|
خطة أوباما للانسحاب من العراق واشكالية البقاء |
|
|
|
الاحد 01/03/2009 الموافق 4 ربيع الاول 1430 هق
بعد طول انتظار أعلن الرئيس الاميركي باراك أوباما عن الجدولة الزمنية لسحب القوات الاميركية من العراق، وجاء إعلان أوباما في الخطاب الذي ألقاه في قاعدة ليجون التابعة لمشاة البحرية الاميركية (المارينز) والموجودة في ولاية كارولينا الشمالية.
خطاب أوباما الذي أعلن فيه الانسحاب، كان بحضور كل من وزير الدفاع الاميركي غيتس ورئيس هيئة رؤوساء الأركان المشتركة والأدميرال مايكل مولين وكانت أبرز الخطوط العامة لجدول الانسحاب:
وفيما يلي بعض تفاصيل الخطة التي أعلنها أوباما في كامب ليجون وهي قاعدة لمشاة البحرية الاميركية في نورث كارولينا:
*تنتهي المهمة القتالية الاميركية في العراق بحلول 31 اغسطس اب عام 2010 لكن ستبقى قوة تتراوح بين 30 ألفا و50 ألف جندي لتدريب واعداد القوات العراقية وحماية مشاريع الاعمار المدنية وحماية المشاريع الدولية وأعضاء السلك الدبلوماسي.
*جزء من هذه القوة،ولم يكشف المسؤولون عن حجمه، سيقوم بعمليات لمكافحة الارهاب سواء وحده او مع قوات الامن العراقية.
*وقعت الولايات المتحدة اتفاقية امنية مؤقتة مع العراق حددت 31 ديسمبر كانون الاول عام 2011 موعدا لانسحاب كل القوات الاميركية، وقال أوباما ان الولايات المتحدة ملتزمة بسحب كل القوات الاميركية من العراق بحلول هذا التاريخ.
*قال مسؤولون في الادارة الاميركية ان الجدول الزمني للانسحاب على مدى 19 شهرا ليس قرارا سياسيا وأنه في الحقيقة توصية من وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس والاميرال مايك مولن رئيس هيئة الاركان المشتركة وغيرهما من القادة العسكريين وان رايموند اوديرنو قائد القوات الاميركية في العراق يريد أن يضمن أن يكون لديه ما يكفي من قوات أثناء الانتخابات الوطنية المقررة في العراق في ديسمبر كانون الاول وخلال أحداث هامة أخرى عامي 2009 و2010 .
*ستترك وتيرة الانسحاب ليحددها القادة الميدانيون، لكن المسؤولين أكدوا ان قدرة الولايات المتحدة على زيادة قواتها في أفغانستان (وهو ما تريد ان تفعله)رهن بسرعة سحب القوات الاميركية من العراق.
برغم المزاعم حول شفافية ومصداقية السياسة الاميركية فقد كشف ملف الانسحاب من العراق مدى عدم شفافية أو عدم شفافية عملية صنع واتخاذ القرار في السياسة الاميركية إضافة إلى مدى تعقيدات الترتيبات الإجرائية البيروقراطية السياسية والدور الفاعل الذي تقوم به "الأيادي الخفية" في توجيه عمليات صنع واتخاذ القرار في السياسة الداخلية الاميركية والسياسة الخارجية الاميركية.
o أصدر الكونغرس تشريعاً يشترط على الرئيس بوش الالتزام بجدولة واضحة للانسحاب ولكن تشريع الكونغرس لم يستطع تخطي عقبة الرئيس بوش الذي لم يتردد في استخدام حق الفيتو.
o أصدر الرئيس أوباما قراراً بسحب القوات الاميركية من العراق ولكن هل يستطيع هذا القرار تخطي الكونغرس؟
بكلمات أخرى، التقت جماعات المصالح واللوبيات مستخدمة الأيادي الخفية في تقويض تشريع الكونغرس عن طريق دفع الرئيس بوش لاستخدام الفيتو، والآن الجماعات نفسها ستسعى لاستخدام الكونغرس لإعاقة قرار الرئيس أوباما، وبهذا الخصوص جاءت أولى المعالم الدالة من خلال تصريحات نانسي بيلوسي، رئيس مجلس النواب، الناقدة والمعترضة على قرار أوباما.
تبدو السياسة الاميركية إزاء العراق والشرق الأوسط على مستوى السطح في شكل كونغرس (برلمان) يناقش ويصوت، وبيت أبيض (سلطة تنفيذية) تتخذ القرارات، ولكن هذه السياسة على مستوى العمق تأخذ شكل "شبكة العنكبوت" التي تجمع طريقة عملها بين آلية شباك الصيد وآلية عمل الرمال المتحركة. المعالم البارزة لآليات عمل السياسة الاميركية تشير إلى الآتي:
o توازن القوى داخل الكونغرس الاميركي (سلطة تشريعية) يرتبط بتوازن القوى بين الديمقراطيين والجمهوريين.
o توازن القوى بين الديمقراطيين يرتبط بتوازنات صراع الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي.
o توازن القوى بين الجمهوريين يرتبط بتوازنات صراع الأجنحة داخل الحزب الجمهوري.
تتمثل سخرية القدر والمفارقة المثيرة للانتباه في أن جماعات المصالح التي تؤثر على صراع الأجنحة داخل الحزب الديمقراطي هي نفسها التي تؤثر على صراع الأجنحة داخل الحزب الجمهوري. بكلمات أخرى، فإن التوافق الديمقراطي - الجمهوري داخل الكونغرس الاميركي يرتبط حصراً بتوافق عناصر الحزبين داخل الكونغرس وحصراً المرتبط بجماعات المصالح واللوبيات.
o توازن القوى داخل الإدارة الاميركية (السلطة التنفيذية) يرتبط بتوازن القوى بين الكيانات الرئيسية المكونة للإدارة الاميركية المتمثلة في مجلس الأمن القومي والمخابرات ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية ووزارة الخزانة وهيئة موظفي البيت الأبيض ومكتب نائب الرئيس.. وأخيراً الرئيس نفسه.
قرار الرئيس أوباما بالانسحاب من العراق ، وبرغم أنه يحمل قدراً كبيراً من ملامح "عدم الانسحاب"، نشير إلى أهم النقاط التي تضمنها القرار:
o الإعلان عن انتهاء العمليات العسكرية الاميركية في العراق بدءاً من يوم 31 آب 2010 معناه أن العمليات العسكرية ستستمر حوالي 18 شهراً، أي عاماً ونصف.
o سحب القوات الاميركية وفقاً لبنود الاتفاقية الأمنية المؤقتة بين العراق واميركا معناه:
- أن إدارة أوباما اعترفت عملياً بهذه الاتفاقية، هي التي كانت ترفضها، ولم تتم إجازتها رسمياً في الكونغرس الاميركي الذي يسيطر عليه الديمقراطيون.
- إن التزام أوباما بالاتفاقية يعني أن إدارته ستمضي قدماً في تنفيذ مشروع القواعد العسكرية الاميركية في العراق والتي ستتجاوز الـ40 قاعدة!
o احتفاظ اميركا بعدد يتراوح ما بين 35 إلى 50 ألف جندي في العراق معناه وجود عدد كبير من الجنود إضافة إلى عدد آخر سيتواجد في القواعد الاميركية الـ40.
o تبرير وجود هذا العدد الضخم من الجنود تم على أساس ما يلي:
- مواصلة الحرب على الإرهاب وهذا معناه أن أوباما يمضي في إكمال مشروع الحرب على الإرهاب في العراق والذي بدأه جورج دبليو بوش.
- تدريب القوات العراقية وهو نفس التبرير الذي كان يستخدمه بوش مع ملاحظة أن عدد الجنود الاميركيين يتراوح ما بين 23 و50 ألف جندي يكفي لتدريب 2 مليون جندي، والسؤال هو: كم يبلغ عدد قوات الأمن العراقية التي يخطط الاميركيون لتدريبها؟
o التعاون مع دول الجوار العراقي، وتحديداً سوريا وإيران كما أشار الرئيس أوباما بالاسم، في تحقيق استقرار العراق معناه أن إدارة أوباما ستسعى في نفس مسار بوش الذي طالب سوريا وإيران بلعب دور في استقرار العراق بما يتضمن تحميلهما مسؤولية عدم الاستقرار.
o سحب القوات الاميركية بما ينسجم مع استراتيجية الوجود الاميركي والمناورات مع القادرة العسكريين الاميركيين هو أمر يتضمن جانبين في غاية الخطورة:
- أن سحب القوات يتم بالطريقة التي تنسجم مع استراتيجية الوجود الاميركي في العراق وهذا معناه أن هناك استراتيجية للوجود الاميركي في العراق.
o إن سحب القوات الاميركية يتم بالتشاور مع القادة العسكريين الاميركيين وهذا معناه أن المشاورات سوف تتم حصراً مع:
- الجنرال ديفيد بتراوس قائد القيادة الوسطى الاميركية المسؤولة عن العراق والقائد السابق للقوات الاميركية في العراق إضافة إلى أنه يمثل أحد أكبر المعارضين لسحب القوات الاميركية من العراق.
- الجنرال أودرينو القائد الحالي للقوات الاميركية في العراق.
- الأدميرال مايك مولين رئيس هيئة رؤساء الأركان الاميركية السابقة.
- عدد من كبار جنرالات وزارة الدفاع المشهورين بمعارضتهم لمبدأ الانسحاب من العراق.
وبالطبع ستتم مشاورة كل هؤلاء القادة عبر وزير الدفاع روبرت غيتس المعارض للانسحاب كذلك.
تقول المعلومات والتسريبات أن استراتيجية صقور الإدارة الاميركية الجديدة ستركز على الآتي:
o الاحتفاظ بالمسرحين العراقي والأفغاني بحيث تتم تهدئة المسرح العراقي وإشعال المسرح الأفغاني وصولاً إلى إعادة إشعال المسرح العراقي بعد إعادة تهدئة المسرح الأفغاني.
o الاحتفاظ بخطين متوازيين للجهد العسكري الاميركي يبدأ المحور الأول من الخليج مروراً بالعراق وتركيا وضمن مناطق القوقاز والبلقان وهو الخط الذي يمتد طولياً بمحاذاة غرب إيران. أما المحور الثاني الموازي له فهو الخط المحاذي لشرق إيران والذي يبدأ من الهند ويشمل باكستان وأفغانستان وصولاً إلى آسيا الوسطى.
هذا، وعلى هذه الخلفية نلاحظ أن معايرة قرار أوباما بالانسحاب وفقاً لمعطيات العلم العسكري والاستراتيجي تفضي إلى نتيجة مفادها أن قرار الانسحاب تم إعداده بواسطة العسكريين الاميركيين الرافضين للانسحاب وبالتالي فقد تمت صياغة القرار بما يتضمن المناورة والالتفاف على مبدأ الانسحاب عن طريق:
o المناورة على الخطوط الخارجية، وتضمنت على سبيل المثال إرسال القوات الاميركية إلى أفغانستان.
o المناورة على الخطوط الداخلية وتضمنت التأكيد على الالتزام بالاتفاقية الأمنية المؤقتة والتي وقعت بين العراق واميركا والمشاورة مع العسكريين الاميركيين والحرب ضد الإرهاب وربط موضوع الانسحاب باستقرار العراق وتدريب القوات العراقية.
ونلاحظ أيضاً، أن المناورة على الخطوط الداخلية والخارجية لم تنحصر فقط في المجال العسكري الميداني البحت وإنما انتقلت عدواها إلى المسرح السياسي الاميركي آخذة شكل مناورة الخداع الاستراتيجي وتبدى ذلك واضحاً من خلال الآتي:
o تأييد الجمهوريين لقرار الانسحاب الذي أصدره أوباما وكان اللافت للنظر أن المرشح الجمهوري جون ماكين الرافض مطلقاً لفكرة الانسحاب من العراق قد أعلن تأييده اليوم واستعداده لدعم خطة أوباما للانسحاب من العراق!
o انتقاد الديمقراطيين لقرار الانسحاب الذي أصدره الرئيس أوباما وكان اللافت للنظر أن زعيمة الكونغرس الديمقراطية نانسي بيلوسي كانت في مقدمة المنتقدين الرافضين لخطة انتخاب أوباما!!
الآن، بعد قرار أوباما القائل بالانسحاب من العراق ما زال السؤال الحائر كما هو وبتفاصيله: هل حقاً ستسحب القوات الاميركية بالكامل من العراق؟
|