مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > السودان > التاريخ السياسي > تاريخ السودان
تاريخ السودان نسخة للطابعة ارسال الی صديق
 
                                              بقلم: أحمد محمد عوف
 
 
 
فهرست
1- السودان والإغريق والرومان
2- التفاعل مع شبه الجزيرة العربية
3- السودان قبل التاريخ
4- حضارة المجموعتين الأولى والثانية
5- الأسرة السودانية الحاكمة لمصر
6- السودان في التاريخ القديم
7- السودان في القرن العاشر
8- الغزو المصري التركي 1820
9- ( الحملة الأولى ) الزحف إلى سنار يوليو 1820
10- معركة كورتي نوفمبر 1820
11- اجتياح سـنــار
12- الحملة الثانية - حملة كردفان و دارفور
12-1- واقعة بارة 16 أبريل 1821م
12-2- مقـتل إسماعيل بن محمد علي باشا 1822
12-3- التقسيم الإداري في عهد محمد علي
12-4- الخديوي عباس (48-1854)
12-5- الخديوي سعيد (54-1863)
12-6- إسماعيل باشا الثاني (1863 - 1879)
12-7- الثورة المهدية وحروب الاستقلال
12-8- الواقعة الأولى – أبا 1881
13- واقعة راشد ديسمبر 1881
14- واقعة الشلالي مايو 1882
15 واقعة شيكان – نوفمبر 1883
16 الأمير عثمان دقنه
17-1 تصفية الحكم الأجنبي
17 وفاة المهدي
17-1 الحكم الثنائي 1898 – 1956
18 معركة كرري 2 سبتمبر 1898
19 ود حبوبة
20 السلطان علي دينار
20-1 الطريق إلى الاستقلال
21 جمعية اللواء الأبيض
22 ثورة 1924
23 مؤتمر الخريجين 1938
24 تكوين الأحزاب السودانية 1945
24-1 استقلال الـســــودان
24-2 السودان بعد الاستقلال



يقع السودان بين غرب أفريقيا ودول الشرق مع إتصاله بالبحر الأحمر وإحتلاله شطراً كبير اً من وادى النيل وكونه يربط بين أُروبا ومنطقة البحر المتوسط وأواسط أفريقيا جعله في ملتقي الطرق الأفريقية. وعلي إتصال دائم بجاراته. فنشأت علاقات تجارية وثقافية وسياسية بين مصر والبلاد السودانية منذ الأزل، وكان قدماء المصريين يسمونه" أرض الأرواح " أو " أرض الله " عندما بهرتهم خيراته.
سكن إنسان الجنس الزنجي السودان في العصور الحجرية ( 8000ق م - 3200 ق م). واتخذ أول خطوانه نحو الحضارة. ومن الجماجم التى وُجدت لهؤلاء الناس يتضح أنهم يختلفون عن أى جنس زنجي يعيش اليوم. وكان سكان الخرطوم القديمة، يعيشون على صيد الأسماك والحيوانات بجانب جمع الثمار من الأشجار. أمـا سكان الشهيناب بالضفة العربية للنيل. فيختلفون عن سكان مدينة الخرطوم القديمة، ولهذا تختلف أدواتهم الحجرية والفخارية، وكانت حرفتهم الصيد. وقاموا بصناعة الفخار و استعمال المواقد والنار للطبخ. وبلاد السودان منذ سنة 3900ٌ ق.م. كان العرب يطلقونه على المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا الممتدة من المحيط الأطلنطي غربـاً إلي البحر الأحمر والمحيط الهندي شرقـاً. وحاليا السودان يقع جنوب مصر في الجزء الأوسط من حوض النيل (سودان وادى النيل).
وسكانه خليط من عناصر مختلفة نزحت إليه من دول الجوار. فالجنوب يقع داخل نطاق العناصر الزنجية، وبالشمال توجد سلالة قوقازية.
وفي عهدي الدولة الوسطي بمصر والدولة الحديثة أحتل المصريون جزءاً من السودان كان يطلقون عليه كوش. و أصبحت اللغة الفرعونية هي اللغة الرسمية. ولاسيما بعدما طرد "أحمس مؤسس الأُسرة 18 الهكسوس من مصر. فاتجه إلي بلاد النوبة نحو السودان. وتم الإخضاع التام للسودان في عهد "تحتمس الثالث" عندما إحتله حتي الشلال الرابع. وإستمر الإحتلال لمدة ستة قرون. إعتنق السودانيون خلالها الديانة المصرية وعبدوا ألهتها وتثقفوا بثقافاتها حتي اصبح السودان جزءاً لا يتجزأ من مصر. وكان ملوك الدولة الحديثة يعينون نوابـاً عنهم لإدارة السودان، لإستفادة مصر من موارده وثرواته كالذهب وخشب الأبنوس و سن الفيل و العطور و البخور و ريش النعام و الفهود وجلودها و الزراف و كلاب الصيد والماشية. ولكن بعد إنقطاع الصلة بينهما تلاشت معرفة السودانيين باللغة المصرية ولاسيما أثناء مملكة كوش النوبية حيث ظهرت اللغة الكوشية. وكانت لغة التفاهم بين الكوشيين قبل ظهور الكتابة المروية نسبة لمدينة مروي التي تقع على الضفة الشرقية للنيل شمال قرية البجراوية الحالية. و كانت عاصمة للسودان ما بين القرن السادس ق.م. والقرن الرابع ميلادي. وكانت الحضارات المصرية قد أثرّت في أهل السودان. عندما إزدهرت تجارة الصمغ والعاج والبخور والذهب بين الجزيرة العربية وبين موانئ مصر والسودان والحبشة. وكانت للسودان علاقات مع ليبيا و الحبشة منذ القدم. وفي الأثار السودانية كانت مملكة مروى على صلة بالحضارة الهندية في العصور القديمة. واحتلت مصر أجزاء من السودان في عهد الدولة المصرية الوسطى التي قامت بإحتلال معظمه حتي الشلال الخامس ولاسيما في عهد الدولة الحديثة، وإنتفع المصريون بثرواته ونشروا ثقافاتهم ودياناتهم، وأثرّت الحضارات المصرية في أهل السودان عندما أصبحت بلادهم إقليما من أقاليم مصر. وكان الإغريق يسمون البلاد الواقعة جنوب مصر " أثيوبيا وقال هوميروس عنها أن الألهة يجتمعون في السودان في عيدهم السنوي. وقال ديودورس "أن السودانين أول الخلق على وجه البسيطة، وأنهم أول من عبد الألهة وقدم لها القرابين، وأنهم من علّم المصريين الكتابة.


