (الارهاب الجديد) يشكل خطـرا استراتيجـيا علـى الولايات المتـحدة تحـديدا ام لا؟ واشار الكتاب الى ان خطر الارهاب الجديد سيتركز في منطقة الشرق الاوسط، وسيهدد مصالح كل من الولايات المتحدة الاميركية والكيان الصهيوني.
وبعد احداث سبتمبر قامت مؤسسة راند في عام 2004م باصدار تقرير بعنوان (العالم المسلم بعد 11/9) في اكثر من 500 صفحة لبحث التفاعلات والديناميات المؤدية الى حدوث التغيرات (الدينية - السياسية) التي يشهدها المسرح الاسلامي الراهن بهدف امداد صانعي السياسة الاميركية برؤية شاملة عن الاحداث والتوجهات الواقعة حاليا في العالم الاسلامي.
قدم البحث في محوره الاول - كما تذكر باحثة متخصصة في العلوم السياسية - خريطة شاملة للتوجهات الايديولوجية في المناطق المختلفة في العالم الاسلامي، مشيرا الى ان المسلمين لا يختلفون فقط في الرؤى الدينية، بل يختلفون ايضا في الرؤى السياسية والاجتماعية، مثل: الحكومة، والقانون، وحقوق الانسان، وحقوق المراة، والتعليم.
وتذكر الباحثة ان البحث يصنع مساواة مفتعلة بين الاسلام (المعتدل) وبين (العلمانية)، ويقسم العالم الاسلامي تقسيما قسريا؛ حيث يتم ـ مثلا ـ تعريف منطقة معينة في العالم المسلم في كونها (سلفية)، واخرى (راديكالية)، وثالثة (معتدلة).
وتناول الجزء الثاني من البحث الخلافات القائمة بين المسلمين بعضهم مع بعض، مع تركيزه على خلافين اساسيين هما (الخلاف السني - الشيعي) و (الخلاف العربي - غير العربي).
اما في فبراير من عام 2005م فقد صدر لمؤسسة راند تقرير بعنوان (الاسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات)، ويرى التقرير - كما ينقل احد الباحثين(2)- انه لا يمكن احداث الاصلاح المطلوب من دون فهم طبيعة الاسلام في المنطقة؛ الذي يقف سدا منيعا امام محاولات التغيير، وان الحل يكمن في النظر الى المسلمين عبر اربع فئات، هي: مسلمين اصوليين، مسلمين تقليديين، مسلمين حداثيين، ومسلمين علمانيين.
اما فيما يتعلق بالاصوليين فتقول (راند): يجب محاربتهم واستئصالهم والقضاء عليهم، وافضلهم هو ميتهم لانهم يعادون الديمقراطية والغرب، ويتمسكون بما يسمى الجهاد وبالتفسير الدقيق للقران، وانهم يريدون ان يعيدوا الخلافة الاسلامية، ويجب الحذر منهم لانهم لا يعارضون استخدام الوسائل الحديثة والعلم في تحقيق اهدافهم، وهم ذوو تمكن في الحجة والمجادلة.
ويدخل في هذا الباب السلفيون السنة، واتباع تنظيم القاعدة والموالون لهم والمتعاطفون معهم، و (الوهابيون)، كما يقول التقرير.
وفيما يتعلق بالتقليديين تقول (راند): يجب عدم اتاحة اي فرصة لهم للتحالف مع الاصوليين ويجب دعمهم وتثقيفهم؛ ليشككوا بمبادئ الاصوليين وليصلوا الى مستواهم في الحجة والمجادلة، وفي هذا الاطار يجب تشجيع الاتجاهات الصوفية ومن ثم الشيعية (يقول ابن خلدون: لولا التشيع لما كان التصوف)، ويجب دعم ونشر الفتاوى (الحنفية) لتقف في مقابل (الحنبلية) التي ترتكز عليها (الوهابية) وافكار القاعدة وغيرها، مع التشديد على دعم الفئة المنفتحة من هؤلاء التقليديين.
واوصى التقرير باهمية ان (ندعم التقليديين ضد الاصوليين لنظهر لجموع المسلمين والمتدينين وللشباب والنساء من المسلمين في الغرب ما يلي عن الاصوليين: دحض نظريتهم عن الاسلام وعن تفوقه وقدرته، اظهار علاقات واتصالات مشبوهة لهم وغير قانونية، التوعية عن العواقب الوخيمة لاعمال العنف التي يتخذونها، اظهار هشاشة قدرتهم في الحكم وتخلفهم، تغذية عوامل الفرقة بينهم، دفع الصحفيين للبحث عن جميع المعلومات والوسائل التي تشوه سمعتهم وفسادهم ونفاقهم وسوء ادبهم وقلة ايمانهم، وتجنب اظهار اي بادرة احترام لهم ولاعمالهم او اظهارهم كابطال وانما كجبناء ومخبولين وقتلة ومجرمين؛ كي لا يجتذبوا احدا للتعاطف معهم).
تبحث الدراسة في اربعة مباحث رئيسة، المبحث الاول عن القاعدة: العقيدة، والاستراتيجية، والتكتيك، والتمويل، والعمليات، وتغير الاشخاص، والمستقبل المحتمل.
اما المبحث الثاني فهو عن الجماعات الجهادية التي تبنت نظرة القاعدة العالمية، والتي ليست مرتبطة رسميا بتنظيم القاعدة.
والمبحث الثالث حول الجماعات الارهابية الاسلامية وغير الاسلامية والتي ليس لها اي صلات معروفة بالقاعدة، ولكنها تهدد المصالح الاميركية والاصدقاء والحلفاء؛ كحماس وحزب الله، وغيرهما.
اما المبحث الاخير فهو عن الرابطة بين الارهاب والجريمة المنظمة، ويتضمن ذلك طرق استعمال الارهابيين للمنظمات الاجرامية في تمويل نشاطاتهم.
تدعو الدراسة الولايات المتحدة الاميركية الى توسيع الجهود بشكل كبير لتقويض الدعم للقاعدة وخاصة من داخل الدول الاسلامية، وتقول: ان نجاح مكافحة القاعدة (الجهاد العالمي) يتم من خلال مهاجمة العقيدة الجهادية العالمية، وقطع الصلات بين الجماعات الجهادية، وتعزيز قدرات دول المواجهة الى مواجهة تهديدات الحركات الجهادية.
كما يقول التقرير: ان العقيدة الجهادية تواصل الانتشار وتلقى مزيدا من القبول في العالم الاسلامي، وهذا سينتج ارهابيين اكثر يجددون صفوف القاعدة، واذا تم الطعن في هذه العقيدة ومصداقيتها فان القاعدة ستنزوي وتموت.
يؤكد التقرير ان طرق مكافحة الارهاب التقليدية لا تكفي لهزيمة القاعدة، ويجب فهم ان الصراع مع القاعدة صراع سياسي وعقدي، وفي هذا يقول راباسا: "الحركة الجهادية العالمية حركة ايديولوجية متطرفة.
والحرب عليها في ابسط مستوى يكون بحرب الافكار"، والهدف من ذلك ـ كما يقول التقرير ـ هو منع القاعدة من استغلال الخطاب الاسلامي والخطاب السياسي والذي استخدمته بكل براعة.
يرى التقرير ان تقويض العقيدة الجهادية العالمية من الخارج امر صعب؛ فالقاعدة قد عبات المسلمين ضد الغرب، لكن ليس كل الجماعات الجهادية تتفق مع القاعدة في النظرة العالمية؛ ولهذا السبب تدعو الدراسة الولايات المتحدة الى قطع الصلة بين الجهاد العالمي والجهاد المحلي، وذلك بنشر وتاكيد الاختلافات بين حركة الجهاد العالمية (القاعدة)، وبين حركات الجهاد المحلية التي لا تهدد الغرب.
ومن المهم تاكيد وابراز ان الدولة الاسلامية التي تسعى القاعدة الى اقامتها ستستبعد التيارات الاسلامية الاخرى، وبالاضافة الى ذلك فان الولايات المتحدة ستسعى الى القضاء على الجماعات الارهابية، وتعزيز قدرات الحكومات الحليفة والصديقة للتعامل مع التهديدات الارهابية، لكن بصفة استشارية بتوفير مجال جمع البيانات والتحليل والتقرير.
تقرير راند لعام 2007م: اصدرت مؤسسة راند مؤخرا تقريرا في نهاية شهر مارس من عام 2007م (ربيع الاول 1428هـ) بعنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة) Building Moderate Muslim Networks، وهو تقرير متمم لسلسلة التقارير التي بدا هذا المركز الفكري والمؤثر في اصدارها؛ لتحديد الاطر الفكرية للمواجهة مع العالم الاسلامي في الفترة التي اعقبت احداث سبتمبر.
الجديد في تقرير هذا العام انه يقدم توصيات محددة وعملية للحكومة الاميركية: ان تعتمد على الخبرات السابقة اثناء الحرب الباردة في مواجهة المد الفكري الشيوعي، وان تستفيد من تلك الخبرات في مواجهة التيار الاسلامي المعاصر.
كما يؤكد التقرير على الحاجة لان يكون مفهوم الاعتدال ومواصفاته مفاهيم اميركية غربية، وليست مفاهيم اسلامية، وان يكون هناك اختبار للاعتدال بالمفهوم الاميركي يتم من خلاله تحديد من تعمل معهم الادارة الاميركية وتدعمهم في مقابل من تحاربهم وتحاول تحجيم نجاحاتهم.
يقدم هذا المقال قراءة لهذا التقرير، وتحديدا الجزء الخاص في ذلك التقرير والمتعلق بتعريف الاعتدال من وجهة النظر الاسلامية.
يؤكد التقرير ان الصراع هو صراع افكار اضافة الى الصـراع العسـكري او الامني، وان حسم المعركة مع الارهاب لن يتم فقط على الساحات الامنية او العسكرية، ولكن الاهم ان يهزم الفكر الاسلامي - الذي يصفه التقرير بالمتطرف - في ساحة الافكار ايضا.
يرى التقرير ان هذا الصراع الفطري يحتاج الى الاستفادة من التجارب السابقة، ومن اهمها تجربة الصراع الفكري مع التيار الشيوعي خلال فترة الحرب الباردة، ويوصي التقرير الولايات المتحدة ان تستفيد من تلك التجارب، وتبحث في اسباب نجاحها وما يمكن ان يتكرر ويستخدم مرة اخرى من وسائل وادوات وخطط وبرامج في ادارة الصراع مع التيار الاسلامي.
يؤكد التقرير ان هذا التعريف للاعتدال هو من اهم ما يمكن ان يساهم به التقرير في خدمة السياسة الاميركية، وان على اميركا ان تدعم فقط الافراد والمؤسسات التي تندرج تحت مفهوم الاعتدال بالتفسير الاميركي له، والمقدم في هذا التقرير.
ينصح التقرير بعدم التعاون مع كل فئات التيار الاسلامي، وان يرتكز بناء شبكة التيار المعتدل على التيارات العلمانية والليبرالية والعصرانية فقط.
ويجعل التقرير من المفهوم الجديد المقترح للاعتدال من وجهة النظر الاميركية احد اهم نتائج التقرير؛ ولذلك فاننا سنركز في هذا المقال على هذا المفهوم الخاص بالاعتدال الاميركي، رغم ان التقرير يحوي العديد من القضايا الهامة الاخرى التي يجب دراستها وتحديد سبل التعامل معها، ونامل ان يحدث ذلك في المستقبل القريب ومن خلال مقالات ودراسات اخرى.
ما مفهوم الاعتدال الاميركي؟ تشير الدراسة الى ان نقطة البدء الرئيسـة التي يجب على الولايات المتحدة العناية بها في بناء شبكات من المسلمين المعتدلين تكمن في تعريف وتحديد هوية هؤلاء المسلمين.
وفي هذا الصدد تشير الدراسة الى انه يمكن التغلب على صعوبة تحديد ماهية هؤلاء المعتدلين من خلال اللجوء الى التصنيفات التي وضعتها بعض الدراسات السابقة التي قام بها بعض باحثي معهد (راند).
ولهذا الغرض فقد وضعت الدراسة بعض الملامح الرئيسة التي يمكن من خلالها تحديد ماهية الاسلاميين المعتدلين، اهمها ما يلي:
1- القبول بالديمقراطية: يعتبر قبول قيم الديمقراطية الغربية مؤشرا مهما على التعرف على المعتدلين؛ فبعض المسلمين يقبل بالنسخة الغربية للديمقراطية، في حين ان بعضهم الاخر يقبل منها ما يتواءم مع المبادئ الاسلامية؛ خصوصا مبدا (الشورى) ويرونه مرادفا للديمقراطية.
كما ان الايمان بالديمقراطية يعني في المقابل رفض فكرة الدولة الاسلامية.
2- القبول بالمصادر غير المذهبية في تشريع القوانين: وهنا تشير الدراسة الى ان احد الفروق الرئيسة بين الاسلاميين المتطرفين والمعتدلين هو الموقف من مسالة تطبيق الشريعة.
تؤكد الدراسة ان التفسيرات التقـليدية للشـريعة لا تتناسب مع مبادئ الديمقراطية، ولا تحترم حقوق الانسان، وتدلل الدراسة على ذلك من خلال مقال للكاتب السوداني (عبد الله بن نعيم) قال فيه بان الرجال والنساء والمؤمنين وغير المؤمنين لا يمتلكون حقوقا متساوية في الشريعة الاسلامية.
3- احترام حقوق النساء والاقليات الدينية: وفي هذا الصدد تشير الدراسة الى ان المعتدلين اكثر قبولا بالنساء والاقليات المختلفة دينيا، ويرون بان الاوضاع التمييزية للنساء والاقليات في القران يجب اعادة النظر فيها؛ نظرا لاختلاف الظروف الراهنة عن تلك التي كانت موجودة ابان عصر النبي محمد (ص).
4 ـ نبذ الارهاب والعنف غير المشروع: تؤكد الدراسة هنا على ان الاسلاميين المعتدلين يؤمنون ـ كما هو الحال في معظم الاديان ـ بفكرة (الحرب العادلة)، ولكن يجب تحديد الموقف من استخدام العنف ومتى يكون مشروعا او غير مشروع؟ اختبار الاعتدال؟ يضع التقرير في الفصل الخامس مجموعة من الاسئلة التي يعدها مقـياسا للاعتـدال، وان الاجابة عـن هذه الاسئلة تحدد ما اذا كان الفرد او الجماعة يمكن ان يوصف بالاعتدال ام لا.
يحذر التقرير ان التيار الاسلامي يدعي في بعض الاحيان انه تيار معتدل ولكن وفق تفسير خاص به للاعتدال، وان وجود قائمة من الاسئلة المختارة والمتفق عليها يمكن ان يحل هذه المشكلة، ويكشف للادارة الاميركية حقيقة نوايا الافراد والجماعات من التيار الاسلامي ممن يدعون الاعتدال او يطالبون ان يعاملوا معاملة المعتدلين، وهو ما يجب ان يقتصر - حسب رؤية التقرير - على من يجتازون اختبار الاعتدال.
وهذه الاسئلة وردت بالتقرير، ونورد النص الانجليزي لها حرصا على دقة الترجمة؛ لانه من المتوقع ان يمارس الاعلام التابع للادارة الاميركية الكثير من التحوير والتعديل في نص هذه الاسئلة عندما تترجم للغة العربية نظرا للحساسيات التي ستثيرها هذه الاسئلة في حال انتشارها في الاعلام العربي، وبين المفكرين والمثقفين والسياسيين في الدول العربية والاسلامية.
ولذلك نرى اهمية ان تكون الاسئلة باللغة الانجليزية مرافقة للترجمة العربية لها.
وهذه الاسئلة هي: - هل يتقبل الفرد او الجماعة العنف او يمارسه؟ واذا لم يتقبل او يدعم العنف الان؛ فهل مارسه او تقبله في الماضي؟ - هل تؤيد الديمقراطية؟ وان كان كذلك؛ فهل يتم تعريف الديمقراطية بمعناها الواسع من حيث ارتباطها بحقوق الافراد؟ - هل تؤيد حقوق الانسان المتفق عليها دوليا؟ - هل هناك اية استثناءات في ذلك (مثال: ما يتعلق بحرية الدين)؟ - هل تؤمن بان تبديل الاديان من الحقوق الفردية؟ - هل تؤمن ان على الدولة ان تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات الجنائية؟ - هل تؤمن ان على الدولة ان تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات المدنية؟ وهل تؤمن بوجوب وجود خيارات لا تستند للشريعة بالنسبة لمن يفضلون الرجوع الى القوانين المدنية ضمن نظام تشريع علماني؟ - هل تؤمن بوجوب ان يحصل اعضاء الاقليات الدينية على حقوق كحقوق المسلمين تماما؟ - هل تؤمن بامكانية ان يتولى احد الافراد من الاقليات الدينية مناصب سياسية عليا في دولة ذات اغلبية مسلمة؟ - هل تؤمن بحق اعضاء الاقليات الدينية في بناء وادارة دور العبادة الخاصة بدينهم (كنائس او معابد يهودية) في دول ذات اغلبية مسلمة؟ - هل تقبل بنظام تشريع يقوم على مبادئ تشريعية غير مذهبية؟ ان من يقرا هذه اللائحة من الاسئلة يدرك على الفور ان تعريف الاعتدال بالمفهوم الاميركي لا يعبر الا عن المصالح الاميركية الهادفة الى تحويل المسلمين بعيدا عن الاسلام تحت دعوى الاعتدال العالمي.
اننا امام محاولة لاعادة تعريف مفهوم الاعتدال داخل المجتمع المسلم بحيث لا يستند التعريف من الان فصاعدا الى مبادئ الوسطية والتراحم التي حثت عليها الشريعة، وانما ان تتحول هذه المبادئ الى مجمـوعة من المسلـمات الغــربية التـي تـقدم للعـالم على انهـا مبادئ دوليـة.
ومـن المتـوقع لاحـقــا في حال اقرار هذه التوجهات ودفعها في الساحات الفكرية الدولية؛ ان تمنع شعوب العالم من رفضها او حتى الاعتراض عليها بدعوى ان ذلك سيكــون اعتـراضا عـلى حقـوق الانسـان الدوليـة او الشــرائع العـالمية، كـما حــدث مـن قبـل فـيما يتعلـق بما يسمى حقوق الانسان؛ التي اصبحت مؤخرا حقـوقا للشـواذ وحقـوقا لمخـالفة الاخـلاق والقيـم والعادات.
ويوصي التقرير ان تكـــون الـدعوة للاعتدال بعيدا عن المساجد، وان تستخدم البرامج التلفازية والشخصيات ذات القبول الاعلامي والجماهيري من اجل تحقيق ذلك(!).
وقد تم تعريف التيار التقليدي في هــذا التقــرير: انه التيار الــذي يصلــي في الاضرحة ـ بخـلاف ما تـدعو اليه الوهابية ـ ويميل الى التمذهب، وعـدم الاجتـهاد، والميــل نحو التصوف.
يؤكد التقرير ان من مصلـحة الغــرب ايجــاد ارضية تفاهم مشتركة مع التيار الصوفي والتقليدي من اجل التصدي للتيار الاسلامي.
يؤكد التقرير على اهمية استخدام الترجمة والالة الاعلامية من اجل تحويل مسار الافكار لتكون من الاطراف نحو المركز، او من الدول الاسلامية التي يعتقد معدو التقرير انها اكثر اعتدالا وانفتاحا الى المركز الذي يحدده التقرير بالعالم العربي.
ومن المحزن ان من ضمن الامثــلة التــي يقدمها التقرير في هذا الشان مجلة تصدر في جنـوب شــرق اسيا ادارت حوارا خياليا مع نبي الاسلام #، ومثال اخر لامراة من باكستان تعيش في النرويج، وتعمل في مجال الكوميديا المسرحية، وتدخل الى المسرح وهي ترتدي البرقع، وتروي النكات عن الاسلام والمراة المسلمة، ثم تخلع البرقع على المسرح ليظهر تحته فستان سهرة، ويرى التقرير ان هذا ضمن الاعتدال الواجب دعمه والتشجيع عليه.
كما يذكر التقرير نموذجا اخر وهو موقع سعودي يتحدث عن احاديث الشهادة وينكر صحتها، ولذلك لا يرى الحاجة للالتزام بها.
ولكننا نوصي ـ فيما يتعلق بموضوع التقرير بالعموم؛ واعادة تعريف الاعتدال بالمفهوم الاميركي بالخصوص ـ بالامور التالية: ترجمة التقرير، واتاحته في اسرع وقت ممكن لصناع القرار في العالم العربي والاسلامي من العلماء والمفكرين والسياسيين، والتعاون من اجل فهم ما يعنيه هذا التقرير، وما يقدمه من توصيات للادارة الاميركية.
نرى اهمية ان يؤكد العلماء والدعاة والمفكرون على مفاهيم الاعتدال الحقة التي دعا اليها الاسلام، وتوجتها وسطية الامة المسلمة، وحثت عليها الشرائع السماوية، وليس التشريعات العلمانية الموجهة سياسيا لقمع الاخر، وافساد العقول، ومحاربة الاديان.
ان الامة الاسلامية باكملها تواجه حربا فكرية بدات وتم حشد الانصار لها، ولا بد ان يكون رد الفعل من قبل الامة بجميع فئاتها متناسبا مع الخطر، وموحدا في مواجهة خصم يوحد فئاته، وان تلتزم الامة المسلمة في هذه المواجهة بالضوابط الشرعية التي تحكم العلاقة مع الخصوم والمنافسين والاعداء ايضا.
ونوصي انصار التيار الاسلامي ومحبيه ان الولاء الحق للاسلام في المرحلة القادمة يقتضي مواجهة الغرب فكريا وحضاريا وثقافيا وغير ذلك؛ للدفاع عن امتنا وحماية مصالحها وحقوقها هؤلاء اعداناء يخططون من الازمنة البعيدة لكي يقضون على ديننا وبطريقة جديدة.
ويلاحظ بالعموم ان تقارير مؤسسة راند الاخيرة تركز على فكرة المواجهة مع التيار الاسلامي بالعموم من اجل تهميش دوره واحتواء تاثيره، واحيانا تميل هذه التقارير الى الاشارة الى القضاء على بعض عناصر هذا التيار ومكوناته، وخاصة تلك العناصر التي تستخدم الخيارات العسكرية في التعامل مع الاعتداءات الاميركية والغربية على العالم العربي والاسلامي.كما ان تقارير مؤسسة راند ترسخ باستمرار فكرة الفوائد التي يمكن ان تجنيها الاستراتيجية الاميركية من اشعال الصراعات داخل العالم الاسلامي وتقسيمه، وكذلك فوائد تقسيم شعوب المنطقة الى معتدلين في مواجهة متطرفين، وتقليديين في مواجهة عصرانيين، وشيعة في مواجهة سنة، وعلمانيين في مواجهة اسلاميين، وعرب في مواجهة غير العرب، وغير ذلك من التقسيمات التي تسعى الى شق وحدة الامة في مواجهة الهيمنة الاميركية والتدخل في شؤون دول المنطقة من قبل بعض دول الغرب.واصدرت مؤسسة راند الاميركية RAND Corporation مؤخرا تقريرا بعنوان (بناء شبكات مسلمة معتدلة)، يقدم توصيات محددة وعملية للحكومة الاميركية ان تعتمد على الخبرات السابقة اثناء الحرب الباردة في مواجهة المد الفكري الشيوعي، وان تستفيد من تلك الخبرات في مواجهة التيار الاسلامي المعاصر.يقدم التقرير توصيات محددة وعملية للحكومة الاميركية: ان تعتمد على الخبرات السابقة اثناء الحرب الباردة في مواجهة المد الفكري الشيوعي، وان تستفيد من تلك الخبرات في مواجهة التيار الاسلامي المعاصر عن طريق دعم قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الاسلامي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لافكار واطروحات التيارات الاسلامية التي يصنفها التقرير بالمجمل بانها (تيارات متطرفة).اما في العام الماضي فقد صدر لمؤسسة راند دراسة بعنوان (ما بعد القاعدة)، وهي تقع في مجلدين: الاول حول حركة الجهاد العالمية، والثاني عن الحلقات الخارجية لعالم الارهاب.اشرف على اعداد تلك الدراسة (انجل راباسا)، وهو معد الدراسة التي سيتناولها هذا المقال ايضا.كما يوصي التقرير ان تدعم الادارة الاميركية قيام شبكات وجماعات تمثل التيار العلماني والليبرالي والعصراني في العالم الاسلامي؛ لكي تتصدى تلك الشبكات والجماعات لافكار واطروحات التيارات الاسلامية التي يصنفها التقرير بالمجمل بانها (تيارات متطرفة).اعدت الدراسة مجموعة من الخبراء الاميركيين العاملين بالمركز، ومن ابرزهم (انجل راباسا)؛ وهو باحث اكاديمي، عمل سابقا في عدد من المناصب الهامة في كل من وزارة الخارجية الاميركية ووزارة الدفاع، وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد الاميركية، ويجيد التحدث باربع لغات غير اللغة الانجليزية، وهي: الفرنسية، الايطالية، اليونانية والاسبانية، وله عدد من الكتب والدراسات حول العالم الاسلامي.يحاول التقرير ـ الذي صدر في 217 صفحة، وقسم الى مقدمة وتسعة فصول، وملخص للتقرير ـ ان ينقل طبيعة المواجهة الفكرية من مواجهة بين الاسلام والغرب؛ لكي تصبح مواجهة من نوع اخر بين العالم الغربي من ناحية والعالم المسلم من ناحية اخرى، على غرار الحرب الباردة التي كانت بين معسكرين شرقي وغربي.يعقد التقرير مقارنة بين المعركة الفكرية مع التيار الشيوعي، وبين المواجهة الحالية مع العالم الاسلامي، ويفرد لذلك فصلا كاملا في الدراسة.كما يرى التقرير اهمية استعادة تفسيرات الاسلام من ايدي التيار الاسلامي وتصحيحها (!) حتى تتماشى وتتناسب تلك التفسيرات مع واقع العالم اليوم وتتماشى مع القوانين والتشريعات الدولية في مجالات الديمقراطية وحقوق الانسان وقضايا المراة.ويركز التقرير كذلك على اهمية ايجاد تعريف واضح ومحدد للاعتدال الاسلامي، وان يصاغ هذا التعريف من قبل الغرب، وان يصبح هذا التعريف هو الاداة والوسيلة لتحديد المعتدلين في العالم المسلم من ادعياء الاعتدال الذي لا يتوافق مع التعريف الاميركي والغربي له.يوصي التقرير ان تهتم الولايات المتحدة الاميركية بصناعة ودعم شبكة من التيار العلماني والليبرالي والعصراني ممن تنطبق عليهم شروط الاعتدال الاسلامي بالمفهوم الاميركي، وان تستخدم هذه الشبكة في مواجهة التيار الاسلامي الذي يرى التقرير انه لا يجب التعاون معه او دعمه باي شكل من الاشكال، رغم ادعاء بعض فئات هذا التيار انها معتدلة، وانها تدعو للتعايش والحوار وتنبذ العنف.يضع التقرير 11 سؤالا تشكل في مجملها المحددات الرئيسـة لوصف الاعتدال المقترح ان تتبناه الادارة الاميركية.ومن الملفت للنظر ان التقرير يؤكد اهمية استخراج النصوص الشرعية من التراث الاسلامي والتي يمكن ان تدعم هذه اللائحة وتؤكدها، وان يستخدم الدعاة الجــدد (او الدعـاة من الشبـاب كمـا اسـماهم التـقرير) لتحقيق ذلـك والقـيام بهذا الدور.كما يوصي التقرير ان يستخدم التيار التقليدي والصوفي في مواجهة الاسلام السلفي.ويؤكد التقرير على اهمية الاعتناء الاميركي بالتعاون مع المعتدلين - وفق المفهوم الذي قدمته الدراسة - من العالم المسلم، مع التركيز على الفئات التالية: المفكرين والاكاديميين من التحرريين والعلمانيين.الدعاة الجدد المعتدلين.القيادات الشعبية الفاعلة.الحركات النسائية المطالبة بعدم المساواة.الصحفيين والكتاب والمفكرين.ويرى التقرير ان على الولايات المتحدة ان تحدد مـن يندرج تحت مفهوم الاعتدال الاميركي من هذه الفئات السابقة، وان يتم مساعدة ودعم المؤسسات القائمة لهذه الفئة، وان تساهم الولايات المتحدة بدور قيادي في تكوين مؤسسات اخرى تدعم التيار المعتدل حسب المفهوم الاميركي، وان تساهم في تشجيع تكوين بيئة ثقافية وفكرية واجتماعية تدعم وتسهل وتشجع قيام المزيد من هذه المؤسسات التي تخدم المصالح الاميركية وتواجه التيار الاسلامي.ويوصي التقرير ايضا باهمية التركيز على الاطراف في الصراع مع التيار الاسلامي والبعد عن المركز؛ لصعوبة تحقيق انتصارات حقيقية في هذه المرحلة، وان يتم عكس مسار الافكار الحالي والذي يتحرك من المركز نحو الاطراف.كما يقدم التقرير العديد من النماذج للجهات والاشخاص الذيـن يمكـن ان يـوصفـوا بالاعتـدال، ومـن يمكـن دعمهم او مساندتهم لتحقيق اهدافهم.مقترحات للتعامل مع التقرير، وما يتعلق بالاعتدال: ان هذا المقال المختصر هو مقدمة للتعريف بهذا التقرير الهام، وهناك الكثير من القضايا الاخرى التي اثارها التقرير، والتي يجب ان تتم دراستها وتحديد سبل مواجهتها والتعامل معها في دراسات وابحاث اخرى كما اسلفنا.اعداد رد علمي يتناسب مع الطرح الذي قدمه التقرير فيما يتعلق بمفاهيم الاعتدال، والتحذير من اختطاف المصطلح من قبل انصار التحرر والعلمانية والليبرالية في العالم العربي والغربي على حد سواء.نؤكد على اهمية التعريف بالتقرير وما تضمنه من افكار، والدقة في ترجمة المعاني الواردة فيه، وتفسير اسباب رغبة الاعلام الغربي في عدم الاعلان بوضوح عن صدور هذا التقرير؛ وهل هذا بسبب ما تضمنه من جراة ومقترحات عملية، ام بسبب ان التقرير يقدم خريطة واضحة المعالم بالاسماء الشخصية واسماء المؤسسات التي توصف من قبل معدي التقرير انها (معتدلة) وفق التعريف الاميركي المقترح للاعتدال؟ بيان ان المواجهة الفكرية مع الغرب قد بدات من قبل الغرب، وان المراكز الفكرية تقوم بحشد الاراء والتوجهات والموارد من اجل هذه المواجهة، سواء قبلنا بذلك او استمر بعض منا في الدعوة فقط الى التعايش والحوار.الحث على حماية اطراف الامة الاسلامية اضافة الى حماية مركزها، وهو ما لا يجب ان يترك لانصار الهجوم على اطراف الامة كما يذكر التقرير ويؤكد في اكثر من مكان.نوصي ان يكون الاعلام المتزن والجاد هو احد اسلحة المواجهة الفكرية المضادة للدفاع عن حقوق الامة المسلمة، وان يبتعد ما امكن عن الخطاب العاطفي غير العملي، مع عدم التقليل من دور العاطفة المتزنة والمنضبطة شرعا في تحفيز الهمم وتقوية العزائم والدفاع الصادق عن مصالح وحقوق الامة.نوصي عموم المسلمين ان الولاء الحق لهذه الامة في المرحلة القادمة يقتضي الدفاع عن الاسلام في مواجهة الحملات الهادفة الى المساس به.
|