الاربعاء6/5/2009م الموافق11جمادي
الاول1430هق
في العدد الأخير من مجلة "فورين أفيرز -Foreign Affairs"، كتب زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي السابق في عهد إدارة الرئيس جيمي كارتر، تعليقاً على كتاب ألفه ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية، وصدر بعنوان "حرب الضرورة حرب الاختيار"، استعرض فيه الأفكار التي يطرحها هاس، ومنها تعريفه لحرب خليج الفارسي الثانية بأنها "حرب ضرورة" حيث إنها شنت لتحقيق أهداف إستراتيجية، أما حرب الاختيار فهي غزو العراق الذي قام به جورج بوش الابن، بناء على اختيار وإيمان.
يقول بريجنسكي إن حرب الضرورة هي تلك التي تتحرك فيها الولايات المتحدة رداً على الأفعال الخارجية لدولة أخرى تهدد مصالحها الحيوية. أما حرب الاختيار فهي التي تسعى من خلالها لإحداث تغييرات داخل دولة أخرى.
ويضيف أن الوقائع أثبتت أن نتائج كارثية تمخضت عن الأهداف الطموحة لحرب العراق الثانية. ويرى أنه لو تحول العراق إلى بلد ديمقراطي مستقر لكانت الحرب الثانية عملا ضروريا مبررا، حتى وإن لم يتم العثور على أثر لأسلحة التدمير الشامل.
ويشير بريجنسكي إلى أن هناك الكثير من الأسئلة المتعلقة بأداء أميركا في الشرق الأوسط بعد حرب الخليج الفارسي الثانية ، وانهيار الاتحاد السوفييتي، حيث توفرت على فرصة كبيرة لحل الصراع العربي - الإسرائيلي. إذ سعى بوش الأب إلى ذلك، لكن خسارته في انتخابات العام 1992 ثم اغتيال إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي حالا دون ذلك.
كتاب ريتشارد هاس "حرب الضرورة، حرب الاختيار" يمكن اعتباره دراسة في التاريخ الحديث، ومذكرات شخصية، وأيضاً دراسة في آلية صنع القرار، وهو يستحق قراءة متأنية. والسبب في ذلك ليس فقط لأن مؤلفه شغل ويشغل مواقع حساسة في الحكومة الأميركية، حيث كان مسؤولاً رفيعاً في وزارة الخارجية، كما يشغل حالياً منصب رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ولا لأنه يقدم رواية من داخل أروقة صناعة القرار حول الأمور التي كانت تدور على أعلى المستويات داخل الحكومة الأميركية، والتي أدت، خلال 12 عاماً، إلى حربين كبيرتين خاضتهما الولايات المتحدة ضد العراق فقط، بل أيضاً لأنه يقدم درساً كبيراً حول السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
شارك هاس بصفته عضواً في مجلس الأمن القومي عن الشرق الأوسط، في قرار شن الحرب ضد عراق في فترة حكم صدام حسين العام 1991. فقد ساعد مستشار الأمن القومي آنذاك، برينت سكوكروفت، في تعريف احتلال صدام المفاجئ للكويت على أنه عملٌ عدواني يهدد الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، كما يشكل خطراً على بقاء المملكة العربية السعودية. ويؤكد هاس أن جورج بوش الأب نفسه كان يتبنى تلك النظرة منذ اليوم الأول.
ويتابع هاس أن أحد الأمور التي لعبت دوراً هاماً في بلورة الرد الأميركي تمثلت في الحملة الدبلوماسية المنظمة التي قامت بها واشنطن بهدف حشد الدعم الدولي للضغط على صدام حسين من أجل الانسحاب، والتي تُوِّجت في النهاية باستخدام القوة لإجباره على الانسحاب. وعندما تم اللجوء إلى استخدام القوة، ساهم عددٌ من أهم الدول الأوروبية والإسلامية والعربية؛ بما فيها سورية في الحملة العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة.
وقد تركَّزت تلك الحملة العسكرية، وهي التي يسميها هاس "حرب الضرورة"، على هدف إستراتيجي واضح يتمثل في تدمير القدرة العسكرية لصدام حسين، وطرده من الكويت. لقد كان واضحاً منذ البداية أن هذين الهدفين قابلان للتحقيق، وقد تحققا بالفعل. لم يكن أيٌّ منهما يستند إلى دوافع خارجية، كما أن السياسة التي تم تبنيها عكست حسابات متأنية ودقيقة، حيث فاضلت بين التكاليف الباهظة، التي يمكن أن يخلفها عدم التحرك، والتكاليف الأقل التي يمكن أن تنجم عن عمل عسكري مركَّز. هنا لابد من الإشارة إلى أن الولايات المتحدة قبل حرب العام 1991 كانت تدعم العراق بشكلٍ غير معلن في حربه ضد إيران، كما أنها، حسب قول هاس، لم تعارض لجوء العراق إلى استخدام الأسلحة الكيماوية ضدها. ويشير هاس أيضاً إلى أنه حتى هو نفسه كان يؤيد تمتين وتوسيع العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق. باختصار كانت السياسة الأميركية في ذلك الوقت تُعتبر نموذجاً للواقعية الصرفة.
عادلة وغير عادلة
كان هاس كما يصف نفسه، لاعباً "هامشياً" في القرارات التي أدت إلى الحرب الثانية، التي شُنَّت بعد مضي ما يزيد على العقد. لقد كان في ذلك الوقت مديراً لتخطيط السياسة في وزارة الخارجية، في عهد الوزير كولن باول. لكن نفوذ مكتب تخطيط السياسة تضاءل مع مرور الزمن. ففي الوقت الذي تسلم فيه هاس هذا المنصب، كانت مسؤولياته محصورة بين كتابة خطابات وزير الخارجية، وإعطاء التوصيات أحياناً حول بعض المبادرات السياسية، لكن ما لم يكن في الإمكان أن يحصل على الإطلاق هو أن يُكلَّف بمسؤولية بلورة الإستراتيجية الأميركية الكبرى، مثلما كان يحصل عندما كان جورج كينان مديراً لهذا المكتب في مستهل الحرب الباردة.
حتى باول نفسه لم يكن من الشخصيات الرئيسية في ذلك الفريق المصغر من المسؤولين الذين دأب جورج بوش الابن على استشارتهم في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) فيما يتعلق بصدام حسين وبرنامج أسلحة الدمار الشامل المزعوم. يقول هاس إنه بحلول يوليو (تموز) 2002 كان الرئيس بوش- مدفوعاً بالحرب التي كان أعلنها على الإرهاب- قد قرر شن الحرب ضد صدام حسين مهما كلَّف الأمر. وعندما عبَّر هاس عن هواجسه حيال الذهاب للحرب صدته كوندوليزا رايس، التي كانت مستشارة الأمن القومي في إدارة بوش الأولى، علماً أنه كانت تجمع بينهما علاقة زمالة وصداقة بحكم وجودهما في مجلس الأمن القومي، وأكدت بحزم أنه لا مجال للنقاش في قضية الحرب أو السلام.
لقد بات واضحاً- ورواية هاس تؤكد هذا الأمر بقوة، أن "حرب الاختيار" لم تكن نتاج بحثٍ دقيق، بل كانت اختياراً قائماً على الإيمان الراسخ. فبعد الترويج الكبير الذي لقيته هذه الحرب داخل الإدارة الأميركية من قبل فريق المحافظين الجدد، اتُّخذ القرار بشنها من قبل جورج بوش الابن، الذي كان يميل إلى تبسيط الأمور على الطريقة المانوية (مثلما فعل عندما قسم العالم إلى محور خير ومحور شر). ويتكون الفريق المذكور من: كوندوليزا رايس ونائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائب وزير الدفاع بول وولفويتز، وأيضاً بول بريمر، الذي أصبح فيما بعد رئيساً لسلطة الائتلاف المؤقتة في بغداد.
والأسوأ من ذلك تجلى في ما تضمنته رواية هاس عن النقص الذي اعترى عملية صناعة القرار. فهو (أي هاس) ينوه مراراً وتكراراً إلى ما تعرضت له وزارة الخارجية من تهميش (على عكس ما حصل عندما كانت بقيادة جيمس بيكر خلال الحرب الأولى). في أوائل سنة 2003 قام هاس نفسه بتقديم مذكرة إلى كولن باول يوضح فيها البدائل الممكنة للعمل العسكري، حيث يقول "كنتُ أريد من بوش أن يعلم بأنه كان يوجد أمامه مخرج". لكن المذكرة أُهملت.
وتكتسب رواية هاس مزيداً من الصدقية عندما يعترف بأنه في البداية لم يكن معارضاً لـ "حرب الاختيار"، حيث يقول: أنا نفسي لم تساورني أية شكوك إزاء امتلاك صدام حسين أسلحة الدمار الشامل. وبالرغم من أن هاس كان منزعجاً من الطبيعة الاستئثارية والأحادية الجانب التي اتسمت بها عملية صناعة ذلك القرار، إلا أن هذا الانزعاج لم يكن يشكل هاجساً أساسياً بالنسبة إليه.
هذا الاعتراف الصريح والمثير للإعجاب يُعتبر في صلب التمييز الرئيسي، الذي يركز عليه هاس ويستخدمه كعنوان لكتابه. وحسب قوله، فإن حرب الضرورة (مثل الحرب الأولى على العراق) هي تلك التي تتحرك فيها الولايات المتحدة رداً على الأفعال الخارجية لدولة أخرى، ثم تقرر خوض الحرب عندما تعتبر أن تلك الأفعال تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة. أما حرب الاختيار فهي التي تسعى الولايات المتحدة من خلالها لإحداث تغييرات جوهرية داخل دولة أخرى، ثم تتحدث عن أهداف أخلاقية وأيديولوجية طموحة لتبرير قرارها بخوض الحرب.
الاختيار والضرورة
هنا تكمن المشكلة: أي قرار في خوض الحرب، ما لم يكن في سياق الرد على هجومٍ يُشنُّ ضد الدولة المتخذة لهذا القرار، يكون نتيجة لاجتهاد يتعلق بتعريف كلمة "الضرورة"، والذي يُقدَّم رداً على حدثٍ خارجي ينذر بعواقب سيئة. هاس أيَّد الحرب الأولى بقوة (بحكم "الضرورة" التي نتجت عن غزو صدام حسين للكويت) ولم يعارض الحرب الثانية (بسبب الخطر المزعوم الذي شكَّلته أسلحة الدمار الشامل، التي كان هاس في البداية يعتقد أن صدام يمتلكها بالفعل). من هنا اعتبر هاس في تلك المرحلة أن الضرورة كانت هي المحرك الأساسي في كلتا الحربين.
قبل أن تُعرف نتيجة الحرب، يبقى الفارق بين الضرورة والاختيار ملتبساً. وفي حال لم تُفرض الحرب على الولايات المتحدة عبر الهجوم المباشر، فإن صناع القرار السياسي يكونون ملزمين بتقديم رأي منطقي ( أي اختيار) حول احتمالات القيام بعمل عسكري. لذلك فإن كيفية صناعتهم لذلك القرار تكون في غاية الأهمية، كما أن ميولهم الفكرية والشخصية وتوجهاتهم الأيديولوجية تلعب دوراً من حيث تأثيرها على الاجتهادات التي يقدمونها في هذا السياق.
من الواضح أنه بقدر ما يتم تحجيم تدخل العواطف في هذه العملية والاعتماد بدرجة أكبر على إعمال العقل، بقدر ما تكون النتيجة أفضل. لذلك لا بد من إجراء مراجحةٍ منهجية بين الخيارات المتاحة وتحليل متأنٍّ وفحص دقيق للمعلومات الاستخباراتية (بما في ذلك تكريس اهتمام خاص لما هو مجهول أو غير مؤكد)، ناهيك عن إجراء تقويم دقيق للتكاليف المحتملة والعواقب التي يمكن أن يخلفها قرار الذهاب إلى الحرب على الصعيد الدولي. وأخيراً وليس آخراً ينبغي أن يكون قرار خوض الحرب مستوفياً للوضوح في تحديد أهدافها؛ وقد أثبتت الوقائع أن الأهداف الطموحة إيديولوجياً لحرب العراق الثانية تمخضت عن نتائج كارثية، وذلك على عكس الأهداف الجيوسياسية المحدودة للحرب الأولى.
حين تكون نتيجة الحرب معروفة، يصبح الفرق بين الضرورة والاختيار واضحا تماما. وحكم التاريخ في ذلك نأخذه من القول المأثور البسيط: لاشيء يفشل كالفشل، ولا شيء ينجح كالنجاح. ولو أن حرب العراق الثانية تحولت إلى حرب ناجحة عبر تحول العراق إلى بلد ديمقراطي مستقر بادر فيه العراقيون "المحررون" إلى استقبال الجنود الأميركيين بالشكر وعملوا على محاربة التمرد ضد الجيش الأميركي، لكانت الحرب اعتبرت عملا ضروريا مبررا حتى وإن لم يتم العثور على أثر لسلاح التدمير الشامل.
وبالمقابل، لو أتبِعَت الحرب العراقية الأولى بحرب عصابات طويلة في العراق وأدت إلى انخراط القوات الأميركية في حرب تدوم خمس سنوات لتهدئة الأوضاع، لكان تحرير الكويت اعتبُرِ بالتأكيد خيارا استراتيجيا خاطئا.
من الواضح حاليا أنه في حالة الحرب الثانية، أدت الصدمة الوطنية الناتجة عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) إلى إثارة حملة من الخوف العام تغذيها الديماغوجيا ولغة التحريض ضد (" الفاشيين الإسلاميين" و "الجهاديين" والإرهاب الإسلامي، حسب التقرير) عدا الإشارات المليئة بالخوف من الأسلحة النووية
و "الحرب العالمية الثالثة" التي خلقت أجواء مسمومة ساهمت في دفع مجتمع ديمقراطي إلى الموافقة على حرب لم تكن في البداية تمثل خيارا مرغوبا إلا لقلة من صانعي القرار. إن الرئيس ذاته، كقائد للأمة، تحدث في مرحلة معينة مع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن إمكانية خلق ذريعة لشن حرب يعتقد بشدة أنها ضرورية.
الطريق يمرّ من بغداد
إن انطباعات هاس تفسح المجال أمام عدد أكبر من الأسئلة المتعلقة بأداء الولايات المتحدة خلال العقود الأخيرة فيما يخص تكوين الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وتحديدا الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني المأساوي. كان يمكن لنتيجة الحرب العراقية الأولى أن تكون نقطة تحول نحو سياسة أميركية حاسمة وبناءة أكثر تجاه هذه المنطقة المضطربة. إن تزامنها مع انهيار الاتحاد السوفييتي، جعل الولايات المتحدة الطرف المنتصر في هذا الصراع العقائدي السلمي الطويل. وفي نهايته بدت الولايات المتحدة موضع إعجاب العالم.
في هذه الفترة، يقول هاس، كانت هناك مؤشرات على أن بوش الأب كان مستعدا لتأكيد الدور القيادي للولايات المتحدة عبر وضع حد لهذا الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني التاريخي المرير الذي يدفع المنطقة إلى التطرف. فقد ضغطت الولايات المتحدة على منظمة التحرير الفلسطينية للاعتراف بإسرائيل، كما ضغطت على الأخيرة لوقف الاستيطان. وفي خطاب له أمام لجنة العلاقات العامة الأميركية ـ الإسرائيلية، المعروفة اختصاراً بـ "إيباك"، طالب وزير خارجيته جيمس بيكر بأن تتخلى إسرائيل عن رؤيتها غير الواقعية لإسرائيل الكبرى.
بعد الحرب بوقت قصير، وعلى الرغم من ضغوط الكونغرس، رفض بوش منح ضمانات القروض التي طلبها رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير الذي كان يصر على متابعة بناء المستوطنات في الضفة الغربية. وخلال وقت قصير أيضاً تراجع الإسرائيليون عن دعم شامير في الانتخابات وانتخبوا مَن كانوا يعتبرونه بطل الحرب إسحاق رابين رئيسا للحكومة، وازدادت بذلك "فرص السلام" والتسوية في الشرق الاوسط.
ويشير هاس إلى أن هزيمة بوش في انتخابات 1992 أضعفت الجهود الأميركية في هذا الاتجاه في حين ساهم اغتيال رابين بعد ذلك في حرمان واشنطن من شريك إسرائيلي شجاع وجاد يعمل من أجل "السلام". بعد ذلك جاءت إدارة كلينتون التي كانت مترددة، ولم تقدم أي جهد عملي إلا في الأيام الأخيرة من فترتها الثانية من خلال مؤتمر كامب ديفد الثاني الذي جاء مرتَجَلا ومن دون نتائج حاسمة.
جذور "التطرف الإسلامي"
على الرغم من حذره في هذه المسألة، يشير هاس إلى بعض ما كان يمكن أن يقوم به لو أتيحت له فرصة ثالثة ليكون بين صانعي القرار في الحكومة الأميركية. فهو يعتقد أن السلام الحقيقي يجب أن يوفر الامن للإسرائيليين والعدالة للفلسطينيين. ولهذه الغاية، يجب على الرئيس الأميركي أن يحدد بشكل صريح العناصر الأساسية للسلام الحقيقي والمصالحة النهائية. لقد أدى فشل بوش الأب في هذه النقطة إلى "خارطة طريق" غامضة من أجل السلام تحولت إلى خارطة طريق إلى وجهة غير معروفة. وفي هذه الأثناء أدى تقديم بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي على أنه "رجل سلام" إلى تنفير العرب. وكانت النتيجة تصلبا قاتلا عند كل من الإسرائيليين والفلسطينيين، ما أدى إلى الفشل الأميركي، كما يقول هاس بشكل صريح.
على الرئيس أوباما أن يستخلص درسا مهما من مذكرات هاس التي تتميز بالبصيرة النافذة. فإذا كان الرئيس الأميركي الجديد يريد تجنب الأخطاء التي وقع فيها ليس سلفه الأول فقط، وإنما سنوات كلينتون السلبية الطويلة في الشرق الأوسط، عليه أن يتولى القيادة بشكل فعلي. ومما يجب الاعتراف به أن مهمته سوف تكون أكثر صعوبة بسبب التراث الذي تراكم خلال الـسنوات الست عشرة الماضية، وهي الفترة التي شهدت تحولا حساسا في مقاربة الولايات المتحدة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
فقد تحولت الولايات المتحدة من وسيط حقيقي يعمل على حث الطرفين على صنع السلام إلى تبني موقف التحيز الخجول لصالح أحد طرفي الصراع. وكان في ذلك ضرر كبير لاحتمالات السلام. فمن دون وساطة أميركية فاعلة وحقيقية، أثبت طرفا الصراع أنهما غير قادرين على التوصل إلى تسوية حقيقية.
ومما زاد الحالة سوءا أن التطرف الإسلامي وجد له مكانا لدى عدد متزايد من الفلسطينيين، وعلى الطرف الآخر تشهد السياسة الإسرائيلية في الوقت الحالي مزيدا من التشدد. في الشهور المقبلة، قد يسعى رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى دفع الولايات المتحدة إلى خوض حرب مع إيران في حين يستمر الجدل المخادع حول ضرورة أن يتمكن الفلسطينيون أولا من تحقيق مزيد من التطور الاقتصادي قبل أن يصبح بالإمكان التفكير جدياً بسلام إسرائيلي ـ فلسطيني. إن هذا الطرح المتعلق بالقضية الفلسطينية يهدف في المحصلة إلى إبقاء الأوضاع على ما هي عليه بغض النظر عن الخطر الذي يفرضه الجمود المديد على إمكانية حل الدولتين. وهذه الأخطار تشمل هبات العنف المرحلية والتوسع المستمر للمستوطنات.
في هذه الظروف، يمكن للسلبية الأميركية تجاه الضرورة القبيحة والخيار المؤلم أن تؤذي المصالح الوطنية الأميركية، وتظهر عدم الاهتمام بمعاناة الفلسطينيين، وفي النهاية تهدد بقاء إسرائيل. لقد تأخر الوقت في الشرق الأوسط، وإن لم تنعدم الفرص بعد، لتقوم الولايات المتحدة أخيرا بممارسة الدور القيادي الجريء والمطلوب.
- شغل زبيغنيو بريجنسكي منصب مستشار الأمن القومي في الولايات المتحدة بين 1977 و1981. آخر كتاب صدر له كان بعنوان "الفرصة الثانية: ثلاثة رؤساء وأزمة القوة الأميركية العظمى"
===============================
المصدر : مجلة "فورين أفيرز
|