السودان والإغريق والرومان
وفي العهد المروي كانت العلاقات وطيدة بين البطالسة بمصر والسودانين ولاسيما في عهد "بطليموس الثاني" عندما نشطت التجارة في عهده. كما كانت العلاقـة وثيقة بين كوش واليونانين لدرجة ظهر ثأثير الحضارة الإغريقية في الأثار بمروي. وبعد غزو الرومان لمصر حاولوا الإحتفاظ بالحدود الجنوبية المصرية. ولم يعترف الكوشيون بحق الرومان في إقليم "روديكاشنوش" وبسطوا نفوذهم عليه بإعتباره جزء اً من بلادهم. وساعدوا المصريين الذين ثـاروا علي الرومان عام 39 ق.م عندما ظهر جباة الضرائب لأول مرة في إقليم طيبة. فهددت جيوش كوش سلام الحدود الجنوبية للإمبرطورية الرومانية، حتى قرر الإمبراطور " دقلديانوس "إخلاء منطقة " روديكاشنوس " ونقل الحامية الرومانية من المحرقة إلي أسوان، وأقر دفع أتاوة سنوية لأهل كوش علي أن لا يقوموا بعمل عدائي ضد الفرس بمصر. وقد نجح دقلديانوس في وقف غارات أهل كوش علي حدود مصر. وتبين أثار مملكة مروي العلاقة الوثيقة بين الرومان والكوشيين، ولاسيما في فن العمارة.
التفاعل مع شبه الجزيرة العربية
وكان بين السودان وشبه الجزيرة العربية و الشواطئ العربية و الإفريقيـة صلات قديمة عبر البحرالأحمر. حيث إزدهرت تجارة الصمغ والعاج والبخور والذهب بين الجزيرة العربية من ناحية وبين موانئ مصر والسودان والحبشة من ناحية أُخرى. وقد إتخذ العرب مراكز لهم علي الشاطئ الأفريقي ونزحوا منها إلي قلب أفريقيـا حتى وادى النيل. ومنذ 2000 سنة ق.م. هاجرت قبائل عربية من جنوب الجزيرة العربية إلي الحبشة، وعبر عدد كبير من اليمنيين مضيق باب المندب وإستقر بعضهم في الحبشة، وتحرك البعض الأخر مع النيل الأزرق ونهر عطبرة ووصلوا بلاد النوبة. ويحدثنا "ابن خلدون " عن حملات عسكرية قام بها بنو حمير من اليمن، في وادى النيل الأوسط وشمال أفريقيا. وإستقر بعضهم في بلاد النوبة وأرض البجـة وشمال أفريقيـا.
وكان للسودان علاقات مع ليبيا والحيشة منذ العصور القديمة، وفي الأثار السودانية نجد إتصال مملكة مروي بالحضارة الهندية.
السودان قبل التاريخ
وأظهرت الحفريات الأثرية آثارا سودانية منذ حوالي عام 3100 ق.م. إلي 2000 ق.م. ونجد أن جنسـاً زنجيـاً إتخذ أول خطوة معروفة نحو الحضارة في السودان بصناعة الفخار وإستعماله. ومن الجماجم التى وُجدت لهؤلاء الناس يتضح أنهم يختلفون عن أى جنس زنجي يعيش اليوم. وكان هؤلاءالسكان، وهم سكان الخرطوم القديمة وكانوا يعيشون على صيد الأسماك والحيوانات بجانب جمع الثمار من الأشجار. أمـا سكان الشهيناب فيختلفون عن سكان مدينة الخرطوم القديمة، حيث تختلف أدواتهم الحجرية والفخارية، و كانت حرفتهم الصيد.
حضارة المجموعتين الأولى والثانية
ولا يُعرف شيء عن السودان علي وجه التحقيق ما بين عامي 3800 ق.م. و3100 ق. م، عندما إزدهرت في مصر حضارات ما قبل الأُسر. ولكن توجد قبور في أماكن مختلفة ببلاد النوبة تمثل ثقافة لا تُعرف من قبل ويرجع تاريخها عام 3100 ق.م، ويطلق عليها " حضارة المجموعة الأُولي "، ومن بين آثارها التي وُجدت في هذه القبور الأواني الفخارية والأدوات النحاسية التي أُستوردت من مصر، ويتضح أنها من عهود الأُسر المصرية الأُولى.
وهناك كانت حضارة أُخري تُعرف" بحضارة المجموعة الثانية " تلت ثقافة المجموعة الأُولي. حيث بدأت العلاقات السياسية بين مصر والسودان في عهدهم. وفي عهد الأُسرة السادسة فقد بينت النقوش أنه بدأت صفحة جديدة من تاريخ العلاقات التجارية بين السودان ومصر.
وفي الفترة مـا بين 2240 ق.م - 2150 ق.م ظهرت في بلاد النوبة حضارة تُعرف بثقافة عصر "المجموعة الحضارية الثالثة" التي جاءت مع جنس البحر المتوسط الذي كان يداخله شيء من العنصر الزنجي. و في هذا العصر قامت مصر أيام الأُسرة الثانية عشرة كانت أول محاولة لإحتلال جزء من الأراضي السودانية.فقد تم غزو السودان حتى منطقة سمنة التى بُنيت فيها حصون. و عندما طرد "أحمس" مؤسس الأُسرة الثامنة عشرة الهكسوس من مصر إتجه لبلاد النوبة، وقام بتنفيذ سياسته التوسعية بالسودان. لكن تحقق الإخضاع التام للسودان في عهد " تحتمس الثالث " فاحتل السودان حتي الشلال الرابع وإستمر الإحتلال لمدة ستة قرون. وفي هذه الفترة إعتنق السودانيون الديانة المصرية وعبدوا ألهتها وتثقفوا بثقافاتها حتي صار السودان جزءاً لا يتجزأ من مصر، أمـا إدارة السودان فكان فراعنة الدولة الحديثة يعينون نوابـاً عنهم لإدارة البلاد السودانية. وقد لعب السودانيون دوراً أساسيـاً في حياة مصر الاقتصادية في الدولة الحديثة، فاستفادت مصر من موارده وثرواته من الذهب وخشب الأبنوس وسن الفيل والعطور و البخور و ريش النعام و الفهود وجلودها و الزراف و كلاب الصيد والماشية.
الأسرة السودانية الحاكمة لمصر
والإحتلال المصري الطويل للسودان نبه أهل السودان ليستغلوا تدهور الإمبراطورية المصرية ليحرروا بلادهم، فنجح "كشتـا" ملك كوش في إسترداد بلاده و إقامة عاصمة لمملكتة في نبتـة الواقعة أسفل الشلال الرابع. وتمكن "ابن كشتـا وخلفه " الملك بعانخي (بيا) " من إحتلال مصر وإخضاعها عام 725 ق.م.، وأسس دولة إمتدت من البحر المتوسط حتي الحبشة. و عندما غزا مصر الأشوريون.أجبروا الكوشيين علي الرجوع لداخل حدودهم بعدما حكموا مصر 80عامـاً. وفي القرن السادس ق.م. نقلت كوش عاصمتها من نبتـة إلي مروي. وبعد عصر مروي مرت علي السودان فترة غامضة لا يُعرف أخبارها.فقد جاء البلاد قوم لم يكتشف الأثريون بعد إلي آى جنس ينتمون ويسميهم علماء الأثـار " المجموعة الحضارية ". ويمتد عصرهم من سقوط مروي في القرن الرابع الميلادي إلي ظهور المسيحية في السودان في القرن السادس، ومن أثارهم المقابر التي وُجدت في أماكن كثيرة في شمال السودان. وكانت قد قامت علي أنقاض مروي ثلاثة ممالك نوبية. فكانت في الشمال مملكة النوباطيين التي تمتد من الشلال الأول إلي الشلال الثالث وعاصمتها " فرس". ويليها جنوبـاً مملكة المغرة التي تنتهي حدودها الجنوبية عند "الابواب " التي تقع بالقرب من كبوشية جنوب مروي القديمة، وهذه المملكة عاصمتها " دنقلا العجوز "، ثم مملكة علوة وعاصمتها " سوبا " وتقع بالقرب من الخرطوم. وإتحدت مملكتا النوباطيين والمغرة فيما بين عامي 650- 710 م وصارتا مملكة واحدة. وصلت النوبة قوة مجدها في القرن العاشر الميلادي وكان ملك النوبة المدافع الأول عن بطريرك الكنيسة المرقسية بالإسكندرية. ولما إنهزم " كودنيس " أخر ملك علي مملكة دنقلا " عام 1323 م، إنتهت الدولة المسيحية. بعده صارت البلاد مفتوحة أمام العرب وإنتشر الإسلام بها. ومن أهم مصادر تاريخ السودان ما تركه قدماء المصريين في مصر هناك. فتاريخ الفترة التي تمتد من القرن الثامن قبل الميلاد إلي القرن الرابع الميلادي، نجده في الكتابات التي تركها السودانيون علي جدران معابدهم بالشمال وفي الأهرامات كأهرامات جبل البركل ونوري التي بناها ملوك نبتـة ومروي، والأثار علي ضفتى النيل ما بين وادى حلفا وسنار وفي منطقة بوهين و فرس و عبد القادرو نبتـة ومروي القديمة و فركةو جنوب وادى حلفا و الكوة وبكرمة بمنطقة دنقلة، وفي منطقة جبل البركل ومروي. و الأهرام الملكية في البجراوية و الحصون التى شُيدت في السودان في عصر الدولة المصرية الوسطى و في قرية الشهيناب علي الضفة الغربية من النيل وسوبـا بالقرب من الخرطوم، ودير الغزالة بالقرب من مدينة مروي الحديثة. وفي وادى حلفـا بعمارة غرب، وسيسي " مدينتان محصنتان من الدولة المصرية الحديثة وفيهما معابد بُنيت من الحجر الرملى ".. وبجانب الأثار هناك،توجدعدة كتابات لكُتاب رومان وإغريق وعرب إلا أن معظمها يعتمد علي الإشارة والتلميح كما أن بعضها به كثير من الأوهام.
السودان في التاريخ القديم
يبدأ التاريخ الموثق عن السودان من حوالي 50 قرناً أي خمسة آلاف سنة، ومصادر هذا التاريخ:
النقوش الفرعونية في مصر وبعض جهات السودان.
الهياكل العظمية في المقابر الفرعونية والمصرية والتي تعود للأصل الزنجي و الحامي.
المعدات النحاسية كالإزميل، وحبات الخرز في السودان بالإضافة إلى العاج وريش النعام في مصر مما دل على وجود تبادل تجاري بين البلدين.
في سنة 2750 ق.م هاجم الملك ( سنفرو ) السودانيين وحاربهم وهزمهم رغم استماتتهم في الدفاع بالقسي والنبال، وبلغ عدد أسراه 7000 من الرجال والنساء وكذلك حصل على 200.000 رأس من البقر والضأن. منذ ذلك التاريخ ارتبط التاريخ السوداني بالتاريخ المصري. ومن أشهر الحكام المصريين في السودان الملك ( يونا ) 2423 ق.م. الذي اشتهر بالعدل وحسن الإدارة بالإضافة إلى فتوحاته في السودان كما اهتم بتيسير التجارة والتبادل حتى كثر تصدير العاج، ريش النعام، العطور، اللبان والخشب لصناعة السفن.
ويذكر أن الرحالة ( حارخوف ) تجول في الأراضي السودانية حتى وصل إلى أعالي النيل جنوبا وإلى أقاصي الغرب وحمّل قافلة بمختلف محصولات تلك البلاد النائية مما فتح سبيلاً جديداً بين البلدين. فأصبح السودان بعد ذلك ذا أهمية لمصر إذ أضحى مصدراً للذهب الذي عشقه ملوك وفراعنة مصر. ومن الجدير بالذكر أن العلاقات المصرية السودانية ازدادت وكثر التزاوج بينهم، وتفيد المخطوطات التاريخية أن عائلة الأمير ( أمنمحات = ) كانت مزيجاً، وأن الوزير (أمنحوتب) كانت تجري في عروقه الدماء النوبية. أما في الطبقات الأخرى فمن المحتمل أن يكون التزاوج وصل حداً أبعد من ذلك. في غضون الحقبة التاريخية من 3000 ق.م وحتى 900ق.م توثقت العلاقات الاجتماعية والسياسية وحتى من النواحي الإدارية فقد كان النظام المصري هو النظام السائد في تقسيم المناطق وحامياتها وكان هناك الموظفون ومعظمهم من المصريين وقليل منهم من السودانيين، كما تركت القبائل السودانية تحت زعامة ملوك العشائر ولكن محاولاتهم للانفصال عن مصر كانت تقاوم بشدة. ولجأ المصريون إلى حمل أبناء الزعماء السودانيين إلى مصر كرهائن حيث وجدوا مكانة عالية ونشأة كأمراء المصريين بالإضافة إلى التعليم.
في القرن العاشر ق.م بدأت مصر بالاضمحلال فانتهز السودانيون الفرصة واستقلوا عنها، واصبحوا ملوك النوبة وازدادت سلطتهم تدريجياً وتولوا رعاية الإله المصري آمون، ثم اعتبروا أنفسهم مسؤولين عن البلاد بين البحر المتوسط و أواسط السودان.
وكان من أهم ملوك السودان في عهد استقلاله الملك ( بعانخي ) الذي حكم السودان سنة 751 ق.م. وكان متأثراً بالحضارة المصرية كما كان يدين بديانة آمون. وقد سعى إلى ضم مصر إلى مملكته في السودان فأرسل حملة قوية حوالي سنة 730ق.م على إثر أنباء الفوضى التي دبت في مصر كما ورد إليه أن الملك (تافنخت) – أحد ملوك الدلتا – جهز جيشاً لطرد السودانيين فأرسل إليه (بعانخي) جيشاً قوياً حتى تحصن (تافنخت) في إحدى المدن فخرج إليه (بعانخي) من العاصمة السودانية ( نبتة ). حتى وصل إليه وحاصره بجيوشه لثلاثة أيام، فتمكن منه فدانت البلاد من نبتة جنوبا إلى البحر المتوسط شمالاً للملك (بعانخي). كان الحكم السوداني عهد رخاء وسلام للبلدين عاش فيها ملوك السودان كالملوك والفراعنة المصريين حتى أن دفنهم كان يجري على الطريقة الفرعونية داخل أهرام ولكن هذه الأهرام أصغر حجماً من تلك الموجودة في مصر، ولا تزال بعض هذه الأهرامات موجودة حتى يومنا الحالي.
استمر الحكم السوداني في مصر مدة 80 عاماً. وانتهى على أيدي الآشوريين الذين استولوا على مصر بعد عدة معارك كان النصر فيها سجالا. عقب تلك الفترة انتقلت العاصمة إلى مروي نسبة إلى قربها من السهول والحاصلات الزراعية و الثروة الحيوانية وكانت ملتقىً تجارياً هاماً بين شرقي السودان وبقية أرجاءه. ازدهرت مروي في القرن الثالث ق.م ازدهاراً شديداً حتى أن اليونان اعتبروها من مصادر الحضارة المصرية. واتسعت مروي وكثرت مبانيها وعرفت عند أهلها الكتابة للغتهم الأصلية، إلا أن طلاسمها لم تفك حتى الآن. ازدهرت العلاقة بين السودان واليونان في تلك الحقبة حتى حاول اليونان التغلغل في الأراضي السودانية في إطار توسعهم في الحكم، إلا أن السودانيين ردوهم على أعقابهم وحافظوا على استقلالهم السياسي. وفي أواسط القرن السادس الميلادي تنصر ملوك النوبة عقب الحملات التبشيرية المرسلة من مصر.
السودان في القرن العاشر
وفي القرن العاشر الميلادي كان السودان منقسماً إلى:
مملكة المقرة في الشمال وكانت دنقلا عاصمة لها.
مملكة علوة على النيل الأزرق وعاصمتها سوبا.
مملكة البجة في شرقي السودان ومقر ملكها في هجر.
في هذه الفترة بدأ التداخل بين القبائل العربية إما عن طريق التجارة والتزاوج أو عن طريق الحروب التي غالباً ما تنتهي بانتصار المسلمين وفرضهم للجزية. وفي عهد الظاهر بيبرس تم إرسال حملة للقضاء على مملكة المقرة المسيحية سنة 1276م. وهُزِمَ الملك داود في عاصمته دنقلا العجوز، وكانت تلك الحملة من الحملات القوية حتى انهم استطاعوا أن يقلبوا الكنائس إلى مساجد. فاستمر التدفق العربي جنوباً حتى جاوروا مملكة علوة التي كانت تدين بالمسيحية أيضاً، فاتحد العرب بقيادة عبد الله جماع مع الفونج وهاجموا علوة ودخلوا سوبـــا وخربوها خراباً مشهوراً حتى أُطلق المثل "خراب سوبا". بانتصار الفونج وحلفائهم العرب في 1504 م بدأت أول سلطنة عربية إسلامية في السودان وكان سلطانها هو قائد الفونج في معاركهم "عمارة دونقس" وكان قائد العرب "عبد الله جماع" وزيراً له، وتم الاتفاق أن يكون السلاطين من الفونج والوزراء من العرب. ادخل العرب الدين الإسلامي إلى السودان في الشمال والشرق والغرب والوسط والقليل من المناطق الجنوبية، وادخلوا أيضاً لغتهم التي بدأت تسود البلاد وتختلط بالسودانيين حتى تكونت اللهجة السودانية الحديثة.
بعد فترة بدأت الفوضى تدب في السلطنة كما بدأ الوزراء بالتدخل في أمور السلاطين وزادوا من صلاحياتهم حتى أنهم تحكموا في تعيين السلاطين وعزلهم. كما ظهرت النزاعات القبلية مما أضعف وحدة السلطنة الزرقاء ( سلطنة الفونج ) بالإضافة إلى المعارك مع مملكة الفور على مناطق كردفان سنة 1748 التي أجهدت المملكتين عسكرياً واقتصادياً. ومن أظهر المظاهر في سلطنة سنار (الفونج) هو فقدان الشعور بالقومية السودانية فقداناً تاماً، فان الفونج فشلوا في خلق هذا الشعور بالرغم من أن الفرص كانت مواتية لهم أثناء حروبهم المتكررة مع جارتهم الحبشة ومع الفور. كما أنهم فشلوا في إيجاد جيش وطني وميزانية موحدة للدولة، ومع ذلك ظلت المناطق النائية عن سنار العاصمة دون أن تدعى للمشاركة في حروب السلطنة، كما أن عدم وجود خزينة عامة لم يمكن الدولة من أن تصرف على مرافق الحياة المختلفة، ولعدم وجود هذه المرافق لم يشعر المواطنون بواجبهم تجاه الدولة وبذلك أضحى الشعور بالوطنية السودانية يكاد يكون مفقوداً لفترة طويلة من الزمن ولم ينبعث إلا بقيام الثورة المهدية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
الغزو المصري التركي 1820
بعد استيلاء محمد علي باشا على مصر أراد أن يكون له جيشاً قويا بسبب الأطماع الأوروبية الهادفة إلى الاستيلاء على بلاده وخاصة بعد الغزو الفرنسي لمصر الذي استمر من 1798 ولم ينتهِ إلا بالصلح الذي عقده الفرنسيون مع الإنجليز سنة 1802 ثم حاولت إنجلترا غزو مصر في 1807 لكن المصريين ردوهم. فعمل الباشا جاهداً على أن يوسع رقعة حكمه شرقاً إلى الحجاز، غرباً إلى ليبيا و جنوباً إلى السودان ليضم هذه البلدان تحت إمبراطوريته حتى انه شمل في تهديده الإمبراطورية العثمانية شمالاً. بدأ بأراضي الحجاز فهاجمها في السنوات ما بين 1811 - 1818م وانتصر على السعوديين وبعدها اتجه غربا فأمّنَ حدوده الغربية حتى واحة سيوة سنة 1820.
لم يبقى له سوى تأمين الحدود الجنوبية، إن حملاته ضد الوهابيين شغلته عن ذلك سابقاً حتى أرسل وفداً يحمل في ظاهره الصداقة والمودة إلى سلطان الفونج في 1813 وكانت مهمة الوفد استقصاء الحقائق حول الوضع السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي والحربي. وقد حمل الوفد هدايا إلى السلطان تقدر قيمتها بـ 40 ألف ريال ( كانت العملة السائدة في السودان في ذلك الوقت الريال النمساوي أو الأسباني أو المكسيكي) فرد السلطان الهدية بما يتناسب ورغبات الباشا ولكن أهم ما حمله الوفد في طريق عودته كانت التقارير التي تفيد ضعف السلطنة خاصة والسودانيين عامة بالإضافة إلى خلو السودان من الأسلحة النارية. رغم ذلك تأخر الغزو بعد ذلك عدة سنوات لأن الوهابيين لم تنكسر شوكتهم بعد. أراد محمد علي أن يكون جيشه حديثاً ومجهزاً بأحدث الأسلحة وبنظام وتدريب حديثين، لكنه علم أن جنوده لن يقبلوا هذا النظام بسبب عدم اهتمامهم وبسبب عدم رغبتهم في إطاعة الأوامر. فقرر أن يستجلب الجنود من السودان وكان هذا من الأسباب التي دفعته إلى الاستيلاء على السودان. كان السوداني بقامته العسكرية وشجاعته المعهودة وإخلاصه وطاعته خير ما يطلب وقد كان السودان أيضاً مصدر الجنود في الحضارة الفرعونية. اشتهر السودان منذ القدم بأن أراضيه غنية بالذهب وكان محمد علي في حاجة إليه لإنفاقه على بلاده عسكرياً وصناعياً وحتى زراعياً.
خلال القرن الثامن عشر كانت الحبشة تشكل تهديداً للمصريين والسودانيين بتحويلها لمجرى النيل وخاصة بعد الأنباء التي أشاعت أن الإنجليز و أوروبا عامة مساندة لفكرة التحويل. أراد محمد علي أن يأمن هذا الأمر أيضاً باستيلائه على السودان، بالإضافة إلى ما في ذلك من زيادة للرقعة الزراعية لأراضيه. أراد محمد علي من السودانيين أن يكونوا على مودة مع الوالي لكن الأمر لم يكن كذلك إذ أن المماليك الذين هربوا من مكائده اتخذوا من شمال السودان موطناً لهم بالقرب من مملكة الشايقية، حيث أنشأوا مملكة لهم كانت بمثابة طعنة في ظهر محمد علي، لذلك قرر أن يقضي عليهم خوفاً من أن تزيد سلطتهم ويسيطروا على السودان فيشكلوا خطراً على حكمه. كان محمد علي يرمي إلى استغلال تجارة السودان واحتكار حاصلاتها وتسويقها في السوق العالمية عن طريق مصر. من أهم صادرات السودان آن ذاك : الرقيق، العاج، الأبنوس، ريش النعام والجلود هذا بالإضافة للذهب الذي طالما اعتقد المصريون وجوده في السودان بكميات مهولة، كما أن السودان كان سوقاً جيداً للصادرات المصرية. وإذا حصرنا هذه الأسباب نجدها:
تأمين البلاد ضد الغزو الأوروبي باستجلاب الجنود من السودان. وبزيادة رقعة وعدد سكان بلاده.
الحصول على التمويل لدعم القطاعات المختلفة في مصر باستغلال الذهب والتجارة والحاصلات السودانية.
تامين مجرى النيل المصدر الوحيد لري الأراضي المصرية و زيادة المساحة الزراعية.
وجود المماليك في السودان
بعد عودة الوفد المصري التركي الذي أرسله محمد علي باشا ما لبث أن قدم إلى مصر الشيخ بشير ود عقيد من قرية أم الطيور قرب عطبرة في 1816 وطلب من محمد علي أن يعينه على خصمه ملك الجعليين الذي أقصاه من مشيخته، اعتقد الشيخ أن الباشا سيساعده فأبقاه الباشا واكرم وفادته حتى أعد العدة لفتح السودان وأرسله مع الجيش سنة 1820، ثم عينه شيخاً على شندي في آخر الأمر بعد نزوح المك نمر إلى الحبشة. وأرسل أيضاً جيشاً آخر إلى سلطنة الفور ليستولي على كردفان و دارفور.
( الحملة الأولى ) الزحف إلى سنار يوليو 1820
تولى قيادة الجيش الأول إسماعيل بن محمد علي باشا وضم الجيش 4500 من الجنود فيهم الأتراك والأرناؤوط والمغاربة (لوحظ عدم وجود أي مصري بين الجنود، إذ كان الجيش من المرتزقة الذين تعود الأتراك أن يجندوهم) وتسلحوا بالبنادق و24 مدفعاً. كان الباشا يعلم أن السودانيين يجلون علماء الدين إجلالاً عظيما فأرسل مع الجيش ثلاثة من أكبر العلماء وهم: القاضي محمد الأسيوطي الحنفي، السيد أحمد البقلي الشافعي والشيخ السلاوي المكي، وكان عليهم أن يحثوا الناس على وجوب طاعة الوالي ويتجنبوا سفك الدماء (لحرمتها) ويطيعوا الخليفة العثماني وواليه في مصر.
ما أن ارتفعت مياه النيل في فيضان يوليو 1820 حتى اندفعت 3000 مركبة تشق النيل من أسوان متجهة جنوبا ومثل ذلك العدد من الجمال كان يسير على اليابسة تابعاً للحملة (يوجد عدم تناسق بين الأرقام الواردة عن هذه الحملة وعلى سبيل المثال عدد الجنود لا يتناسب مع عدد المراكب والجمال، لكننا نسرد الأرقام تماماً كما وردت في المرجع). وجد حكام شمال السودان أنفسهم ضعافاً أمام الحملة نظراً لتفرقهم إلى ممالك صغيرة، فسلموا الأمر إلى إسماعيل باشا. أما المماليك فهرب جزء منهم إلى الجعليين وسلم البعض الآخر نفسه إلى إسماعيل.
معركة كورتي نوفمبر 1820
لم يقابل جيش إسماعيل أية عقبة حتى وصل الديار الشايقية الذين اعتزوا بسطوتهم على جيرانهم وثورتهم على الفونج. آثر الشوايقة الخضوع للحكم على أن لا يتدخل الباشا في شؤونهم لكن إسماعيل وضع شروطا كان أهمها هو تسليمهم الخيل والسلاح (الأبيض) وأن يفلحوا الأرض فلم يقبلوا بذلك وعزموا على القتال. بدأ النصر يلوح للشوايقة في بادئ الأمر إلا أنهم سحقوا بعد ذلك تحت وطأة السلاح الناري فانقسموا إلى مؤيد للموالاة بقيادة الملك صبير حاكم غرب الشايقية وإلى المقاومين الذين لحقوا بالمماليك في درا جعل، بقيادة الملك جاويش حاكم عموم الشوايقة في مروي. فمنح إسماعيل مكافأة لكل جندي يقتل شايقياً ويأتي بأذنيه دليلاً وكان من جراء ذلك أن عاد الجنود بعدد ضخم من آذان القتلى والأحياء لكن هذه القسوة محتها المعاملة الحسنة من عبدي كاشف أحد قادة جيوش إسماعيل حين أعاد الفتاة مهيرة بنت الشيخ عبود شيخ السواراب أحد ملوك الشوايقة التي كانت تؤلب الرجال وتثير فيهم الحماس ليستميتوا في قتالهم ضد الغزاة. انضم رجال الملك صبير إلى جيش إسماعيل برغبة منهم فساروا معه لإخضاع بقية الأراضي. وذهب الملك جاويش إلى المتمة حيث المك نمر لكن المك أبى أن يقبل التحالف معه فاتجه جنوباً إلى حلفاية الملوك الذين رفضوا أيضاً فهاجمهم بخيالته ثم اتجه شمالاً ليعلن عن رغبته في الانضمام إلى جيش إسماعيل. بانضمام الشايقية إلى الجيش الغازي كان لهم تاريخ جديد هو التعاون مع الأتراك والمصريين حتى قيام الثورة المهدية. وكانت نزعتهم هي أن يكونوا سادة مع السادة مهما كان الأمر بدلاً من أن يعيشوا كسائر الرعية، وربما كان حبهم للجندية هو أهم دافع لهم على السير في جيش إسماعيل. قرر المك نمر الإذعان للجيش الغازي فانضم للجيش فألحقه إسماعيل بجيشه ليضمن ولائه. وسار الجيش حتى بلغ الحلفايا دار العبدلاب حتى جاء ملكهم الشيخ ناصر بن الأمين خاضعا للجيش فتركه سيداً على بلاده وأخذ ابنه ليضمن ولاء العبدلاب كما جعل من المك نمر ضماناً لولاء الجعليين وكان ذلك في 1821.
اجتياح سـنــار

سار الجيش متجها نحو سنار عاصمة مملكة الفونج فأرسل إسماعيل إلى الوزير محمد ود عدلان الذين كان ممسكاً بزمام الحكم بدلاً من السلطان بادي السادس. وطلب إسماعيل باشا الولاء للخليفة العثماني فكتب له ود عدلان رسالته المشهورة: "لا يغرنك انتصارك على الجعليين والشايقية، فنحن هنا الملوك وهم الرعية. أما علمت بأن سنار محروسة محمية، بصوارم قواطع هندية، وجياد جرد أدهمية، ورجال صابرين على القتال بكرة وعشية".. كان ظاهراً أن ود عدلان لم يكن يعيش واقع عصره إذ أن جواسيسه أخبروه أن الجيش قوامه 186 ألف محارب (نلاحظ أن الجيش المتحرك من مصر كان 4500 جندي).
تم اغتيال ود عدلان بسبب مشاكله مع أبناء عمومته قبل أن يصل إلى اتفاق مع الفور بشأن توحيد الكلمة لمحاربة الغازي. ولما اقترب إسماعيل من سنار خرج إليه بادي السادس (الذي كان شاباً في الخامسة والعشرين) مبايعاً وتنازل عن سلطانه للخليفة في 13 يونيو 1821. هكذا انتهت سلطنة الفونج التي عاشت في ربوع السودان من عام 1504 – 1821م، بدخول الجيش في اليوم التالي دخول الغزاة المنتصرين وهم يقصفون البر ومن خلفهم سار السلطان السابق بعد أن عينه إسماعيل شيخاً على سنار ليجمع الضرائب ويسلمها للإدارة التركية المصرية.
الحملة الثانية - حملة كردفان و دارفور
أرسل محمد علي جيشاً آخر بقيادة صهره محمد بك الدفتردار لضم غرب السودان إلى أملاك مصر. ولقد أمد الكبابيش وهي القبيلة التي تقطن بين مصر والمناطق الغربية للسودان والتي كانت تحمل البضائع من وإلى مصر من تلك المناطق أمدت جيش الدفتردار بما احتاج إليه من جمال لنقل العتاد إلى غرب السودان وكانوا خير دليل لتحديد أماكن الآبار ومناطق المعسكرات. سار جيش الدفتردار عقب انطلاق الجيش الأول وقبل أن يصل إلى الأبيّض عاصمة الفور أرسل إلى سلطانها محمد الفضل ينصحه بالتسليم فرفض. فتقدم الدفتردار إلى كردفان دون أن يعترضه أي معترض فلما علم الوالي خرج بعسكره متجهاً شمالاً إلى بارة ليواجه الجيش الغازي.
واقعة بارة 16 أبريل 1821م
التقى (الغزاة) مع جيش المقدوم مسلم والي كردفان الذي عينه السلطان محمد الفضل، فاندفع جيش الأخير لا يظن سوى النصر (كما فعل الشايقية من قبل) لكنهم تفاجئوا بسقوط الجنود بالرصاص فعلموا أنه لا قبل لهم بعدوهم وهم يحملون السيوف والرماح. وهكذا انتهت واقعة بارة بانهزام الوطنيين وانتصار الغزاة فسقطت كردفان في يد الدفتردار قبل سقوط سنار في يد إسماعيل. لم يحاول السلطان المقاومة بل نزح إلى الفاشر ينتظر تطورات الموقف. لم يسر الدفتردار أبعد من الأبيّض لندرة المياه في تلك المناطق فأعلن محمد علي باشا عدم رغبته في فتح دارفور بل فكر في إخلاء كردفان والتنازل لأحد الملوك ليدفع الجزية إلا أن الدفتردار أقنعه بالعدول فعدل عن ذلك في 1822م.
مقـتل إسماعيل بن محمد علي باشا 1822
بدأت الثورات تظهر في مختلف المناطق بسبب الازدياد المتواصل في الضرائب التي فرضها الأتراك على السودانيين إذ أن الضرائب السنوية للممتلكات كانت تقدر بنصف الثمن. فلما هدأت تلك الثورات بعد أن زاد الولاة في قسوتهم وزادوا في ضرائب الجهات الثائرة إذ أن الجزيرة زيدت ضرائبها من 35،000 ريال إلى 50،000 ريال وكذلك أراضي الجعليين.
وصل إسماعيل باشا إلى شندي في ديسمبر 1822 وأمر المك نمر والمك مساعد بالمثول أمامه وعند حضورهما بدأ الباشا بتأنيب المك نمر واتهامه بإثارة القلاقل ومن ثم عاقبه بأن أمره أن يدفع غرامة فادحة، الغرض منها تعجيزه وتحقيره (1000 أوقية ذهب، ألفي عبد ذكر، 4 آلاف من النساء والأطفال، ألف جمل ومثلها من البقر والضأن) واختلفت المصادر في الأعداد لكن اتفقت في استحالة الطلب. رد المك باستحالة الطلب فأهانه الباشا وضربه بغليونه التركي بإساءة بالغة أمام الحاضرين. حتى أن المك رفع سيفه فأوقفه المك مساعد وتحدث إليه باللهجة الهدندوية (التي عرفوها عن طريق التجارة مع سكان البحر الأحمر) فأبدى المك رضوخه وأظهر خضوعه بأن دعا الباشا إلى العشاء وذبح له الضأن وهيأ له الحرس وأمعن في خدمته وأخبره أن الغرامة ستدفع في صباح اليوم التالي، أثناء ذلك كان الجعليون يطوقون الحفل بالقش من كل مكان مخبرين رجال الباشا أنها للماشية التي ستحضر و قبيل انفضاض الحفل أطلق الجعليون النار في القش فمات إسماعيل ورجاله خنقاً وحرقاً. نتيجة لذلك ساءت معاملة الاتراك أشد الإساءة حتى أنهم قتلوا في إحدى المرات 30،000 من الجعليين العزل، استمر المك نمر في إغارته على الدفتردرا حتى بلغت خسائر رجاله عدداً عظيما فهاجر المك إلى حدود الحبشة حيث خطط مدينة أسماها المتمة أسوة بعاصمة الجعليين في الشمال ومكث هناك عدة سنين حتى مات.
استمر الحكم الدفتردار العسكري للسودان واستمرت المجازر كما أن الجنود الذين لم يتسلموا مرتباتهم لمدة ثمانية أشهر بدءوا بالبطش والنهب ليجدوا متطلبات حياتهم، إلى أن ثار الرأي العام الأوروبي، فأمر محمد علي، الدفتردار بالعودة سنة 1824 محاولة منه إنهاء الحكم العسكري وإرساء نظام إداري أكثر إنسانية.
عند الدخول التركي عينت سنار عاصمة للسودان إلا أن أمطارها الخريفية وكثرت الأمراض فيها اضطرتهم إلى تغييرها إلى ود مدني إلى أن أتى عثمان باشا الذي خلف الدفتردار عقب عودته إلى مصر وأعجب بالمنطقة التي يقترن فيها النيل الأبيض بالأزرق فبنى قلعة ووضع فيها الجند سنة 1824 واتخذها عاصمة له. تلك كانت بداية مدينة الخرطوم التي ازدهرت وسكنها 60 ألف نصفهم من المصريين واليونان واللبنانيين والسوريين وأعداد من الأوروبيين. اهتم خورشيد باشا أيام حكمه 26-1838 بتحسين الخرطوم وإنشاء المنشآت كما شهدت الخرطوم في عهده نوعا جديدا من الحكم إذ امتاز بإشراك السودانيين في الحكم كما عين الشيخ عبد القادر ود الزين مستشاراً له، الذي ساعده بدوره في حل الكثير من مشكلات السودان وأهمها هجرة السودانيين إلى المناطق المتاخمة للحبشة والبحر الأحمر هرباً من البطش والضرائب، فأعفى المتأخرات وأعفى الفقهاء ورجال الدين ورؤوس القبائل من الضرائب فبدأت الوفود بالعودة.
التقسيم الإداري في عهد محمد علي
بعد استقرار الأحوال قليلا في السودان قسم محمد علي البلاد على النظام الإداري التركي إلى 6 مديريات: دنقلا، بربر، الخرطوم، سنار، كردفان وفازوغلي (كما وردت في المرجع). ثم ضمت مديرية التاكا في الشرق فأصبحت السابعة. سنة 1834 أطلق محمد علي اسم الحكمدار لحاكم السودان وأعطيت له السلطات العليا الإدارية، التشريعية، التنفيذية والعسكرية. لكنه غير النظام سنة 1843 لتخوفه من الحكمدار أحمد باشا شركس (أبو ودان) الذي كان طموحا وأراد أن يستقل بالسودان عن طريق فرمان من الباب العالي التركي. واستبدل الحكمدار بالمنظم بعد وفاة أحمد باشا أبو ودان المفاجئة. إلى أن أعاد الحكمدارية للسودان بسبب ضعف المنظم الذي عينه.
الخديوي عباس (48-1854)
اهتم عباس الذي خلف محمد علي باشا، اهتم بالنواحي الإدارية كثيراً وحاول معالجة الرشاوى وأعاد تقسيم المديريات وأدخل الطب الغربي إلى السودان لمعالجة الجنود والموظفين المصريين والأتراك، كما فتحت أول مدرسة لأبناء الموظفين في الخرطوم سنة 1853 على يد رفاعة بك الطهطاوي. وفد نشطت التجارة الأوروبية في السودان في عهده وساعد هو في ذلك بتخفيف القيود المفروضة وكان الكثير منهم يتاجر في الرقيق كما أن القناصل كانوا يتاجرون في العاج فكانوا يبيعون العمال مع العاج فور وصولهم للجهة المستوردة. أيضاً بدأت الحملات التبشيرية للمسيحية في عهده سنة 1848 كما أرسل الكثير من الموظفين والمحاسبين الأقباط (كما فعل محمد علي باشا من قبل)...
الخديوي سعيد (54-1863)
اهتم سعيد برفاهية وترقية الشعب السوداني كما حارب تجارة الرقيق وحاول تحسين النظام الإداري في السودان كما عمد إلى إشراك السودانيين في الحكم و أنشأ الحكومات المحلية وجعل الإدارة غير مركزية لتيسير عمل المديريات وسرعة تنفيذ مشاريعها، فألغى الحكمدارية مرة أخرى (مع الفرق الشاسع في السبب).. كما عزز مكانة مشايخ القبائل وجعلهم ينوبون عن المديرين في جمع الضرائب التي خففها عنهم بعد زيارته للسودان ومقابلته للمواطنين الذين شكوا له ثقل الضرائب على عواتقهم، فتقابل جشع المديرين(الذين اعتبروا السودان منفى لجمع الثروة) مع وطنية المشايخ مما أدى إلى إخفاق النظام اللامركزي الديموقراطي الذي أعطى السودانيين بعض الحق في إدارة وطنهم، فشاهد سعيد هذا الفشل الذي حاق بنظامه الإنساني الديموقراطي قبل وفاته فأعاد الحكمدارية للسودان. وفي سنة 1857 عُين أراكيل بك مديراًً للخرطوم فثار السودانيون على تعيين مدير مسيحي عليهم وطالبوا باستبداله إلى أن أرسل المدير عدد منهم لسجنهم في مصر إلا أنهم أعيدوا إلى بلدانهم.
إسماعيل باشا الثاني (1863 - 1879)
عمد إسماعيل إلى تغيير النظام الإداري كلياً نظراً لكثرة الأخطاء والمساوئ، واهتم بإدخال التعليم فأنشأ العديد من المدارس الابتدائية في المدن الكبرى كالخرطوم و دنقلا،الأبيّض، بربر و كسلا وكانت مفتوحة للسودانيين الراغبين في ذلك بالإضافة لأبناء الموظفين المصريين (هذا إلى جانب الخلاوي التي انتشرت في مختلف بقاع السودان والتي تتفاوت في أهميتها حسب شهرة المشايخ والفقهاء وكان إسماعيل باشا يساعد هذه الكتاتيب بدفع مرتبات شهرية للشيوخ)، اهتم الباشا إسماعيل أيضاً بقطاعي الزراعة والمواصلات (من سكك حديدية، مواصلات نهرية، تلغرافات). كما أراد التوسع جنوبا وغرباً وشرقاً فاتفق مع الرحالة الإنجليزي صمويل بيكر على أن يخضع له حوض و منابع النيل مقابل مرتب سنوي كبير، وكانت تلك بداية دخول الإنجليز إلى السودان الذين كثر عددهم كمسؤولين وموظفين. نجح صمويل في إخضاع مساحة شاسعة من الجنوب تحت حكم الخديوي بعد معارك ضارية مع القبائل في تلك المناطق. إلى أن ترك صمويل البلاد مخلفاً حقد المواطنين بسبب وحشية تعامله، فخلفه الضابط الإنجليزي تشارلز جورج غردون، نجح غردون في مهمته أكثر مما فعل صمويل بيكر لأنه كسب ود العديد من القبائل وحارب تجار الرقيق، إلى أن قام رجل مغامر من أبناء الجيلي وهي منطقة تابعة لنفوذ الجعليين في ذلك الوقت، وهو الزبير رحمه برحلة إلى الغرب، فاختلط مع التجار ودخل معهم واستطاع أن يجمع ثروة بسبب ذكاءه وكون جيشه الخاص إلا أن استولى على منطقة بحر الغزال وكوّن أول ولاية إسلامية هناك وأسقط سلطنة الفور 1874 التي استمر حكمها ما يقارب ثلاثة قرون، أسقطها بمساعدة الحكومة المصرية التي تولت فيما بعد حكم هذه المناطق. تخلى غردون عن منصبه كحاكم على مديرية الاستوائية وعاد إلى بلده فاتصل به الخديوي مرة أخرى واقترح عليه أن يكون حكمدار السودان مضافة إليه الأراضي الجديدة بعد التوسع في الحكم فوافق على ذلك في 1877. عمل غردون على إيجاد طريقة فعالة لمحاربة الفساد في الحكومة ومحاربة تجارة الرقيق، إلا أنه واجه العديد من الثورات منها تلك التي أقامها الزبير باشا لأنه فتح المنطقة الغربية من ماله الخاص ولم تعوضه الحكومة المصرية عن ذلك، بدأ بتأليب الفور عليهم ليحاولوا إعادة سلطنتهم فخرج السلطان هارون بجيش في أوائل 1879 من جبل مرة فتواجهوا مع قوات لحكومة وقُتل السلطان وهزم جيشه و بذلك أخمدت تلك الثورة. اضطربت أفكار غردون بعد أن اصبح حكمدار السودان وكانت تجارة الرقيق ومحاربتها هي شغله الشاغل فأراد أن يقضي عليها في أقصر وقت ممكن لكن الرقيق في البيوت السودانية لم يرغبوا في ترك أسيادهم فاتفق غردون مع الملاك على أن يسمح لهم بتملكهم مدة 12 سنة وأن يكون للحكومة الحق في التدخل في شؤونهم إن دعت الحاجة وأعطى كل منهم مستندات تفيد ذلك وسجل أسماء وأوصاف الرقيق لضمان عدم التلاعب في القرار. اضطربت بقية الأحوال في عهده وارتفعت الضرائب وساءت الإدارة.
الثورة المهدية وحروب الاستقلال
ولد السيد محمد احمد بن عبد الله المهدى في لبب إحدى الجزر المجاورة لدنقلا في 1844، كان شغوفاً بالعلم الشرعي منذ صغره، رغم أن والده وإخوانه اشتغلوا ببناء المراكب، فالتحق بعدة خلاوي بدأها بكرري ثم الخرطوم ومن ثم عاد إلى الشمالية، وضع محمد احمد رغم حداثت سنه أسسا للحياة وكان يحاسب نفسه في كل صغيرة وكبير فنشأ هكذا حتى إذا ما بلغ شبابه تاقت نفسه إلى التصوف، فالتحق بأحد شيوخ الطريقة السمانية (محمد شريف نور الدائم) في 1861، وعمل على الالتزام بنهج المصطفى في كل صغيرة وكبير فكان يحمل الحطب لأصحابه كما عاونهم في حمل اللبنات عند البناء وكان كثير التهجد والبكاء حتى عجب منه شيخه وزملائه، وامتلأ قلبه إيماناً وورعا ونسكاً فرضي عنه شيخه فمنحه الأستاذية بعد 7 أعوام من الدراسة، بعد ذلك انتقل محمد احمد إلى الجزيرة أبا فوجد فيها غاراً فالتجأ إليه وأخذ يتعبد الله في هذا الغار وبعد أن أخذ نصيبه من الخلوة والخلود لذكر الله جعل وقته للتعليم فاشتهرت مدرسة ذلك الشاب الورع وحمل الناس إليه الهدايا لينفقها على تلامذته وتبركوا بزيارته وسكنت نفوسهم برؤيته لصلاحه وتقواه. لم تنقطع صلات محمد احمد بشيخه محمد شريف فكان يزوره كلما سنحت الفرصة وفي إحدى زياراته رآه يسمح للنساء بتقبيل يده فهاله الأمر وأفصح عما في ضميره طالبا منه الاعتراض على تلك العادة، ثم ما لبث أن رأى أستاذه يسمح بالطبل والغناء في احتفال لختان أنجاله، فاعترض عليه فتسبب في حرج لأستاذه فاستشاط الشيخ غضباً على تلميذه، ولم تفلح محاولات محمد احمد في الاعتذار وطلب العفو.
علم محمد احمد أن طريقه إلى إعادة الإسلام إلى سيرته الأولى يتطلب منه أن يحتل مركزاً دينياً مرموقاً فذهب للشيخ القرشي خليفة الطريقة السمانية في ذلك الوقت وجدد البيعة ومن ثم اتجه إلى الغرب يزور رجال الدين هناك وكان الناس يلقونه بالحفاوة فقد عرفوا فيه التقوى والورع. ما لبث الشيخ القرشي قليلا حتى مات فاشترك تلاميذه في دفنه وأقاموا عليه قبة كما جرت العادة في البلاد عندما يموت مشايخ الصوفية، وهناك أثناء الدفن التقى برجل يدعى عبد الله التعايشي، كان عبد الله مأخوذا بشخصية محمد احمد وعلمه وكان هو الآخر مأخوذا بذكاء عبد الله رغم قلة علمه، أصبح الاثنان صديقان وأخذه محمد احمد معه إلى جزيرة أبا وهناك أسر الشيخ إلى تلميذه وصديقه أنه أصبح يرى الرسول وهو يقظان وأنه أخبره أنه المهدي المنتظر كان ذلك في مارس 1881 ما يوافق ربيع الثاني 1298 هـ وكانت نهاية القرن 13 الهجري، كما فعل النبي أخبر المهدي أصحابه وخاصته وأهل بيته وأسر أيضاً إلى خاصة تلاميذه وبايعه تلاميذه على نصرة المهدية ومنذ ذلك الوقت سمي كل من ناصره بالأنصار كما سمى النبي أهل يثرب عندما بايعوه.
رأى المهدي (جرت العادة أن يسمى محمد احمد بالمهدي بغض النظر عن الإيمان بكونه المهدي المنتظر أم لا) أن يجدد زيارته لكردفان وكان يرى فيها خير مكان لنشاط ثورته وهناك أسر لرجال الدين بأمره بدأ المهدي بالجهر لدعوته بعد عدة أشهر وكان يأمر بالجهاد واتباع سنة المصطفى (ص) فكتب إلى كل الفقهاء وزعماء القبائل كما كتب للحكمدار في الخرطوم ونصحه أن يبايع، أرسل الحكمدار أحد معاونيه للمهدي ليتبين الأمر لكن جهوده لم تفلح في أن يوقف الرجل عما بدأه، فهدده بقوة الحكومة لكنه لم يرضخ.
الواقعة الأولى – أبا 1881
جهز الحكمدار جنوده لقتال المهدي تحت إشراف أبو السعود الذي أرسله من قبل إلى المهدي نزل الجنود إلى جزيرة أبا واعتقدوا أن مجرد ظهورهم سيرد المهدي عن أمره لكن المهدي باغتهم بالهجوم مع رجاله بأسلحتهم البسيطة، فقتل معظم الجنود وفر البقية عائدين إلى الخرطوم حاملين معهم نبأ أول هزيمة للحكومة منذ الاحتلال المصري التركي، وكانت الواقعة في 17 رمضان وهو التاريخ الذي يوافق واقعة بدر التي كانت أول انتصار للمسلمين في عهد النبي عليه السلام.
واقعة راشد ديسمبر 1881
راشد بك أيمن كان مديراً على فاشودة وكانت جبال النوبة التي لجأ إليها المهدي بعد المعركة الأولى جزءاً من مديريته، أراد راشد أن يفاجئ المهدي بهجوم سريع لكن أثناء تحركه مع جنوده الـ 420 رأتهم سيدة تدعى رابحة الكنانية وكانت من مريدي المهدي فأسرعت إليه تواصل الليل بالنهار حتى أبلغته، فباغت المهدي راشد ورجاله قبل أن يصلوا إليه ولم يصبح الصبح حتى صار راشد بك جثة هامدة ومن حوله جثث جنوده إلا من فر منهم ليبلغ الخرطوم بالمجزرة.عزز هذا النصر اعتقاد الناس بالمهدي إذ اعتبروا ما حدث معجزة، هذا بالإضافة إلى أن مدير كردفان حاول الهجوم أيضاً لكن صوت الطلقات التي كان يطلقها رجال المهدي ليلا أرهبه فهرب بجنده فاعتبر الناس هذه من الكرامات أيضاً. أرسل الحكمدار إلى مصر لطلب المدد لكن مصر أيامها كانت مشغولة بالثورة العرابية ولم يستطع أحمد عرابي إرسال أية إمدادات إلى السودان لتخوفه من هجوم الإنجليز في أي وقت، هكذا حصل المهدي على مزيد من الوقت لمضاعفة قوته وزيادة أتباعه.
واقعة الشلالي مايو 1882
أرسل الحكمدار 6000 جندي بقيادة يوسف باشا الشلالي وانضمت إليه كتائب من الأبيّض، أرسل المهدي إليهم 2 من أتباعه إلا أن الشلالي أمر بتقطيعهم حتى الموت، وعندما وصل الشلالي إلى قدير المنطقة التي يقيم فيها المهدي بدأت المعركة في الصبح الباكر والتحم الجيشان ولم تنتهي المعركة إلا بانتهاء جيش الحكومة، وكان هذا هو النصر الثالث للمهدي وحصل في هذه المعركة على الكثير من العتاد والأسلحة النارية بسبب كثرة الجيش.
واقعة شيكان – نوفمبر 1883
أرسل الخديوي توفيق جيشاً إلى السودان لمعالجة الوضع هناك وعين سليمان نيازي قائداً اسميا للحملة بينما كان الضابط البريطاني هكس كان هو القائد الفعلي لكن خوفاً من أن يثور المزيد من السودانيين بسبب تعيين رجل مسيحي قائداً لهم كان سبب في هذه المراوغة. بدأت الحملة بداية طيبة إذ أنها صدت هجوم الثوار في الجزيرة، سارت القوات باتجاه الأبيّض وقوامها 8600 من المشاة و1400 من الفرسان، هربت كل القرى الواقعة على طريق الأبيّض خوفا من الحملة وردمت آبار المياه، إلا أن بلغ الجيش موقع شيكان (30 ميلاً من الأبيّض) وهي منطقة تكثر فيها الأشجار، اختبأ رجال المهدي خلف الأشجار وأخذوا يطلقون النار على الجيش لإرهابهم ولما بدأت الفوضى تدب في صفوف الجيش أمر المهدي أتباعه بالهجوم، فقتلوا قادة الجيش وأبادوا الحملة عن آخرها ماعدا 200جندي كانوا أسرى في أيدي الأنصار. انتظر مديرو المديريات انتصار حملة هكس، لكن رجائهم خاب عندما وردتهم الأنباء، أعلن سلاطين النمسوي مدير دارفور إسلامه عندما شاهد الكم الهائل من التعاطف الديني مع المهدي وسلم حاميته في ديسمبر 1883. وفي بحر الغزال شجعت انتصارات المهدي القبائل من الدينكا والنوير على الانضمام إليه فبايعوه وعادوا ليطردوا لبتون مدير المنطقة. ورأى لبتون أن يفعل كما فعل النمسوي فأعلن إسلامه وأسمى نفسه عبد الله ثم سلم المديرية في أبريل 1884. بعد ذلك انشغل المهدي بالمعارك مع أعدائه من السودانيين وأرسل إلى مديرية خط الاستواء لكن أمين بك رفض التسليم وطلب المدد من مصر، إلى أن بلغه أن مصر ستسحب جميع قواتها من السودان، رفض جنود أمين بك الإطاعة إلا أن وصل أمر من الخديوي في أكتوبر 1888 بالإخلاء عن طريق زنجبار فأمر أمين رجاله فأبوا واحتجزوه لكن عندما وصلتهم أنباء زحف جيش المهدي إليهم آثروا الهروب فانسحبوا في ديسمبر 1889م.
الأمير عثمان دقنه
المولود في 1840، في روابي جبال البحر الأحمر. بدأ عثمان بإثارة السكان في سواكن حتى قبض عليه الاستعمار وألقي في السجن لبعض الوقت، ولما خرج انقطع للعبادة سنة فصامها كاملة ثم خرج يمني نفسه بقرب انتصار الشعب السوداني. بايع عثمان دقنه المهدي عقب استسلام الأبيّض وعينه المهدي أميراً على شرق السودان لما لمح فيه ثورياً ممتازاً، وقام عثمان بأول هجوم له على سنكات في أغسطس1883 لكن محاولته لم تنجح وعمد مع رجاله إلى قطع خطوط التلغراف بين سواكن وكسلا ، ثم حاصروا سنكات حتى انتصارهم في فبراير 1884. وهاجموا عدة مواقع واستولوا على كثير من المناطق. لكنه لم يتمكن من الاستيلاء على سواكن بسبب وجود البواخر البريطانية في البحر التي عمدت إطلاق المدافع على دقنه ورجاله. كما أنها كانت معقلا من معاقل الختمية والتي لعب خلفاء السادة الميرغنية دوراً هاماً في تخذيل الأهالي من الانضمام إلى دقنه والثورة المهدية عموماً. إلى أن وصل أحد مشايخ الختمية وهو " محمد سر الختم الميرغني " الذي كتب إلى جميع العربان بأن سيد الوجود عليه الصلاة والسلام قلده وظيفة إطفاء هذه الحركات .. لكن عثمان نجح رغم ذلك في إجلاء البريطانيين ورغم عدم وصول الإمدادات من القيادة المهدية.
تصفية الحكم الأجنبي
غادر غردون مصر في يناير1884 للإشراف على الانسحاب المصري من السودان. وأعلنت بريطانيا أنها لن تقف في طريق شعب يريد الحرية وهاهو غردون يسير لمساعدة السودانيين في طرد الحكم المصري من السودان. دخل غردون الخرطوم في 18 فبراير. وفي مايو هاجم الشيخ محمد الخير أحد أساتذة المهدي ومبايعيه، بربر (الرابطة بين الخرطوم ومصر) وانتصر على الحامية فيها وقطع الاتصالات بين مصر والخرطوم (غردون) ومن ثم حوصرت الخرطوم، وجاهد غردون ليرفع الحصار دون جدوى. فأصبح غردون في عزلة تامة عن كل العالم. حتى أرسلت الحكومة البريطانية جيشاً لإنقاذ غردون في أغسطس 1884، تكون الجيش من 10000 جندي تحرك باتجاه الخرطوم عن طريق حلفا واستولى في طريقه على المتمة، وعندما وصلت أنباء المتمة إلى المهدي اجتمع مع القادة وقرروا أن يهاجموا الخرطوم قبل وصول الإنجليز وبالفعل في 26/1/1885 سقطت الخرطوم في أيدي الثوار وقتل غردون بأيدي الأنصار ولما علم المهدي بأمر مقتل غردون تأسف عليه، إذ كان ينوي إعادته كسائر الأوروبيين. عادت الجيوش البريطانية إلى شمال الوادي وزحفت جيوش الأنصار إلى الشمال وتمكنت من الهيمنة على كل السودان. بسبب فشل الإنجليز في إنقاذ غردون قاموا بمهاجمة شرقي السودان لكن عثمان ومن معه صدوهم ثم عاودا للهجوم وكان النصر حليفهم إلا أن قررت الحكومة البريطانية سحب قواتها كلياً من السودان. هكذا أقام المهدي أول دولة سودانية يحكمها أبنائها، استقر المهدي في أم درمان ونظم شؤون دولته وقضى على بقية الحاميات المصرية وعلى المتمردين الطامعين في الحكم.
وفاة المهدي
قبيل رمضان 1302هـ أعلن المهدي أنه يريد الاعتكاف للعبادة في شهر رمضان وأنه لا يريد أن يفسد خلوته الدينية بأمور الدنيا طيلة ذلك الشهر، ولم تمض أربعة أيام على اعتكافه حتى أصيب المهدي بمرض لم يمهله طويلاً فانتقل إلى جوار ربه يوم الجمعة السادس من رمضان الموافق 26 يونيو 1885م. كان المهدي شخصية فريدة سواء فيما تعلق بترويض النفس أو تأثيره على غيره من الناس، شغف بالعلم والتقوى والتصوف والورع فقد قبل أصول الدين بطبيعة إسلامه إلا أن رأيه أن أئمة المذاهب الأربعة إنما قاموا بتوصيل الإسلام إلى من بعدهم وهم يشكرون على ذلك ولكن علمهم قد انتهى (زمنه) الآن إذ أصبح مذهب المهدي هو اتباع الكتاب والسنة. وان قل الإيمان بالمهدي في القرن العشرين كمهدي جاء لنصرة الدين فإن مكانته القومية وزعامته الوطنية مازالت سامية في نفوس السودانيين جميعاً، وتعتبر ثورته الحد الفاصل بين عهد القبلية وبزوغ عهد القومية السودانية.
بعد وفاة المهدي خلفه الخليفة عبد الله التعايشي إذ كان نائبه ورفيقه في حياته حتى سماه المهدي الخليفة صديق أسوة (بالصحابي) أبي بكر.
بعد ذلك بدأت المشاكل تدب في عروق الدولة المهدية إذ طالب الأشراف بالخلافة كما ثارت العديد من المناطق ضد حكم الخليفة وأضحت البلاد فريسة سهلة للأطماع الإنجليزية والفرنسية والإيطالية التي بدأت تنظر إلى هذه المنطقة من أفريقيا لضمها إلى بقية مستعمراتها هناك، كما أن مجاعة سنة 6 المشهورة لم تعط الدولة الجديد أية فرصة للقيام بأي شيء، إذ قلت الأمطار في خريف 1888 (1306هـ) فلم يتمكن الأهالي من زرع الحبوب كما زاد الحالة سوءاً أن أكثر القوى البشرية اشتغلت بالجهاد فلم يلتفت الناس إلى زراعتهم كما كانوا يفعلون من قبل، كانت وطأة المجاعة ثقيلة فأصابت الكثيرين وقتلتهم وأفنت بيوتاً بأكملها في كل مدن السودان. تكالبت الظروف على الدولة المهدية فكانت المجاعة من جهة وثورة الأشراف من أخرى والحرب مع الإنجليز في سواكن بقيادة الأمير دقنه التي بدأت مجدداً والحروب مع الحبشة كذلك. بدأت النوايا البريطانية تظهر شيئا فشيئا حتى سمحت الظروف الدولية للإنجليز باحتلال السودان فتقدموا من مصر جنوباً ودخلوا في عدة معارك مع السودانيين كان من أبرزها: معركة كرري.
الحكم الثنائي 1898 – 1956
معركة كرري 2 سبتمبر 1898

وصل الجيش الإنجليزي بقيادة كتشنر إلى كرري وكان الخليفة آن ذاك في تلك المنطقة ينتظر قدومهم وعندما بدأت المعركة كان النصر حليف حَمَلَة المدافع والرشاشات الحديثة فسقط جيش الخليفة صفاً تلو الآخر أمام هذه النيران حتى تأكد لهم عدم جدوى مجابهة هذه الأسلحة فتقهقروا فعزم الإنجليز على قطع خط عودتهم لكنهم وجدوا أنفسهم في كمين أعده الأمير عثمان دقنه فقتل منهم العديد من الفرسان وأثار الرعب في قلوبهم فتوقفوا لينتظروا الإمدادات. بينما كان الخليفة يقاتل في كرري دخلت بواخر الإنجليز أم درمان فقتلوا وخربوا ونهبوا ما وجدوا في طريقهم وعند وصول كتشنر إلى أم درمان في 18-9-1898م، فَجّرَ قبة المهدي وأخرج الجثة وقطع رأسها وأرسله إلى المتحف في لندن، وشهدت البلاد بربرية لم يشهدها العالم منذ العصور المظلمة. هكذا سقطت الخرطوم تحت وطأة الاستعمار، ورفع العلمان الإنجليزي والمصري في سراي الحاكم العام. وسمي وطننا "السودان الإنجليزي المصري". وضع اللورد كرومر أسس النظم الإدارية في السودان، فجعل السلطة في يد الحاكم العام الذي يعينه الخديوي بترشيح من بريطانيا، وأعيدت المديريات إلى سابق عهدها، فلم يختلف النظام الإداري الجديد عن سابقه. فقد كان الحاكم العام دائماً إنجليزياً وكذلك المدير والمفتش أما وظيفة المأمور ونائبه فكانت للمصريين، في أول العهد كان الموظفون من ضباط الجيش ولكنهم ما لبثوا أن استبدلوا بخريجي الجامعات حتى لا يكون شكل الحكم عسكرياً، وأطلق عليهم أعضاء الخدمة السياسية السودانية. تطور النظام الإداري في السودان مع مرور الزمن كما أدخل القضاء في 1899 وكذلك القوانين الجنائية، التي وضعت على غرار القوانين الهندية التي وضعتها بريطانيا وإلى جانب القضاء الجنائي والمدني عين عدد من القضاة الشرعيين من مصر و السودان. عقب ذلك تطور اقتصادي وزراعي في البلاد فأدخلت الطلمبات للري وبدأ مشروع خزان سنار في الظهور كما زرع القطن في الجزيرة وبقيت مشكلة المواصلات حتى تقرر إنشاء خط حديدي يربط سواكن بعطبرة. وازدادت التنمية التجارية وزيادة الدخل الحكومي ولم تشذ سوى سنوات الأزمة المالية العالمية 29-1930. وسبقه العجز في ميزانية الحكومة إلى أن قامت مصر بتغطية هذا العجز بضغط من بريطانيا. احتاجت الحكومة عدد من الموظفين والمحاسبين فرأت ضرورة إعادة التعليم، فأنشأت مدراس عدة. كما أن كتشنر أنشأ كلية غردون التذكارية تخليداً لذكرى القائد البريطاني في 1902 كما بدأت المعاهد الفنية والصناعية في الظهور والانتشار، أما التعليم في الإقليم الجنوبي فقد ترك للإرساليات المسيحية حتى سنة 1926. تطور التعليم بشكل ملحوظ فأنشأت المدارس الأولية والوسطى والثانوية، وأدخلت كليات الطب والهندسة والبيطرة والآداب والزراعة في 1926.
ود حبوبة
بقيت بعض القلوب المؤمنة بالمهدي ومن بينها قلب عبد القادر محمد إمام ود حبوبة أحد المخلصين للمهدية وكان من أبناء قبيلة الحلاوين التي استغلت الحكومة أراضيها لزراعة القطن، فبدأ في تأليف قلوب الناس، وفتح داره ينفق على الأنصار والساخطين على الحكومة حتى علم المفتش بما يقوم به ود حبوبة، فاستدعاه فرفض المثول أمامه وأتى المفتش والمأمور إلى مقره فقتل أنصاره الرجلان فأرسلت الحكومة قوة للقبض عليه وتم إعدامه شنقاً في مايو 1908م.
السلطان علي دينار
ظل غرب السودان مقراً للحركات المناوئة للحكومة، حتى منذ أيام محمد علي باشا استعصى فتح هذا القطاع من السودان، حتى فتحه الزبير باشا الذي ما لبث أن انضوى تحت التاج المصري بعد سخطه وغضبه علية، ثم أصبح الغرب مديرية من مديريات السودان حتى أيام المهدية وفي عهد الخليفة التعايشي كان علي دينار مسؤولاً عن إدارة شؤون دارفور باسم الخليفة، لكن الخليفة كان يشك في ولائه للمهدية، وتأكدت شكوكه عندما انفصل عن الدولة في ظل الهجوم الإنجليزي على السودان والفوضى التي حدثت. في البداية تعاون السلطان مع الحكومة الثنائية بدفع الجزية مقابل عدم تدخلهم في مملكته، لكن ما أن مر بعض الوقت حتى بدأ يتذمر من الوجود الإنجليزي الذي بدأ يتدخل في شؤون سلطنته. طلب السلطان العون من الحكومة التركية (السلطان العثماني خليفة المسلمين) وكان في انتظار هذه المعونات ليقضي على الوجود الإنجليزي في السودان لكن الحكومة التركية فشلت في إيصال المدد عن طريق ليبيا. وعلمت الحكومة في السودان بنواياه وبتعاونه مع الخليفة العثماني فخرج القائد هدلستون من الأبيّض في 3000 جندي ومعهم المدافع الرشاشة لقتال علي دينار، وكان برفقة علي حوالي 4000 جندي أسلحتهم السيوف والقليل من البنادق. دارت المعركة وهزم جيش السلطان وانسحب هو بدوره مع بقية جيشه الذين تخلوا عنه فيما بعد، فعاود القائد هدلستون الهجوم على السلطان ومن بقي معه وقتل السلطان خلال هذا الهجوم في 22 مايو 1916. وبعد إخماد ثورته لم تشتعل أي ثورة في البلاد باسم الدين بل ظهرت القوى الوطنية الحديثة بأجلى معانيها في مقاومتها للحكم الثنائي، التي تمثلت في اللواء الأبيض، ثورة 24، مؤتمر الخريجين، حزب الأشقاء وبقية الأحزاب ومقارعتها السياسية للحكم الإنجليزي.

الطريق إلى الاستقلال
جمعية اللواء الأبيض

اندلعت الحرب العالمية الأولى 1914 وكان السودانيون يتابعون أخبار العالم عن كثب ويشهدون الكفاح العالمي وساعدهم في ذلك جريدة السودان التي شجعها الحكم الثنائي على الظهور، بالإضافة إلى ذلك فإن التعليم الذي تلقاه السودانيون بصدور واعية وكذلك التاريخ الذي قرءوه، وكان طبيعياً أن يتفاعلوا بدروسه وعظاته وفلسفته وثوراته. كان أول رواد القومية السودانية العصرية الضابط علي عبد اللطيف وهو فتى من أبوين جنوبيين من قبيلة الدينكا ولد في حلفا وشب في الخرطوم ونهل من مدارسها ومن كليتها الحربية، قاده ذكاؤه إلى الشعور بمسؤولية نشر الوعي بين أبناء بلده دون تمييز بين شماله وجنوبه . آمن علي بحقوق أمته فحاول نشر بيان في مايو 1922 وأسماه "مطالب الأمة السودانية"، وأشار فيه إلى وجوب زيادة المدارس وانتقد مشروع الجزيرة وطالب بنزع الاحتكار الحكومي للسكر، فألقي القبض عليه وأودع عاما في السجن. وما أن خرج من السجن في 23 أبريل 1923 حتى بدأ في تنظيم الكفاح القومي في شكل جمعية شبه سرية أطلق عليها " جمعية اللواء الأبيض " في 1924. واتخذ شعارها علماً أبيض يجري النيل في وسطه وضع العلم المصري في أحد أركانه وكتب عليه إلى الأمام. انضم للجمعية عدد من الضباط السودانيون وخريجو كلية غردون وبعض المدنيين وبعض موظفي الحكومة من السودانيين. وكان أهم نداء للجمعية هو وحدة وادي النيل بين السودان ومصر وخروج الإنجليز من المنطقتين. نظمت الجمعية عدداً كبيراً من المظاهرات السلمية التي جابت شوارع الخرطوم وسائر المدن الكبيرة في السودان.فسارعت الحكومة لإلقاء القبض على زعماء الحركة علي عبد اللطيف، عبيد حاج الأمين. وفي بورتسودان علي ملاسي في يوليو 1924. اشترك الطلبة الحربيون في هذه المظاهرة تعبيراً عما يجوب في صدورهم من وطنية، فألقي القبض عليهم وقدموا للمحاكمة العسكرية وكذلك زيدت عدد سنوات سجن عبد اللطيف من 3 إلى عشر سنوات... وظلت الحرية نور و نار من أراد نورها فليصطلي بنارها.(إسماعيل الأزهري).
ثورة 1924
في نوفمبر 1924 اغتيل السير لي ستاك حاكم السودان ، أثناء وجوده في القاهرة، ساءت العلاقات بين بريطانيا ومصر ففرضت بريطانيا تعويضاً قدره نصف مليون جنيه على مصر وأمرتها بإخلاء السودان خلال 24 ساعة. رفض المصريين الانسحاب من السودان حتى أتت الأوامر من الخديوي فبدءوا بالانسحاب. لم يصدق السودانيون ما حدث، خرج العسكريون السودانيون من ثكناتهم العسكرية يقصدون الانسحاب مع المصريين إذلالاً للبريطانيين. وكان في مقدمتهم: عبد الفضيل الماظ وضباط آخرون ومعهم عدد من الجند فصدتهم القوات البريطانية وبدأت بإطلاق الرصاص في الهواء فأطلق عبد الفضيل ومن معه نيران رشاشاتهم على الإنجليز وحصدوا منهم أكثر من 500 ، تحصن عبد الفضيل في المستشفى العسكري بعد أن احتلها وأشبع البريطانيين برصاص رشاشه فرموا المستشفى بالمدفعية حتى انهارت بعبد الفضيل الذي استشهد ويده قابضة على مدفعه. وألقي القبض على زملائه الضباط: ثابت عبد الرحيم، حسن فضل المولى، علي البنا، سليمان محمد وأقيمت المحاكمة العسكرية التي قضت بإعدامهم، نفذ الحكم في ثلاثة منهم والرابع اُستبدِل حكمه بالتأبيد. أقفلت الحكومة الكلية الحربية واعتبرتها مركزاً ثورياً. ونسيت بذلك أن الأفكار لا تحارب وأن قتل الأشخاص لا يعني فناء الرأي. وكادت المكائد للمثقفين السودانيين وصادرت حريتهم. كما اتبعت سياسة البطش لإرهاب أي من تسول له نفسه إعادة الكرّة. إن الحرية نبات تُنميه الأيام وتغذيه الآلام، فإذا ما سقته الدماء رسا أصله في الأرض وعلا فرعه مرتفعاً في السماء. (إسماعيل الأزهري)
مؤتمر الخريجين 1938
الخريجون هم خريجي كلية غردون التذكارية بعد أن أتموا فيها دراستهم الثانوية، ولم يكن لهم شأن يربطهم سوى نادي الخريجين في أم درمان المؤسس في 1918 ، لم يشترك النادي في بدايته في أي مسائل عامة فقد كان منتدى اجتماعي، ثقافي لأعضائه. وحاولت الجمعيات والنوادي الأخرى في مختلف أنحاء السودان الارتباط بنادي الخريجين دون جدوى. بعد تعرض السودان للأزمة الاقتصادية كسائر الدول في 1931 خفضت الحكومة رواتب الخريجين السودانيين الجدد من 8 إلى 5 جنيهات ونصف. أضرب طلاب الكلية واعتصموا بداخلياتهم وطالبوا بالمساواة مع نظرائهم الموظفين البريطانيين وأعلنوا أن هذا المشروع إهانة للكرامة السودانية. اتخذ هذا الإضراب طابعاً وطنياً كما كان لبنة لاتحاد الخريجين من أجل قضايا الوطن، وخاصة بعد أن نجحوا في إرضاخ الحكومة لبعض مطالبهم فزيدت المرتبات إلى 6 جنيهات ونصف. نشطت الجمعيات الأدبية والثقافي في أنحاء السودان وبرزت في الجمعية الأدبية بود مدني فكرة تكوين مؤتمر يضم الخريجين الذي أتموا تعليمهم في المدارس السودانية رحب نادي الخريجين في أم درمان بالفكرة وتكونت لجنة تنفيذية للمؤتمر وكتب سكرتيرها ("إسماعيل الأزهري") إلى الحكومة خطاباً ينبئها أنهم أقاموا المؤتمر لغرض رفع مستوى الشعب الاجتماعي وخدمة لمصالح البلد عامة والخريجين خاصة، والتعاون مع الحكومة في المسائل التي تخص البلاد. ردت الحكومة بأن لديها العلم بأمر المؤتمر وأنه لا يحق للمؤتمر التكلم باسم فئات الشعب، إنما باسم الخريجين فقط. قوي المؤتمر رغم ذلك وانتشرت فروعه في السودان وزادت التبرعات الموجهة إليه كما زاد نشاطه بإنشاء المدارس وتعيين المدرسين.
بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية في 1939 شعر المؤتمر بضرورة إملاء شروطه على المستعمر وخاصة بعد الأنباء التي أفادت أن تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا اتفق مع الرئيس الأمريكي روزفلت على إعطاء جميع الشعوب الحق في تقرير المصير بعد الحرب العالمية، فاستبسلت قوات دفاع السودان في قتالها مع الإنجليز لإنهاء الحرب والحصول على الاستقلال، لهذا السبب كتب المؤتمر مذكرة للسكرتير الإداري للحكومة المستر نيوبولد في 1942 جاء فيها طلبهم لحق تقرير المصير وإلغاء قوانين المناطق المقفولة، تحديد الجنسية السودانية، عدم تجديد عقد الشركة الزراعية في الجزيرة وقف الإعانات للإرساليات في الجنوب وتوحيد نظام التعليم بين الجنوب والشمال وبعض المطالب الأخرى. كان رد الحكومة قاسياً في رفض كل ما جاء في المذكرة وسحب اعترافها و ثقتها في مؤتمر الخريجين. كان هذا رد الحكومة السودانية آن ذاك على المؤتمر وعلى تحالف روزفلت – تشرتشل أو ما سمي بتحالف الأطلنطي. أثر رد الحكومة على كيان المؤتمر فشطره إلى شطرين فجزء يرى أن الحكومة وعدت رئيس المؤتمر إبراهيم احمد شفويا بأن الحكومة ستسرع في إقامة نظم دستورية يشترك السودانيون عن طريقها في الحكم، والجزء الآخر برئاسة إسماعيل الأزهري، الذي أصر أن يكون رد الحكومة مكتوباً وموثقاً. هكذا كان المؤتمر نقطة البدء والارتكاز لتاريخ الحركة النضالية الحديثة في السودان.
تكوين الأحزاب السودانية 1945
واشتد الصراع بين الفريقين وفي 1943 سيطرت مجموعة إسماعيل الأزهري على المؤتمر لأن الشعب تجاوب معهم وأيد مطالبهم. أطلق الفريق المنتصر على نفسه حزب "الأشقـاء" في سنة 1945 وأعلن مطالبته بقيام "حكومة ديموقراطية سودانية في اتحاد مع مصر تحت التاج المصري". وقبل ذلك أخذ الفريق الآخر ينادي باستقلال السودان وأن السودان للسودانيين، فأنشأ هذا الفريق حزباً سياسياً سمي بـ "حزب الأمة". تكونت أحزاب أخرى صغيرة بين مؤيد للاتحاد ومعارض له. وكان حزب الأشقاء هو أقوى الأحزاب الاتحادية.
وجد حزب الأمة سنداً قويا من السيد عبد الرحمن بن محمد احمد المهدي حتى قبل إنشاءه ورأت الحكومة البريطانية أن مثل هذا الحزب يناوئ مصر فأعطته الحرية لبذل نشاطه في البلاد. وكان تعضيد السيد عبد الرحمن المهدي لحزب الأمة سافراً وقوياً وانضمت كل جماهير الأنصار في كل أرجاء البلاد لمساندته. إن كيفية تكون حزب الأمة وتوقيت ظهوره وممارساته الأولى وتعريضه بمصر و المصريين وعدم تعرضه بل صمته المطبق عن الإدارة الاستعمارية القائمة والمتحكمة في السودان كشفت أن الأب الشرعي لهذا الوليد الجديد هو المستر نيوبولد والحكومة الإنجليزية. أما حزب الأشقاء طلب بسبب ذلك مساندة السيد علي الميرغني راعي الطريقة الختمية، الذي رفض بدوره وكان يصرح دائماً أنه رجل دين لا يجب أن يزج بنفسه في المسائل السياسية. لكن خصومه لمحوا معونته للأشقاء باشتراك كثير من الختمية في الحزب. وبدأت الهوة تتسع بين الميرغني والمهدي، إذ أن السيد محمد عثمان الميرغني والد السيد علي رفض مبايعة المهدي واتجه إلى مصر وتوفي هناك. وعاد السيد علي إلى السودان مع تقدم الجيش الإنجليزي المصري، وكان على علاقة طيبة مع الحكومة حتى آخر أيامها رغم مساندته لحزب الأشقـاء وكان السودانيون يلجئون إليه ليكون وساطتهم مع الحكومة. أما السيد عبد الرحمن فكان محاطا من الحكومة بالجواسيس والمراقبة المستمرة وضُيق عليه الخناق حتى أشاد في 1912 بتطور المواصلات واهتمام الحكومة بها واشترك في الوفد السوداني الذي ذهب إلى لندن برئاسة السيد علي الميرغني لتهنئة الملك بالنصر في الحرب العالمية الأولى.
لم يعلن السيد علي الميرغني عن مشاركته السياسية علناً فقد ظهر زعيم آخر على مسرح حزب الأشقـاء وهو إسماعيل الأزهري. والأزهري من بيت ديني معروف تلقى دراسته في كلية غردون ثم بعثته الحكومة إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، وعاد إلى السودان يحمل الكثير لبلاده واستخدم مركزه كمدرس في كلية غردون فأخذ يلقي التعاليم الوطنية على نفوس تلاميذه، يخاطب فيهم القيم العليا للقومية ويبعث فيهم روح الوطنية وكان يعلن بأنه سيترك الخدمة بعد خمس سنوات للعمل السياسي والجهاد وكان لوطنيته وقوة عزيمته الأثر الكبير في فوزه بشعبية ساحقة بين أبناء المدن والمعلمين.
في 1945 انتهت الحرب العالمية الثانية وأنشئت الأمم المتحدة، وبدأت مصر مفاوضاتها مع بريطانيا لبحث الاستقلال وكان السودان يمثل عقبة في طريق استقلال مصر، فحضرت الأحزاب السودانية إلى مصر لمتابعة المفاوضات، في الخرطوم أراد الإنجليز تطوير المجلس الإداري ويبدلوه بالمجلس التشريعي الذي ضم أعضاء من كافة أنحاء السودان، في انتخابات نوفمبر 1948.
قاطع الأشقـاء هذه الانتخابات واشترك حزب الأمة والعشائر السودانية مع الحكومة في تكوين المقاعد الوزارية، وأودع قادة الأحزاب الاتحادية السجن بسبب التظاهرات التي قادوها. استقر المقام بأحزاب الجبهة الاستقلالية في ظل الجمعية التشريعية. وتقد بعض أعضاء حزب الأمة من خلال الحكومة بطلب الحكم الذاتي الكامل ووافق المجلس بأغلبية 39 إلى 38 في 25 ديسمبر 1950، وشكل أغلبية الأعضاء المعارضين حزبا استقلاليا ينادي بالاستقلال مع تقوية الروابط مع بريطانيا وهو الحزب الاشتراكي الجمهوري. وكان العديد من أعضاءه من زعماء القبائل وتمتع أيضاً بتأييد من بعض رجال الختمية، وأصبحت الطائفة تسير في اتجاهين متضادين أحدهما مع الأشقـاء ينادي بوحدة وادي النيل ويقاطع الجمعية التشريعية ، والآخر يدعو للاستقلال ويشترك في الجمعية. وانقسم شق ثالث عن الختمية يدعو إلى الاتحاد مع مصر بصورة جديدة ليست كتصور لأشقـاء للوحدة، وكان يذاع على لسان السيد محمد الميرغني أن الختمية طائفة دينية لا تتدخل في السياسة ، وأن رجال طائفته أحرار في اختيار ما يحلو لهم من الأحزاب.
استقلال الـســــودان
ثارت مصر في 23 يوليو 1952 بعد أن ألغى النحاس باشا المعاهدة المصرية البريطانية. وبدأت مصر في حل مشاكلها، والتفتت إلى السودان وجمعت الأحزاب الاتحادية بسبب كثرتها وتعدد أهدافها وصهرتها في حزب واحد سمي بالحزب الوطني الاتحادي برئاسة إسماعيل الأزهري، وانضوى تحت زعامته بقية الزعماء الوحدويين.
نجحت الثورة المصرية في تخطي عقبة السودان لأن مصر الثورة آمنت بحق السودانيين في تقرير المصير بعيداً عن متناول أي سلطة. تم الاتفاق بين مصر وإنجلترا على الخطوات في 12 فبراير 1953. وأجريت الانتخابات البرلمانية في السودان في نوفمبر – ديسمبر 1953. ونال الحزب الوطني الاتحادي 51 مقعداً وحزب الأمة 22 مقعداً و الجمهوري الاشتراكي 3 مقاعد، والجبهة المعادية للاستعمار مقعد واحد، المستقلون 11 مقعداً والجنوبيين 9 مقاعد.
هكذا فاز الحزب الوطني الاتحادي بأغلبية مطلقة في البرلمان السوداني الأول فالطريق للبرلمان يعني الحرية والحرية تتولى تنظيم نفسها بنفسها.(إسماعيل الأزهري) اجتمع البرلمان في أول يناير 1954 لاختيار رئيس مجلس النواب، وفي 6 يناير تم اختيار السيد إسماعيل الأزهري رئيساً للوزراء وقد أكمل تشكيل وزاراته في 9 يناير وكان من بينهم 3 من الجنوبيين. بدأ مشروع سودنة السودان وإحلال السودانيين في جميع القطاعات والمناصب حتى الحساسة منها. وتمت عملية السودنة في جرأة وشجاعة وسرعة في ظل الحكومة الجديدة (حكومة الأزهري)، بسبب تخوف الحزب الحاكم من تدخل القيادة البريطانية. منذ تسلم السيد إسماعيل الأزهري، رئاسة الوزراء بدأت شخصية السودان في التبلور وتأخذ مكانها كدولة في نفوس أبناء الشعب. بالرغم من دعوة حزبه للوحدة مع مصر إلا أن هذه الوحدة لاقت العديد من العوائق من بينها موقف حزب الأمة الذي عارض الاتحاد كما أن أصوات الاستقلاليين مجتمعة كانت تفوق الأصوات التي قدمت للاتحادي الوطني.

وفي 19 ديسمبر 1955 انعقد البرلمان، وصوّت أعضاءه في جانب استقلال السودان وفي 22 ديسمبر أقر مجلس الشيوخ هذا القرار. واتخذت الخطوات النهائية في قرار الاستقلال في صبيحة اليوم لأول من يناير عام 1956 وفي احتفال مهيب أنزل العلمان البريطاني والمصري كما رفع العلم السوداني ذو الألوان الثلاثة (الأزرق، الأصفر، الأخضر)، كل من إسماعيل الأزهري رئيس الحكومة ومحمد احمد محجوب زعيم المعارضة، ودخل السودان في عهد جديد هو عهد الاستقلال.
السودان بعد الاستقلال
استمر الحكم في السودان بقيادة الحزب الاتحادي الوطني برئاسة السيد إسماعيل الأزهري، إلى أن لاحظ الأزهري بدء الهيمنة الطائفية على مجريات السياسية السودانية وخاصة في حزبه الذي ضم العديد من رجال الطائفة الختمية، فقام بإقصاء الختمية من حكومته التي شكلها في فبراير 1956، مما أدى إلى انفصال قواد الطائفة الختمية وأتباعها من الحزب الوطني الاتحادي وشكلوا حزب الشعب الديموقراطي تحت قيادة الميرغني راعي الطائفة الذي ما لبث أن دخل في تحالف مع حزب الأمة (رغم العداوة القديمة بين الطائفتين).
أعاق هذا التحالف التقدم الذي سعت إليه الحكومة في العديد من المجالات بواسطة دعم الأنصار والختمية، مما أدى إلى سقوط حكومة زعيم الاستقلال إسماعيل الأزهري.
قامت الحكومة الائتلافية برئاسة عبد الله خليل (ضابط متقاعد من الجيش برتبة فريق) سكرتير حزب الأمة في 1958 رغم فشل القيادتين في التوصل إلى سياسة عامة لتسيير البلاد. تسبب التدهور الاقتصادي وارتفاع أسعار القطن وإقفال الواردات في غضب شعبي كان يقوده إسماعيل الأزهري وخاصة بعد الاتفاقية التي برمها عبد الله خليل مع الحكومة الأمريكية والتي بدت وكأنها إعادة لعصر الاستعمار الغربي على السودان. مما أدى إلى أن يخطط السيد عبد الله خليل بالتعاون مع أعضاء بارزين في حزب الأمة مع ضابطين في القوات المسلحة، هما الفريق إبراهيم عبود والفريق أحمد عبد الوهاب لانقلاب عسكري سمي بالوقائي في 17/11/1958.
قرر عبود سيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على القرارات السياسية في والجدير بالذكر أن عبود كان ينتمي إلى طائفة الختمية أما عبد الوهاب فقد كان تابعاً للأنصار. في تلك الفترة توفي عبد الرحمن المهدي. بعد ذلك بفترة انقسمت القيادة الأنصارية إلى قيادة دينية "الإمام الهادي المهدي" وقيادة سياسية "الصادق المهدي".
قام العديد من ضباط الجيش بمحاولة قلب النظام بمعاونة الحزب الشيوعي السوداني لخلق حكم شعبي لكن قادة هذه الانقلابات انتهى بهم الأمر في السجن المؤبد. مما أدى إلى فقدان عبود لولاء جيشه. نجحت العديد من سياسات عبود الاقتصادية واتفق مع مصر على إقامة السد العالي الذي تسبب في غرق حلفا وقراها. لكنه فشل فيما بعد في تطوير هذه البرامج الاقتصادية، الاجتماعية بسبب السياسة القمعية التي اتبعها والتي زادت من سخط الشعب والجيش معاً.
في فبراير 1964 أمر عبود بقطع البعث التبشيرية عن الجنوب كما أقفل البرلمان الذي احتوى على عدد من الجنوبيين تجنباً لسماع أي شكوى بهذا الخصوص مما أدى إلى ازدياد التمرد الجنوبي الذي بدأ بظهر في 1955 والذي تحول إلى حرب عصابات.
فيما بعد اندلعت ثورة أكتوبر بمعاونة المعارضين من ضباط الجيش مخلفة العديد من الشهداء من المدنيين كان أبرزهم زعيم الحركة الطلابية (أحمد القرشي) وانتهت بإطاحة حكم عبود في 21 أكتوبر 64. وتكونت حكومة انتقالية برئاسة سر الختم خليفة.
تكونت قبل تلك الثورة الجبهة الوطنية التي كانت تنظم المظاهرات والإضرابات العامة برئاسة إسماعيل الأزهري وضمت الجبهة العديد من أعضاء الحزب الشيوعي. أقيمت الانتخابات في مارس 1956 وقاطعها حزب الشعب الديموقراطي الذي تعاون بشكل فاضح مع عبود وحكومته.
فاز حزب الأمة برئاسة محمد أحمد محجوب بـ75 مقعداً من 158 بينما فازت الجبهة الوطنية ببقية المقاعد الـ52. ورئس السيد الأزهري البلاد خلال حكومة محمد احمد محجوب. كان أهم أهداف حكومة المحجوب: حل مشكلة الجنوب الذي لم تتم الانتخابات فيه بسبب التدهور الأمني الشديد، وأيضاً هدف حكم حزب الأمة بمعاونة الاخوان المسلمين إلى إزالة الشيوعيين من مواقع القوة. وفي ذات الوقت استمرت حرب العصابات في الجنوب مما أجبر الحكومة على استخدام العنف لحل المشكلة. واستطاعات الحكومة حل الحزب الشيوعي وسحب مقاعده الـ11 من البرلمان. استقال محمد المحجوب من رئاسة الوزراء بسبب صوت توبيخ وجه له في البرلمان مما أدى إلى انشقاق حزب الأمة إلى جهة تقليدية برئاسة المحجوب وزعامة الإمام الهادي المحجوب و الجهة الأخرى التي مثلت الأغلبية كانت في صف الصادق المهدي الزعيم الرسمي للحزب. والذي كون حكومة جديدة لاقت الدعم من الجبهة الوطنية .
بدأ الصادق في وضع خطط اقتصادية وحل مشكلة الجنوب سلمياً. لكنه وُجه بحملة يسارية قوية قادها الشيوعيون الذين خططوا لانقلاب عسكري لكنه فشل. كما أقام انتخابات في بعض مناطق الجنوب الهادئة في مارس 1967. لكنه ما لبث أن قُبل بموجة من المعارضة في حزبه، مما أدى لسقوط حكومته وخاصة بعد أن سحبت الجبهة الوطنية دعمها من حكومته. رأس المحجوب الحكومة الجديدة في مايو 1967، التي ضمت جناحه من حزب الأمة بالإضافة إلى الجبهة الوطنية وحزب الشعب الديموقراطي. لم يعترف الصادق بشرعية حكومة المحجوب، مما أدى إلى قيام حكومتين في نفس الوقت طالب الجيش بتفسير لما يحدث فقدمت المحكمة العليا تأييدها لمحجوب الذي قرر حل حكومته وإقامة انتخابات في أبريل 1968. فاز الاتحادي الديموقراطي الذي تشكل باندماج الحزب الوطني الاتحادي مع حزب الشعب الديموقراطي، فاز بأغلبية 101 من 218 لكن رغم ذلك لم يسيطر أي حزب على البرلمان، ذهبت 36 مقعد للجناح التقليدي لحزب الأمة و30 مقعد لجناح الصادق المهدي 25 مقعد للأحزاب جنوبية ومقعد لـ عبد الخالق محجوب (الحزب الشيوعي).
تكونت الحكومة الجديدة برئاسة محمد أحمد المحجوب وخططت لتنمية اقتصادية شاملة ، خاصة في المناطق الجنوبية. لكن ما لبث أن دبت الفوضى في البرلمان السوداني وبدأت الأحزاب بالمطالبة بالرئاسة. إلى أن قامت مجموعة سمت نفسها (الضباط الأحرار) برئاسة العقيد جعفر نميري بالاستيلاء على الحكم في 25/5/1969م، بحجة تخبط الحكومة وعدم وجود دستور دائم للبلاد. بدأ نميري بانتهاج سياسة اشتراكية فعمم المصارف والعديد من الأعمال. كما أوقف الكثير من الساسة وانتهج الاعتقالات السياسية وحجب حرية الأحزاب. وكان نميري هو الرئيس ووزير الدفاع.

بدأ نميري فيما بعد يعارض آراء الشيوعيين فنظموا بقيادة الضابط هاشم عطا انقلابا عسكرياً نجح في اقتحام القصر الجمهوري واحتجز نميري ومجلسه الثوري، لمدة ثلاثة أيام إلى أن تدخلت القوات المخلصة لنميري وتم إنقاذه، نفذ حكم الإعدام في العديد من قادة هذا الانقلاب من الشيوعيين وسجن الكثير منهم. قامت العديد من المحاولات بعد ذلك إلا أنها بائت بالفشل. أقام نميري انتخابات رئاسية (ملفقة) فاز بها في سنة 1971. عزز نميري في بداية أمره علاقته مع الشيوعيين وكون الاتحاد الاشتراكي الذي ضم العديد من أعضاء الحزب الشيوعي (كان أبرزهم أحمد سليمان) هؤلاء الأعضاء ظل الحزب الشيوعي ينادي بأنهم خونة.
بدأت الحركات التمردية الطلابية بالظهور وكان يواجهها بالقمع في كثير من الأحيان كما كان يفعل ذلك مع رجال الجيش حين يرى أن قوتهم بدأت تتزايد. في 1977 اتفق الصادق المهدي مع نميري في اجتماع عقد في بورتسودان سمي بالمصالحة الوطنية، ضم الاتفاق ثمانية نقاط كان أهمها السماح للمعارضة بالعمل وللجبهة الوطنية التي حلها نميري، وكذلك إدعى إطلاق العديد من الحريات من بينها المدنية وحرية السجناء السياسيين. ارتفعت حدت المناوشات المسلحة بين القوات الحكومية وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي ظهرت بقواتها في سنة 1983.
بعد ذلك اعلن نميري من خلال الدستور الذي وضعه في سبتمبر 1983 بأن الشريعة هي مصدر التشريع وأقر أن الإسلام هو الديانة الرسمية وأن المسيحية هي الديانة الثانية، واللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد (فيما أنه لم يطبق من هذه الشريعة سوى الحدود فقطع)، وأطلق سراح العديد من طلاب وقيادات الأخوان المسلمين (الجبهجية، الكيزان) الذين اعتقلهم في السابق. بسبب سياسات نميري تجاه حرب الجنوب وبسبب قوانينه (الاسلامية) التي رفضها الشعب السوداني والتي سميت بقوانين سبتمبر في اشارة الى أنها لاتمس الشريعة الاسلامية.
كما ظهرت العديد من المشاكل الاقتصادية وكان كل ذلك سببا لسقوط نميري في انتفاضة الشعب في أبريل 1985 ليقود البلاد الفريق عبد الرحمن سوار الذهب وسريعا تكونت الحكومة الانتقالية بقيادة سوار الذهب والتي حلت العديد من أجهزة نميري كالبرلمان والشرطة السرية وكذلك الاتحاد الاشتراكي، كما أطلقت سراح السجناء السياسيين من سجن كوبر.
وعد سوار الذهب إجراء العديد من الإصلاحات الاقتصادية كما وعد بحل أزمة الجنوب وإعادة الحكم المدني خلال 12 شهر. في مارس 1986 أجرت الحكومة محادثات مع الحركة
 الشعبية وذلك في إطار سعيها لحل أزمة الجنوب، وخرجت بالدعوة إلى سودان خالي من العنصرية والقبلية والطائفية والتمييز. كما أعلنت من خلال المحادثات إلغائها لقوانين الشريعة، ودعت إلى مؤتمر لإرساء دستور دائم للبلاد إلا أنها أجلت أمر الدستور لحين إحلال الحكومة المدنية الجديدة. أجريت الانتخابات في أبريل 1986 في أنحاء السودان ما عدا القطاعات الجنوبية بسبب الحرب الأهلية هناك. فاز حزب الأمة بـ99 مقعداً، الاتحادي بقيادة محمد عثمان الميرغني الذي تولى رئاسة الحزب عقب انتفاضة أبريل فاز بـ 64 مقعداً أما الجبهة الإسلامية بقيادة الترابي فازت بـ51 مقعداً وفاز عدد من الأحزاب الجنوبية وأحزاب منطقة البحر الأحمر (البجا) وجبال النوبة بعدد من المقاعد.
فشلت حكومة الصادق في إيجاد حلول لمشاكل السودان وازداد الفساد وظهرت المحسوبيات والطموحات الشخصية، حل الصادق حكومته وشكل حكومة جديدة لكنها ضمت 13 وزيراً من الحكومة الفاشلة. في أغسطس 1987 تحالف الصادق مع القيادة الختمية للحزب الاتحادي الديموقراطي لكنه فشل في التحالف مع قيادة الجبهة الإسلامية بسبب وجود عناصر يسارية في التحالف. مع ذلك حوت حكومة التحالف أعضاء من الجبهة الإسلامية والأحزاب الأخرى.
في 1988 وقع الميرغني اتفاقية مع الحركة الشعبية في أديس أبابا تضمنت وقف إطلاق النار وتجميد قوانين الشريعة الإسلامية ورفع حالة الطوارئ، رفضت الجبهة الاسلامية هذه الاتفاقية بسبب تخطيها للشريعة، فرفضت الحكومة الموافقة على الاتفاقية فانسحب الميرغني من التحالف.

بسبب الخلافات الداخلية في الحكومة والتخلخل الواضح في أدائها قام العميد عمر حسن البشير بانقلاب عسكري في 30 يونيو 1989 وكون مجلس الثورة ليحكم البلاد بدعم من
 الجبهة الإسلامية، من ثم أقامت حكومة الإنقاذ انتخابات رئاسية (ملفقة) في 1993م فازت بها وتوالى الفوز في كل انتخابات رئاسية..
في أبريل 2000 انقسمت قيادة الجبهة الاسلامية بسبب خلاف حول صلاحية عمر البشير مما أدى الى انقسام الجبهة الى حزبين .. المؤتمر الوطني وهو الحزب الحاكم بقيادة البشير سابقا والآن بقيادة علي عثمان نائب رئيس النظام الحاكم والشق الآخر بقيادة حسن الترابي.

المصدر: موسوعة حضارة العالم
  
 

ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement