مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > الولایات المتحده > المقالات والدراسات > إستراتيجية الحرب الأميركية غير النظامية: الميليشيات الجديدة في العالم!
إستراتيجية الحرب الأميركية غير النظامية: الميليشيات الجديدة في العالم! نسخة للطابعة ارسال الی صديق
 
                                                              السبت 7/1/2009م الموافق 6 صفر 1430 هق 

 
 
عندما تعجز "الإمبراطورية الاستعمارية" في الاستمرار على البقاء، وتفقد الوسائل المادية والمالية والنفسية لمواصلة توسعها الإقليمي، وتخاطر بوجودها بسبب الانهيار تحت ضربات ظاهرة "المبالغة في حجم الإمبراطورية"، كما حددها المؤرخ الأميركي بول كنيدي، حينئذ ستتقلص الإمبراطورية بشكل مؤقت، وتعيد تحديد أهدافها السياسية والجغرافية والإستراتيجية العسكرية في العالم. هذا ما حدث مع الإمبراطورية الرومانية، ويبدو أن هذا ما سوف يحدث مع إمبراطورية الولايات المتحدة في ظل إدارة أوباما الجديدة.

وفي سياق الانخفاض الملحوظ في الشرعية الدولية، والتورط في المستنقع العراقي، والسياسة العدوانية المثيرة لإدارة بوش السابقة، التي جوبهت بمعارضة كبيرة من قبل الرأي العام الأميركي والدولي المتصاعد، تواجه الولايات المتحدة برئاسة أوباما أزمة داخلية خطيرة في المجالين الاقتصادي والمالي، وتبدو وكأنها لا تملك القدرة المالية والنفسية للاستمرار في تطبيق خططها العسكرية من أجل "الفوضى المتحكم فيها" أو "الفوضى البناءة" في العراق والشرق الأوسط.

وسعت الإدارة الجديدة، في وقفة إستراتيجية مع نفسها، ومن دون أن تتنكر لأهدافها العدوانية، لإعادة تعريف مفهوم الحرب، والذي يمثل تحولا جذريا في مفهوم الحرب الوقائي، إلى مفهوم الحرب غير النظامي . والغمز الأوبامي في اتجاه المسلمين، والتصريحات التصالحية في اتجاه إيران والقضية الفلسطينية، تصب في هذه الإستراتيجية الجديدة التوافقية.

* الإستراتيجية الجديدة للحرب غير النظامية:

وفي مذكرة توجيهية ذات أهمية إستراتيجية، صادرة عن البنتاغون من 12 صفحة، تم التوقيع عليها من طرف نائب وزير الدفاع، غوردن انغلاند، التي جاء فيها على الخصوص أن "الحرب غير النظامية ـ إستراتيجيا ـ لا تقل أهمية عن الحرب التقليدية"، وتؤكد على ضرورة "تحسين الفعالية (البنتاغون) في مجال الحرب غير النظامية". إذا، مفهوم "الحرب غير النظامية" ضد المسلحين والإرهابيين"، هو في نفس الأهمية، مثل "الحرب التقليدية" بين الدول.

"الحرب الجديدة"، تنطبق على النزاعات التي تشمل أنشطة مكافحة "الإرهاب"، وضد بؤر التمرد، فضلا عن "عمليات الاستقرار" في البلدان "الهشة"، ومن الآن وصاعدا، ستعرف بأنها "مهمة رئيسية". المذكرة التوجيهية دعت أيضا "للحفاظ على قدرات وزارة الدفاع حتى تكون فعالة في الحرب غير النظامية كما هي فعالة في الحرب التقليدية".

ومن بين المهام الموكلة لها في هذه المذكرة التوجيهية، أنه يجب على واشنطن السعي لتعزيز القدرات العسكرية للبلدان المشاركة، ودعم الدول المهددة من قبل المعارضين "غير القانونيين"، أو "خلق بيئة مستقرة وآمنة في الدول الهشة" لمنع تشكيل معاقل المتطرفين.

هذه المذكرة التوجيهية أسست لتحول إستراتيجي، تجسده بالفعل على أرض الواقع قبل تنصيب الرئيس الجديد للولايات المتحدة أوباما، بعد حصر للجهود العسكرية واللوجستية (على ضوء الدروس المستفادة منذ عام 2001) للصراعات في العراق وأفغانستان.

وإعادة التحول، جرى تأكيده في صيف عام 2008 في وثيقة بعنوان "إستراتيجية الدفاع الوطني"، التي وافق عليها وزير الدفاع روبرت غيتس. "في المستقبل، كسب الحرب غير النظامية ضد الحركات المتطرفة والعنيفة، سيكون الهدف الرئيس للولايات المتحدة" حسب ما سطره واضعو هذا التقرير.

وفي مجلة الشؤون الخارجية، والمؤرخة في كانون الثاني / يناير وشباط / فبراير 2009، دافع غيتس عن الإستراتيجية الجديدة، التي لاقت استياء من جانب بعض العسكريين الذين يشعرون بالقلق من احتمال تدهور الهيمنة التقليدية للجيش الأميركي في وقت تتصاعد فيه القوة العسكرية لدول مثل الصين أو روسيا.

"لا ينبغي علينا التركيز على الإعداد لمستقبل الصراعات التقليدية إلى درجة إهمال توفير كل الإمكانات المطلوبة، للفوز على مثل هذه الأشكال من الحروب التي تقودها الآن الولايات المتحدة"، كما جاء على لسان غيتس، موصيا بتكريس ميزانية كافية.

وفي تقرير للقيادة المشتركة للقوات الأميركية حول التحديات العسكرية في السنوات الـ25 المقبلة، نشر يوم الخميس الماضي، حذر من أن الولايات المتحدة من المحتمل أن تواجه مجموعة واسعة من الصراعات. "بحلول 2030، ستجد القوات الأميركية نفسها في حكم المؤكد في قلب المعارك، سواء في حروب نظامية أو في سلسلة من الحروب لقمع التمرد"، كما جاء في التقرير، الذي أشار إلى ضرورة الاستعداد للقتال في كلتا الجبهتين.


* نظرية "مكافحة التمرد" لصالح تهدئة السكان المحليين:

الإستراتيجية العسكرية الجديدة في العراق، والأثر النفسي الذي أحدثه قرار إغلاق معتقل غوانتنامو سيء الذكر، كان له الصدى الأكبر لدى وسائل الإعلام، وهي نتيجة للمراجعة العامة للأخطاء التي ارتكبتها ومن ثم روجتها إدارة الرئيس جورج بوش في حربها ضد العراق، ويقصد منها إشاعة السلام وتهدئة الرأي العام السياسي الدولي، وكذلك مداهنة الرأي العام الإسلامي من خلال إستراتيجية الإغواء المحلية تجاه الشعب العراقي.

وبعد عدة سنوات، والآلاف من الضحايا في وقت لاحق، فإن المناخ مختلف تماما. تصاعد العنف في العراق وأفغانستان أدى إلى التشكيك العميق في مدى فعالية النهج التكتيكي الأميركي المتبع. وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من الميزانية العسكرية التي لم يسبق لها مثيل، والقوات والمعدات التي تم استحضارها للقتال البري، غير أنها فشلت بسبب الكثافة الكبيرة في الإنفاق على الأنظمة المتطورة. ويرى الكثيرون أن النجاح في إسقاط طالبان ونظام الحكم في العراق قد خلق فراغا في السياسة العامة سرعان ما شغله متمردون سياسيون ومسلحون عنيفون، وأن الجهود المبذولة للهجوم على المتمردين على السلطة بمساعدة قوة النيران عزز المعارضة ضد المحتل. وفي يوم 10 كانون الثاني/يناير 2007، أعلن الرئيس بوش إستراتيجية عسكرية جديدة للعراق سماها (الصعود بقوة).

الإستراتيجية الجديدة ليست مجرد زيادة في عدد الموظفين، وإنما تعد في المقام الأول تغييرا من حيث الإستراتيجية والتكتيكات، تقوم على إتباع نهج يركز على السكان المحليين. "العقيدة الجديدة" للجنرال بترايوس، تصر في المقام الأول على حماية المدنيين، والتي ينبغي أن تكون لها الأسبقية على مظاهر القوة. التركيز الآن على الأمن المحلي الذي ينطلق من أرض الواقع، بدلا من التركيز على التكنولوجيا والقوة النارية المفرطة.


* إعادة النظر في عقيدة "وينبرغر" واستخدامها في الهيمنة الأميركية الجديدة:

ومع ذلك، يجب ألا ننخدع، لأنه في هذه المرة، ومع حالة "الوضع الإستراتيجي" القائم، فإن الولايات المتحدة ترمي إلى أخذ زمام المبادرة فيما يسمى "الحروب غير المتكافئة" في المستقبل، على افتراض أنها ليست متورطة فعلا كما هو جاري في أفغانستان، أين تشترك القوات الأميركية، مع حلفائها، دون جدوى حتى الآن للحد من التمرد أو المعارضة المسلحة بشكل واضح. وهذه ليست حربا تقليدية. وبامتلاكها موقع الهيمنة دون منازع، فقد فتحت الولايات المتحدة على نفسها أربع حروب تقليدية رئيسية مع الدول منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، حربين ضد العراق (1991 و2003)، وعلى صربيا (1999) وضد طالبان (2001-2002). وعلاوة على ذلك، لجأت إلى القوة في الصومال (1992-1993) والبوسنة (1995)، وهددت بالتدخل في هايتي (1996).

وخلافا للعديد من التوقعات التي ركزت على وجود العديد من أشكال الترابط، التي تؤدي في النهاية إلى الاختفاء التدريجي للصراعات التقليدية المسلحة الكلاسيكية، يبقى أن الحرب التقليدية بعيدة كل البعد عن الموت أو الاختفاء في هذه الفترة.

إعادة التعريف الأميركي لمفهوم "الحرب غير النظامية"، هو ظاهرة عارضة وعملية لمفهوم "الحرب العدوانية الشاملة" للولايات المتحدة الأميركية التي تعاني من نفاذ المال و"الدافع الهجومي" والشرعية الدولية. وهكذا، فإن نظرية التوازن الهجومي والدفاعي، من المحتمل أن تُمنح الضوء الأخضر، كحافز رئيس لدى الولايات المتحدة لطرح الإستراتيجية "الوقائية" والبدء في مرحلة "الحرب غير النظامية".

وتتوقع إدارة أوباما اندلاع بؤر تمرد جديدة، كما أنها تعمل على إعادة تصنيفها وفق هذه التسمية "حروب التمرد" أو "الحروب الإرهابية"، على أمل تكريس تحالف أميريكا المتورطة في النزاع في أفغانستان.

حروب جديدة قد تكون في حالة اختمار في جميع أرجاء المنطقة الشاسعة من المغرب العربي إلى الفلبين. هذه الصراعات قد لا تتناسب مع ضعف نظرية الهيمنة على جميع المستويات "الهيمنة الكاملة"، التي كانت النظرية العسكرية الرسمية للولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، والهدف من القوة المشتركة في المستقبل، كما أعلن عنها في "الرؤية المشتركة 2020"، التي نشرت في حزيران/يونيو 2000، السيطرة على جميع المستويات، وقدرة القوات الأميركية، التي تعمل من جانب واحد أو بالتنسيق مع الشركاء والمصالح الخاصة المتعددة الجنسيات، على إزالة أي خصم، والسيطرة على أي حالة عبر سلسلة كاملة من العمليات العسكرية" .

استمرار السيطرة يعتمد على الحفاظ على التفوق في التكنولوجيا العسكرية، ولكن أيضا من خلال "المعلومات" العسكرية. وأن نموذج الهيمنة على جميع المستويات، يعني أن القوات الأميركية قادرة على القيام بعمليات سريعة ومتواصلة ومتزامنة في جميع المجالات (الفضاء، البحر، البر، الجو والمعلومات).

في هذا السياق، لا بد من توضيح معنى برنامج "الدفاع الصاروخي"، الذي هو في الواقع عملية غزو عسكري للفضاء. فقد أصبح من الواضح وبشكل متزايد، أن السبب الذي من أجله تنكرت الولايات المتحدة لمعاهدة (ABM) المضادة للصواريخ الباليستية، ليس لمنع الهجمات الصاروخية على أراضيها، ولكن لتسهيل تطوير التكنولوجيا العسكرية الأميركية في الفضاء، وبالتالي التحكم من خلال نطاق التجارب الواسعة في تقنيات الليزر، وتطوير نظام جمع المعلومات المستندة على الفضاء، والقدرة على تدمير الأقمار الصناعية "المعادية"، التي يمكن لها جمع المعلومات الخاصة بها. والتطبيق المباشر لهذه المذاهب في الأرض، وفقا لنظريات زبيغنيو بريجنسكي، يشير إلى أن الهيمنة على منطقة "أوراسيا" خطوة أولى نحو السيطرة على العالم.

وقد ذكر "كين كوتس"، رئيس مؤسسة برتراند راسل ورئيس تحرير صحيفة The Spokesman، أن الولايات المتحدة في عهد أوباما، لم تعد تجد الموارد المادية والمالية الضرورية لتطبيق عقيدة الهيمنة الكاملة، ويبدو أنها تتجه نحو صياغة نسخة ثانية منقحة لعقيدة (Weinberger)، وهي المعروفة أيضا باسم عقيدة كولن باول ضد الإرهاب والتمرد، على أساس مبدأ تبسيط الخيارات والأهداف، وكذا التحليل الأولي للتكاليف وأرباح العمليات.


* سلاح الميليشيات للحرب غير النظامية الجديدة الشاملة:

وإذا أردنا اختصار بضعة قرون من التاريخ الأميركي، ستتضح لنا، المقارنة بين مفهوم الحرب غير النظامية وتشكيل الميليشيات المسلحة، المسؤولة عن العمليات غير النظامية ومكافحة التمرد.

وتاريخ الميليشيات الأميركية، هو امتداد للميليشيات المناهضة للهنود الحمر في بريطانيا الجديدةوالميليشيات البريطانية التابعة لكرومويل، هي المؤسسة التي ولدت أثناء الثورة الأميركية في عهد جورج واشنطن. وتجدر الإشارة إلى أن بعد الثورة الأميركية، أثار قانون وطني بشأن الميليشيات الكثير من المناقشة.

في 1784، قام جورج واشنطن والكسندر هاملتون، البارون فريدريش فيلهلم فون ستوبن وهنري كنوكس، بإعداد خطة لتحسين فعالية ميليشيا البلاد. ويقول هؤلاء إن استخدام الميليشيات في هذه الحالة هي ضرورية وآمنة، وتبرره المسافة التي تفصل بين الولايات المتحدة وأوروبا من خلال ما تمتلكه هذه الأخيرة من جيوش كبيرة وجرارة متدربة من جهة، ومن جهة أخرى، الفقر الجلي في موارد الدولة، غير القادرة على الحفاظ على ديمومة الجيش.

لذلك يبدو أن اليوم مثل الأمس، ولنفس أسباب المال والعتاد، وكذا تراجع في الاحتياط الإستراتيجي، أن الولايات المتحدة تخوض معركة إعادة تعريف الحرب من خلال إعادة تأسيس ميليشيات عالمية مسؤولة عن الحفاظ على "الأمن الأميركي" على الصعيد العالمي والهيمنة على العالم كله، وهي اللعبة الخطرة التي قد ينقلب فيها السحر على ساحره.

ويجب أن نذكر بخبرة الولايات المتحدة الطويلة في تمويل الميليشيات ودعم القوات شبه العسكرية في أميركا اللاتينية: السلفادور مع مجموعة "فرق الموت"، التي ألغيت رسميا في تشرين الأول/ أكتوبر 1979، وفي عام 1954، دربت وكالة المخابرات المركزية الأميركية مرتزقة في هندوراس ونيكاراغوا، الذين أطاحوا، بمساعدة طيران الولايات المتحدة، حكومة (Arbenz). وفي الستينيات، دربت الولايات المتحدة قيادة الجيش الغواتيمالي ضد الثورة. وفي نيكارغوا، قدم الأميركيون الدعم المالي والعسكري لمجموعات الكونترا المتمركزة في هندوراس.

إن الولايات المتحدة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار احتمال خطورة ردة الفعل "الضربة الارتدادية" غير المتوقعة، التي قد تثير آثارا سلبية على التزام الولايات المتحدة في الحروب خارج البلاد.

=====================================
* المصدر : صحيفة العصر


ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement