|
سيناريوهات الحرب المائية في الشرق الأوسط (الفرات ودجلة نموذجاً) |
|
|
|
بقلم : د. ريان ذنون العباسي
الخميس 30/08/2007 الموافق 16 شعبان 1428 هق
نمن الغريب أن يتحول الماء من مصدرٍ للحياة والنعم إلى عاملٍ لإثارة النزاعات والفتن ، فهذا المورد الحيوي جعل الكثير من الباحثين يعتقدون أن شحته تدفع ببعض الأشخاص إلى ارتكاب الجرائم في سبيل الحصول عليه. وهذا ما برهن عليه أحد الباحثين الأجانب ويدعى ورذنتجون حين بيّن في المؤتمر الذي حضره عدد من الخبراء الزراعيين في منطقة الشرق الأوسط ، إلى أهمية وجود الماء بالنسبة لحياة الإنسان.
ومهما يكن فان شحة المياه وموجات الجفاف التي بدأت تتعرض لها المنطقة العربية في الآونة الأخيرة ، جعلت كلاً من الباحثين ومراكز البحوث العالمية تحذر من أن الصراع القادم على المياه سوف يؤدي في المستقبل إلى نشوب حرب محتملة بين دول المنطقة. وكان أول من تنبه إلى خطورة ذلك هم المسؤولون الأمريكيون الكبار أمثال مساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هارولد ساندرز (Harold Sanders) الذي صرح ما نصه: (( ينبغي أن تقال كلمة واحدة حول مصدر واحد غير النفط، هو ندرة المياه...، إن المياه مورد نادر في الشرق الأوسط...، ومن المحتمل أن يكون للطلب المتصاعد على مصدر مائي محدد، وهو أمر حيوي أكثر من النفط، أهمية بعيدة الأثر كسبب للصراع وكحتمية للتعاون معاً )).
إن هذا التصّريح الذي عّبر عنه أحد صنّاع القرار السياسي في الحكومة الأمريكية يدفعنا إلى إثارة التساؤل التالي: أليس غريباً أن نجد أن موضوع المياه يحظى باهتمامٍ كبير من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تبعد آلاف الأميال عن العالم العربي ؟. وكيف لا يعتري البعض العجب من ذلك الاقتراح الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية حول تشكيل تحالف دولي لأمن المياه ، في حين أن منطقة الشرق الأوسط ما زالت تعاني من غيابٍ واضح في مسألة الأمن المائي ؟ .
إذاً من الطبيعي أن تصبح المياه إحدى أهم الملفات الساخنة بنظر خبراء الاستراتيجية الأمريكية، هذه الملفات التي أخذ ينصب عليها في الوقت الحاضر اهتمام ملحوظ وكبير من قبل الإدارة الأمريكية نفسها بسبب حساسيتها وارتباطها المباشر بالمصالح الأمريكية في المنطقة، فاغلب دول الشرق الأوسط بدأت تعاني في الآونة الأخيرة من فجوةٍ مائية كبيرة ناجمة عن ازدياد احتياجاتها وارتفاع معدلات نمو سكانها وما يعكسه ذلك من تأثيرٍ واضحٍ على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها. ولا ريب في أن يتجسد هذا الاهتمام اليوم بما تنشره وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة، ومراكز بحوثها العديدة حول وجود شحة مائية حقيقية لدى بعض دول الشرق الأوسط ناجمة عن تفاقم مشكلة المياه فيها وكثرة بناء مشاريع الارواء لديها. ومعلوم أن وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون ) كانت قد بدأت تراقب عن كثب التطورات الحاصلة في مجال إقامة المشروعات المائية في مختلف أقطار العالم العربي والدول المجاورة لها، بهدف معرفة تأثيرات ذلك على مستقبل المياه وانعكاساتها اللاحقة على الأمن المائي لدولة إسرائيل، وهذا ما المح إليه المدير الأسبق لوكالة المخابرات المركزية يتـشـارد هـولمـز (Retshard Holmes) حين اعترف بوجود توجهات عدائية ستظهر في حالة نشوب صراع افتراضي حول المياه في المنطقة قائلاً:
((... وفي حالة ما إذا اندلعت حرب في المنطقة فسيكون أحد أهدافها السيطرة على المياه)).
وانسجاماً مع هذه التصريحات الأمريكية فقد صدرت عن بعض المراكز الغربية دراسات عديدة، ركزت بشكل دقيقٍ على موضوع المياه كأحد أهم الموارد الطبيعية القابلة للنفاذ في المنطقة. مشيرة في الوقت ذاته إلى احتمال تحول هذا المورد الحيوي إلى مصدر للنزاع المستقبلي بين بلدان المنطقة. واللافت للنظر هنا أن هذه الدراسات قد جاءت متزامنة مع دراسات إسرائيلية أخرى مشابهة لها، أشارت إلى أن إسرائيل سوف تكون بحاجة متزايدة إلى الطلب على المياه في المستقبل، وان النقص الحاصل لديها في الموارد المائية قد بدأ يزداد شيئاً فشيئاً.
ويحدد التقرير الذي صدر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، المناطق المرشحة لحدوث صدامٍ عسكري مسّلح بين دولها، بسبب شحة المياه لديها وهي:
- المجموعة الأولى: وتضم دول مصر والسودان وإثيوبيا وكينيا وزائير وبوروندي وتنزانيا وراوندا، وتشترك جميعها بحـــوض نهر النيل .
- المجموعة الثانية : وتشمل تركيا وسوريا والعـــراق حول نهريّ الفرات ودجلة .
- المجموعة الثالثة: وتضم فلسطين والأردن وسوريا ولبنان من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، وهي الدول التي تشترك بأنــهار الأردن واليرموك والليطاني والحاصباني والوزان.
وأكثر المجاميع أهميةً في الوقت الحاضر هي المجموعة الثانية التي لا يزال فيها الخلاف المائي قائماً حتى اليوم، بسبب عدم وجود اتفاق دولي مسبق يقّسم مياه هذين النهرين بين الدول الثلاثة المعنية، رغم عقد العديد من المباحثات والمفاوضات الثنائية والثلاثية بين الأطراف المتنازعة من دون أن يسفر ذلك عن تقدمٍ ملحوظ يذكر. وبدلاً من أن يتم البحث عن اتفاقٍ موحد يضمن الحقوق الكاملة لكل طرف متنازع، اتجهت حكومات الدول الثلاث نحو بناء عشرات المشاريع المائية على هذين النهرين وروافدهما، مما أدى بالتالي إلى حدوث توترٍ سياسيٍ كبير في علاقاتهما كاد أن يؤدي إلى نشوب صراع مسلح حولها، كما حدث في عام 1975 عندما تأزمت العلاقات العراقية-السورية جراء إقدام الأخيرة على ملء سد الطبقة (الثورة حاليا)، وتخفيض كميات المياه الجارية من نهر الفرات باتجاه الأراضي العراقية لولا الوساطة والجهود الحثيثة التي بذلتها المملكة العربية السعودية لفض النزاع والخلاف الذي احتدم بين البلدين الجارين. وقد قامت بعض الدول الغربية باستغلال هذه الحادثة لصالحها ففسرته تفسيراً خاطئاً مغرضاً ، فذكرت مجلة الايكونومست البريطانية، أن العراق حاول في عام 1975 تفجير "سد الثورة السوري"،عن طريق تحريك بعض قطعاته العسكرية باتجاه الحدود السورية المشتركة معه، من اجل إرغام سوريا على زيادة كميات المياه المتدفقة من نهر الفرات إلى الأراضي العراقية.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أرادت هي الأخرى أن تلعب دور الوسيط في حل الخلاف المائي بين العراق وتركيا حول بناء سد كيبان التركي على نهر الفرات، فأعربت عن استعدادها لحل هذا الخلاف على حساب نهر الأردن ومشاكله القائمة بين إسرائيل من طرف والأردن وسوريا ولبنان من طرفٍ أخر. ولو أتينا إلى استعراض أهم السيناريوهات الأمريكية التي تم وضعها وإعدادها من قبل الأكاديميين المختصين والباحثين المعروفين في مجال المياه، لوجدنا أن اغلب هذه البحوث والتقارير ركزت تركيزاً مباشراً على نهر الفرات، مبينةً أن حرباً عسكرية مستقبلية محتملة سوف تقع بين دول الحوض المشتركة فيه، ومن بين هذه السيناريوهات هي:
- التقرير الصادر عن أحد مراكز الدراسات الأمريكية عام 1986 والذي يتحدث عن سيناريو مستقبلي بعنوان (حرب المياه)، وفيه يحذر خبيران دوليان هما فردريك راي وتوماس ناف، من احتمال تزايد وتفاقم أزمة المياه في منطقة الشرق الأوسط خلال عقد التسعينات من القرن المنصرم، مما قد يؤدي إلى حدوث مواجهة عسكرية مسلّحة بين عدد من الدول المشتركة في الأحواض النهرية الرئيسة ، بعد فشل وتعثر جميع الحلول المطروحة لمعالجة النقص الحاد في الطلب على المياه.
- تقرير سريّ أعده ( معهد الأبحاث الإستراتيجي ) بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1986 أيضاً، وقدمه على شكل حلٍ لما اسماه هو ( بحرب المياه) ، وقد استطاعت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الحصول على نسخةٍ منه ثم تعمّدت تسريبه والكشف عنه بعد ذلك للصحافة. ويـشير هــذا التقرير إلى أن كلاً من العراق وسوريا سوف يقومان بالهجوم على الأراضي التركية حتى منطقة قهرمان مرعش بحيث يضطر فيها الجـيش التـركي إلى التقـهقر والانسحاب أمام شدة القصف الجوي المرّكز الذي يشنه سـلاح الجـو الـعراقي، ثم تأخذ المعارك المحتدمة بين الدول الثلاثة بالاتساع شيئاً فشيئاً لتشمل دخول طرف أخر أكثر قوة ويتمثل بحلف شمال الأطلسي ( الناتو )، على اعتبار أن تركيا تمثل أحد أهم أعضائه، فينجح الأخير في طرد القوات العراقية والسورية معاً من المناطق التركية خلال فترة زمنية قصير أمدها ( 15 ) يوماً.
- وضع هذا السيناريو الخيالي الثالث عام 1988 من قبل مجـلة أمريكية تدعى ( U.S NEWS AND WORLD REPORT )، تحدثت فيه عن نشوب حربٍ واسعةٍ ستندلع في تشرين الثاني / نوفمبر 1993 ، وتعم كل أرجاء منطقة الشرق الأوسط بسبب الصراع المستفحل على مصادر المياه. ويلاحظ أن هذا التقرير قد ركز تركيزاً كبيراً على العراق وسوريا، فتخّيل أن القوات العراقية المسّلحة سوف تقوم بتدمير السدود السورية عبر شن هجومٍ كبيرٍ على وادي الفرات الواقع ضمن الأراضي السورية، فيما ترد سوريا على هذا الهجوم بقصف مركّز على العاصمة بغداد بواسطة استخدام سلاح الصواريخ البعيدة المدى.
- سيناريو أخر ظهر في أعقاب احتلال العراق للكويت في تشرين الثاني / نوفمبر 1990، عندما طلبت الولايات المتحدة الأمريكية من تركيا، استخدام المياه كـسـلاحٍ سياسي يرغم العراق على سحب قواته من الأراضي الكويتية، وذلك بقطع مياه نهري الفرات ودجلة عنه كما حصل في السابق عندما قام الأتراك بقطع مياه نهر الفرات عن العراق وسوريا تمهيدا لملء سد اتاتورك في سنة 1990، لكن الحكومة التـركية رفضت الاستجابة للاقتراح الأمريكي بسبب خطورته من جهة، وفداحة أثاره السياسية والاقتصادية على العراق وسوريا من جهةٍ ثانية.
- وصف هذا التقرير من قبل الإدارة الأمريكية بأنه (تقرير خطير ملفت للنظر)، وقد قامت بأعداده وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أواخر عام 1993. ويتضمن دراسة جدية معمقة لمشاكل المياه في العالم. حيث يتحدث عن وجود عشرة مناطق مختلفة ستشهد في المستقبل صراعاتٍ ومواجهاتٍ عسكرية محتملة حول المياه، غالبيتها تعج بأزمات ومشاكل كثيرة يحتل فيها الوطن العربي مركز القلب. وقد قسّم هذا التقرير المناطق العشرة المرشحة ومن بينها منطـقة الشرق الأوسط للدخول في صراع أو مواجهة محتملة بين دولها إلى ثلاثة مستويات من الخطر هي:
- المستوى الأول: مناطق تنشب فيها حرب المياه،وتشمل دول الأردن وفلــسطين وإسرائيل .
- المستوى الثاني: مناطق محفوفة بالمخاطر ممكن لها أن تدخل ضمن دائرة الخطــر الفعلي جراء حدوث نقـصٍ شـديدٍ في مـواردها المائية. وهي دول حوضي الفرات ودجلة ( تركيا، سوريا، العراق ) وكذلك بلدان الخليج.
-المستوى الثالث : مناطق يشوبها التوتر الدائم بسبب ندرة المياه، وهي مناطــق قابلة للدخول في دائرة الخطر خلال الفترة (20-25) سنة، وتشمل دول حوض نهر النيل (مصر والسودان).
وتختتم الوكالة الأمريكية تقريرها بالتحذير من أية محاولة قد تحصل للاستحواذ على منابع المياه، أو احتكارها أو اللجوء إلى فرض تقسيمٍ غير عادلٍ ومنصف للموارد المائية المشتركة بين دول المنطقة، لان ذلك سوف يؤدي حسب توقعها إلى اندلاع سلسلة من الحروب العسكرية، قد يمتد نطاقها إلى خارج منطقة الشرق الأوسط لتشمل دولاً أخرى مجاورة مما يهدد الأمن والسلام العالميين.
3- مشاريع المياه التركية واحتمالات نشوب الحرب المائية في الشرق الأوسط :
لا تزال تركيا تشهد حتى اليوم استكمال بقية وحدات مشروعها المائي العملاق كاب (G.A.P.) المعروف اصطلاحا باللغة التركية ( Guney Dogu Anadolu Projesi). هذا المشروع الذي تتلخص فكرته الأساسية بإقامة (13) مشروعاً رئيساً، خصص اغلبها لمشاريع الريّ وتوليد الطاقة الكهرومائية. ويتألف كل مشروعٍ من هذه المشاريع من مجموعة أخرى من المشاريع الثانوية والأعمال الصغيرة المتممة لها. وتمثل السدود والخزانات المائية حجر الزاوية لهذه المشاريع، إذ يهدف مشروع الكاب إلى إقامة (22) سداً على نهري الفرات ودجلة وروافدهما، موزعة على النحو التالي: (14) سداً على نهر الفرات و(8) سدود على نهر دجلة، وإنشاء (19) محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، يصل مجموع إنتاجها الكلي إلى (27) مليار كيلو واط / ساعة من الكهرباء سنوياً وبطاقة استيعابية تبلغ(500,7) ميغا واط ، بالإضافة إلى ارواء حوالي (7,1) مليون هكتار من الأرض؛ حيث يغطي هذا المشروع مساحة مقدارها (75) ألف كم2، تضم (9) محافظات تركية، تقع جميعها في الأجزاء الجنوبية الشرقية من البلاد وهي : (غازي عنتاب ، ديار بكر، شانلي اورفة ، أدي يامان، سييرت، شرناخ، ماردين ، بطمان، كالس) . ويحاذي هذا الإقليم - جنوب شرقي الأناضول- من الجنوب سوريا ومن الجنوب الشرقي العراق.
أما عن تكاليف بنائه فهي لا تزال في ارتفاعٍ مستمر نتيجة لقيام الحكومة التركية في الفترة الأخيرة، بإجراء تعديلٍ كبير على خطته الأساسية، تمثلت بإضافة مشاريع ثانوية أخرى تساهم في تحويله إلى مشروع تنمويٍ إقليمي شاملٍ متكامل القطاعات، يقوم على أساس مفهوم ( التنمية المستمرة ) الهادفة إلى تطوير كافة نواحي البنى التحتية للإقليم ، مثل إنشاء (المستشفيات ، الجامعات، المطارات ، مشاريع السكك الحديدية..الخ ) . وقد تجاوزت تكاليف بنائه حالياً (32) مليار دولار، ويتوقع الانتهاء منه بصورة كلية مع مطلع عام 2029.
بطبيعة الحال فان إنشاء هذه المشاريع المائية في تركيا قد أدت إلى حدوث توترٍ سياسيٍ كبير، وفتور واضح في العلاقات الثنائية بينها وبين كلٍ من العراق وسوريا الدولتان المجاورتان لها، والمشتركتان معها جغرافياً وهايدرولوجياً في مياه هذين النهرين، مما جعل البلدان الثلاثة تتعثر في التوصل إلى حلٍ عادلٍ منصفٍ حول اقتسام مياههما لسنوات طويلة وبشكل يحقق لكل طرف ماله وما عليه من حقوقٍ مكتسبة ومشروعة بشأنهما.
وبظهور مطالب الأكراد القومية في تركيا، ومطالبتهم المستمرة للحكومة بتحسين أوضاعهم السياسية والاقتصادية عامة، وتزعم حزب العمال الكردستاني للحركة كردية المسّلحة في جنوب شرقي البلاد، وحصوله على الدعم اللوجستي المقدم لكوادره من قبل سوريا. واستمرار الخلاف المائي بين تركيا وسوريا على نهر العاصي، وربط ذلك بمساومة تركية لحل هذا الخلاف مع سوريا عن طريق التوقيع على اتفاقية مستقلة حول نهر الفرات، فقد حفّز ذلك الأتراك على التفكير ملياً بابتداع نظرية غريبة تتقاطع جملة وتفصيلا مع قواعد الشرعية الدولية والأخلاقية وصلت إلى حد الضغط والابتزاز السياسي، وتمثلت باستخدام عامل المياه كسلاح سياسي وعسكري ضد دول المنطقة، عبر الحديث عن قرب وقوع صدامٍ عسكري مسلح بينها. ولعل تصريحات الرئيس التركي الراحل توركوت اوزال وتوقعه نشوب حرب مائية محتملة بهذا الخصوص دليل أكيد على صحة ما ذكر، فهو يعتقد حاله كحال الأمريكيين والإسرائيليين طبعاً بان الحروب المقبلة في المنطقة ستكون حروباً من أجل الاستحواذ على مصادر المياه، وان بلاده ستتمكن في النهاية من تحقيق مكاسب كثيرة منها بغض النظر عن الأخلاقيات المترتبة عليها وقواعد القانون الدولي الذي يضمن لكل دولة حقها الشرعي في الاستفادة من المياه شرط عدم الإضرار بمصالح الغير.كما توقع اوزال أيضاً بان تكون قضايا المياه والمشاكل المتعلقة بها خلال العشرين سنة القادمة من أهم المشاكل التي سيشهدها القرن الحادي والعشرين، محذراً في الوقت ذاته من أن احتياجات المياه سوف تتزايد بعد مرور (15-20) سنة بحيث تتجاوز الكميات المتوفرة من هذه الموارد الموجودة في المنطقة، مما قد يؤدي إلى احتمال نشوب حربٍ واسعة بين دولها بسبب تنامي الصراع المستفحل على المياه. معتبراً أن هذه المشكلة أي ( المياه ) سوف تصبح في المستقبل أهم قضية مصيرية يتوجب على الدول المعنية حلها والقضاء عليها.
أما عن كيفية استخدام تركيا لورقة المياه سياسياً وعسكرياً ضد جارتيها سوريا والعراق فيمكن توضيحه بالشكل التالي:
أولاً - سوريا وتركيا
سد اتاتورك منشا الخلاف بين سوريا وتركيا
نهر الفرات
من المعلوم أن تركيا وسوريا ترتبطان معاً بحدود برية طويلة مشتركة تجعل من الصعب جداً على قوات الحدود في كلا البلدين ضبطها وحمياتها بالشكل المطلوب، وهذا ما سهل على المتسللين والخارجين عن القانون اجتيازها وعبورها بكل يسرٍ وسهولة، مما أدى إلى حدوث مشاكل أمنية كبيرة وصلت إلى حد تبادل التهم بينهما، وادعاء كل طرف بإيواء العناصر الخارجة عن النظام رغم كون هذه الحدود لا تزال حتى يومنا هذا مزروعة بالألغام. ففي عام 1956 تبادلت الحكومتان السورية والتركية الاتهامات والاحتجاجات الرسمية بينهما،على اثر شروع سوريا ببناء سدٍ على أحد الروافد القريبة من الحدود الدولية المشتركة مع تركيا، اتهم فيها المسؤولون السوريون الأتراك بزرع الألغام قرب هذه الحدود. وقد شرح السفير السوري في أنقرة أثناء لقاءه بوزير الخارجية التركي استياء حكومته من تصرف السلطات التركية في وضع هذه الألغام، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن حوالي (108) من المواطنين السوريين قد لقوا حتفهم بسبب ذلك خلال الفترة الواقعة بين ( 12- 21 / حزيران / 1956 ) من دون أن يكون منهم أي من أصحاب السوابق أو المطلوبين. وبّين السفير السوري أيضاً بأن حكومته ترى أن وجود هذه الألغام المزروعة في منطقة الحدود المشتركة بين البلدين قد جعلت كثيراً من المناطق السورية متأخرة ومتخلفة عن باقي المناطق الأخرى في النواحي الاجتماعية والاقتصادية جراء شعور الفلاحين بالخوف من وجود هذه الألغام المنتشرة في مناطقهم.
ومنذ عام 1985 حرصت تركيا على اتخاذ إجراءات احترازية أمنية مشددة لحماية مشاريعها الاروائية المقامة على نهر الفرات، بعد أن أرسلت الشركات الهندسية المكلّفة ببناء سد اتاتورك ونفق شانلي اورفة رسائل تحذيرية إلى السلطات الحكومية، تؤكد فيها احتمال تعرّض هذه المنشآت المائية لعمليات تخريبية متعمدة من قبل عناصر حزب العمال الكردستاني، مما دفع الحكومة التركية إلى إرسال قوات نظامية من الجندرمة التركية لحماية هذه المواقع الإستراتيجية، وإقامة مراكز أمنية تابعة لقوات الشرطة، تتولى فيها مهمة القيام بعمليات التفتيش والمراقبة الدورية. ولم تقتصر هذه الإجراءات الحكومية على حماية هذين المشروعين فقط بل شملت أيضاً جميع المشاريع الحيوية الأخرى المقامة في أنحاء مختلفة من البلاد.
وفي أواخر عام 1986 تأزمت العلاقات التركية – السورية بشكلٍ حاد في أعقاب إعلان الحكومة التركية، اكتشافها لمحاولة تفجير سد اتاتورك على يد مجموعة مؤلفة من (12) عنصراً من عناصر حزب العمال الكردستاني بدعمٍ وتحريض من قبل سوريا ، وقد تمكنت السلطات التركية من إحباط هذه المحاولة وإلقاء القبض على مدبر العملية ويدعى (عدنان عامري) وفريقه قبل الشروع بتنفيذ عمليتهم. وفي أثناء التحقيق معهم زعمت الشرطة التركية أن عامري هو مواطن سوري يعمل في منظمة إرهابية تطلق على نفسها اسم (منظمة الجهاد الإسلامي) التي تدعمها سوريا. وعلى اثر ذلك قررت تركيا إرسال عدد كبير من قواتها المدربة تدريباً جيداً إلى موقع بناء السد – اتاتورك – والمناطق المحاذية للحدود القريبة من سوريا، بهدف حمايتها ومنع المتسللين من محاولة القيام بعمليات تخريبية مماثلة ضد المشاريع الاروائية في البلاد. وقد بلغ في البداية عدد القوات النظامية التي أرسلتها الحكومة إلى منطقة المشروع حوالي (1500)جندي، دربوا تدريباً جيداً على أسلوب حرب العصابات ثم اخذ العدد يزداد بعد ذلك تدريجياً في أعقاب تزايد القلق من احتمال قيام عناصر حزب العمال الكردستاني بالتعرض لمنشآت السد مرة ثانية ليصل إلى حوالي ( 5 ) آلاف جندي.
لقد أدى وقوع بعض وحدات مشروع جنوب شرقي الأناضول قرب الحدود الدولية المشتركة مع سوريا والعراق، إلى تزايد حدة الخلافات السياسية بين الدول الثلاث مما دفع القوات العسكرية التركية إلى الانفتاح والانتشار على طول هذه الحدود، من اجل صد أية محاولة تخريبية يقوم بها طرف ما للهجوم على هذه المنشات. ومع ذلك فقد كان لوجود هذه المشاريع وخصوصاً الزراعية منها قرب المناطق الحدودية للبلدان المتجاورة تأثير كبير على إعداد الخطط ورسمها على مسرح العمليات، سيما وان إقامتها سوف يساعد في المستقبل على اعمار تلك المناطق الحدودية، بحيث تصبح فيما بعد سلاحاً ذو حدين في وسعه التأثير على الفعاليات العسكرية التعرضية والدفاعية من جهة، وعلى القطعات العسكرية نفسها من جهة ثانية.
وإذا انتقلنا إلى توضيح التأثيرات العسكرية لمشروع جنوب شرقي الأناضول على دول الجوار، فأننا سنلاحظ أن المياه المخزونة في السدود التركية من الممكن استخدامها للتأثير على العمليات العسكرية الموجهة ضد سوريا والعراق، في حالة ما إذا نشب صراع مسلح حول المياه، وذلك عن طريق إطلاق تصاريف عالية جداً من مياه النهرين بحيث تعجز المشاريع الخزنية – السدود والخزانات- المقامة في كل من العراق وسوريا عن استيعابها وتنظيم كمياتها الجارية بصورة سريعة. ويتعاظم هذا الأمر بشكل متزايد وخطير عندما يتزامن ذلك مع القيام بإملاء هذه الخزانات أو في أثناء هطول كميات كبيرة ٍمن الأمطار (التساقط). وهنا يمكن لنا أن نتصور حجم المخاطر والآثار التي ستخلفها هذه السدود في حالة ما إذا قرر الأتراك إفراغها من المياه بشكل مفاجىء أو مقصود، بعد استكمالهم كافة مراحل بناء وحدات مشروعهم المائي العملاق (كاب) وخزن ما يقارب (100) مليارم3 من مياه نهري الفرات ودجلة في السدود التابعة لهذا المشروع، مما سيؤدي بالتالي إلى حدوث موجات فيضانية هائلة قادرة على إغراق مئات القرى والمدن الواقعة على ضفاف النهرين في كل من سوريا والعراق. ولعّل التصّريح الذي أدلى به أحد أعضاء الحكومة التركية وهو وزير الأشغال العامة دليل أكيد على وجود نية حقيقية مبيتة لدى الأتراك، في استخدام هذه المياه المخزونة كأسلوب للتهديد والابتزاز السياسي ضد دول الجوار، وسعيهم إلى تدمير بنيتها التحتية إذ يقول عن ذلك ما نصه: ((... لئن أغضبنا السوريون فتحنا عليهم السدود... وسوف تغرق سوريا)).
ورغم وجود نوع من التوازن النسبي للإمكانات الذاتية في ميزان القوى بين تركيا من جهة وسوريا والعراق من جهة أخرى، فان ذلك قد يدفع بدولتي المجرى والمصب إلى اعتماد خيار الحرب كأجراء أخير للحصول على حقوقهما المائية المشروعة في مياه نهري الفرات ودجلة، بعد فشل كل الحلول المتاحة لتحقيق ذلك مع تركيا خصوصاً عندما تتحول الأخيرة إلى مصدرٍ مثيرٍ للخطر يهدد الأمن المائي المشترك لكلا البلدين، من دون أن يتم استبعاد هذا الخطر بالوسائل التقليدية. ويعتقد المراقبون أن تركيا تحاول تجنب الصدام العسكري المباشر مع سوريا والعراق في الحرب من أجل المياه، إلا أنها قد تفكر في توجيه ضربة اجهاضية لسوريا تحديداً لما تشكّله الأخيرة من خطرٍ كبيرٍ على أمنها القومي. وبما أن تركيا تعتبر عضواً في حلف شمال الأطلسي، وترتبط أيضاً بتحالف عسكري-مائي مع إسرائيل فان ذلك يجعل ميزان القوى يميل بدرجة كبيرة لصالحها، مما يفرض قيوداً كثيرة على اعتماد خيار الحرب بالنسبة لسوريا والعراق، رغم كون هذا الخيار غير مستبعد من حسابات البلدين بصورة نهائية.
وحول إمكانية نشوب صراع مسّلح على المياه بين سوريا وتركيا في السنوات القادمة، أجرت رئاسة أركان الجيش التركي دراسة دقيقة معمقة لهذا الاحتمال، صدر عنها في النهاية تقرير مفصّل حول احتمال نشوب هذا الصراع مع سوريا. فأشار التقرير إلى انه رغم وجود تكافئ نسبي في موازين القوى العسكرية بين البلدين إلا أن لتركيا رجحان واضح في المسائل التكنولوجيا وعامل الأرض الذي يبرز واضحاً في الأقسام الشرقية والجنوبية الشرقية من البلاد ،حيث تكثر فيها المناطق الجبلية الوعرة والمظاهر التضاريسية المعقدة مقارنةً بالطبيعة السهلية المنتشرة في سوريا. وبيّن التقرير كذلك أن السدود والخزانات وأقنية المياه التابعة لمشروع الكاب، ستكون عاملاً حاسماً في إعاقة أي زحف أو تقدمٍ بريٍ تقوم به القوات السورية باتجاه المناطق السهلية الواقعة في جنوب شرقي تركيا، حيث تنتشر منظومات الاقنية الاروائية المتصلة بهذه المنشآت المائية الممتدة لمسافات طويلة داخل عمق الأراضي التركية، بحيث يساعد ذلك على تغيير معالم البيئة الطوبوغرافية للمنطقة لحظة وقوع الاشتباك مع سوريا. وطبقاً لما جاء في التقرير المذكور فان تركيا ستلجأ إلى ضخ كمياتٍ كبيرةٍ من المياه المخزونة في هذه السدود من أجل إغراق سهول شانلي اورفة وغازي عنتاب وماردين، عبر استخدام القنوات المائية المتصلة بها من أجل تضييق الخناق على حركة سير الآليات المدرعة السورية وشلها رغم تأثيرها الكبير أيضاً على تقدم الدبابات التركية، وفي هذه الحالة سيكون العامل الحاسم في تقرير مصير الحرب ونتيجتها هو لصالح سلاح الطيران والصواريخ الذي تتمتع به تركيا منفردة على حساب سوريا. وكان وزير الدفاع التركي قد حذر الحكومة السورية في أعقاب انتهاء اجتماع لأعضاء مجلس الأمن القومي التركي في 27 كانون الثاني / يناير 1989، بان بلاده قادرة على ردع سوريا عن طريق استخدام سلاحين فعّالين ضدها ألا وهما عاملا المياه والقوة العسكرية. وفي رده على التصريحات التي كان قد أدلى بها وزير الإعلام السوري محمد السمان فيما يخص لواء الاسكندرون، وعدم تخلي سوريا عن المطالبة به، صّرح الناطق الرسمي بأسم الحكومة التركية أن: (( على سوريا أن تتذكر أن طول حدودها معنا هو 900 كم، وان سوريا لا تستطيع أن تحارب على كل الجهات )).
ثانيا- العراق وتركيا:
نهر دجلة
أثارت مشاريع المياه التي تبنيها تركيا على نهري الفرات ودجلة، مخاوف العراق وقلقه المتزايد من احتمال أن يؤثر ذلك على معدل تصريف المياه الجارية إلى البلاد، بعدما تبيّن في السنوات اللاحقة أن لهذه المشاريع تأثيرات جانبية خطيرة ( بيئية واقتصادية ) على دولتي المصب سوريا والعراق، وتتمثل بحدوث انخفاضٍ كبير في معدل تصريف المياه وتردي نوعيتها وزيادة نسبة التلوث النهري، جراء إقدام الحكومة التركية على القيام بملء سدودها الكبيرة من دون أن تراعي في ذلك الاحتياجات الضرورية لشريكيها، كما حدث في كانون الثاني/ يناير1990 عندما بدأت تركيا تستعد لإملاء اكبر الخزانات المائية الموجودة على نهر الفرات ألا وهو سد أتاتورك الذي تبلغ سعته التخزينية أكثر من (7,48 ) مليارم3، رغم أن هذا الرقم يتجاوز ذلك بكثير حسبما يذكره مدير الأشغال المائية الحكومية ( فروخ انيك ) بقوله: ((... خططنا لان يكون أقصى حجم تخزيني تستطيع البحيرة استيعابه هو7, 84 مليارم3 !!.)) .
ومع ذلك فقد صاحب عملية إملاء السد توتر كبير في العلاقات السياسية بين الدول الثلاث، فبالنسبة للقرار الذي اتخذته الحكومة التركية بشان إغلاق مجرى النهر لمدة (30 ) يوماً فانه جاء نتيجة لما أسمته هي ( بالضرورات الفنية )، في حين اعتبر العراق وسوريا أن هذا الإجراء لم يكن مدروساً دراسةً جدية كافية ،لذا فهو لا يمكن عده مبرراً مقنعاً حتى يدفع بالمسؤولين الأتراك إلى قطع المياه عنهما طوال هذه الفترة، كونه قد جاء نتيجة لأسباب سياسية وعسكرية بالدرجة الأولى أما الأسباب الفنية فسنحاول شرحها الان .
عندما بدأت الحكومة التركية تستعد لإملاء خزان سد أتاتورك تعمدت في وقتها عدم إشعار أو إخبار جارتيها بقرار قطعها لمياه النهر، مما عد ذلك خرقاً فاضحاً وصريحاً من قبلها لقواعد القانون الدولي الذي ينص على ضرورة التباحث والتشاور بين الأطراف المعنية بالأمر، مدعيةً في ذلك الوقت أن التغييرات الهايدرولوجية التي تعّرض لها حوض النهر، والتعقيدات الإنشائية والهندسية التي واجهت بناء السد، دفعا بها إلى القيام بعمليات خزن المياه على مستوى منخفضٍ من مجرى النهر، لكن الحقائق أشارت فيما بعد بأن السبب الرئيس وراء قيام الأتراك بقطع المياه عن العراق وسوريا يعود إلى وجود أخطاء فنية في التصميم الهندسي لجسم السد أو ما يطلق عليه الجانب التركي ( بالضرورات الفنية )، وهي مسألة كانت معروفة لديه منذ عام 1983 إلا انه لم يجرؤ على طرحها أمام أعضاء ( اللجنة الفنية الثلاثية ) المكلفة بالتوصل إلى إيجاد حلٍ عادلٍ ومنصفٍ لاقتسام مياه النهرين بين الدول المشتركة بحوضيهما أثناء الاجتماعات الدورية التي كانت تعقدها اللجنة من فترة إلى أخرى. وهو أمر توضحت حقيقته بصورة أكثر للجانبين العراقي والسوري في أثناء انعقاد الاجتماع ألـ ( 14 ) للجنة المذكورة عام 1990 ،عندما رفض الوفدان الاقتناع بالحجج والأعذار التي قدمها اليهما الجانب التركي حول قرار حكومته بإغلاق مجرى النهر لمدة (30) يوماً.
أما إذا أتينا إلى مناقشة وتفسير مغزى الإجراء التركي من قرار قطع المياه عن العراق وسوريا لإملاء السد الذي يعتبر قلب المشروع الكبير ( كاب )، فإننا سنلاحظ أن القرار الذي صدر عن أعلى سلطة رسمية عسكرية في البلاد وهو مجلس الأمن القومي التركي، قد جاء من أجل توظيف عامل المياه كغرضٍ عسكريٍ بحت أراد من خلاله الأتراك التعرف على نوايا وردود أفعال العراق وسوريا المبيتة تجاههم .
ومن أجل معرفة طبيعة هذا القرار العسكري الخطير المتخذ من قبل المؤسسة العسكرية التركية، لابد لنا من العودة إلى الاجتماع الذي دعا إليه مجلس الأمن القومي التركي في 28 تشرين الثاني / نوفمبر 1989 ، والذي خصص من أجل التشاور في موضوع إملاء خزان السد، فبعد الانتهاء من الاجتماع وجّه أعضاء المجلس رسالة تحذيرية غير رسمية إلى الحكومتين العراقية والسورية، أشاروا فيها إشارة واضحة إلى أن تركيا ترغب بقطع المياه عنهم كإجراء سياسي وعسكري مزدوج، ما لم يكف البلدين عن مواصلة دعم الجماعات الإرهابية التي تحاول القيام بعمليات تخريبية في داخل تركيا. ولم يحبذ المجلس المذكور إطلاع الصحف ووسائل الإعلام ( المرئية وغير المرئية ) على ما جاء في هذه الرسالة، كما انه لم يحاول السعي إلى نفيها أو تأكيدها مما يدلّل على أن هذه الفكرة كان قد تم مناقشتها مسبقاً قبل ذلك بفترة وجيزة.
إن القرار الذي اتخذته تركيا في 10 تشرين الثاني / نوفمبر 1989 بشأن قطع المياه عن العراق وسوريا لمدة ( 30 ) يوماً من (13 كانون الثاني / يناير ولغاية 13 شباط / فبراير1990 ) تمهيداً لملء السد بالمياه، لم يكن صادرا ًفي الحقيقة عن الحكومة التركية المتمثلة بشخص رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو حتى وزير الزراعة، بل صدر عن مجلس الأمن القومي التركي الذي يعد أعلى سلطة سياسية وعسكرية في البلاد. وهذا يعني أن تركيا كانت مستعدة ومهيأة استعداداً كاملاً للدخول في أية مواجهة عسكرية مسّلحة قد تندلع مع جيرانها إذا ما فكروا وحاولوا التصدي لعملية الإملاء، كونها تعي وتدرك مدى فداحة الخسائر والأضرار التي سيتعرض لها الاقتصادين العراقي والسوري من جراء عملية ملء السد.
ويتفق في هذا الرأي أيضاً أحد الخبراء العسكريين في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الذي قام بأعداد دراسة فنية معمقة عن سد اتاتورك، نشرت في صحيفة السياسة الكويتية آنذاك قبل ستة عشر عاماً، أشار فيها الباحث إلى أن إقامة هذا السد في تركيا لم يكن يهدف في يوم ما إلى حل ومعالجة مشكلة المياه التي تعاني منها البلاد، بل كان الغرض الأساس من إنشائه عسكرياً بالدرجة الأولى. وان عملية قطع المياه وتحويلها مباشرة إلى هذا السد لم تكن مخصصة من أجل إملاء بحيرته الاصطناعية فقط بل كانت تهدف في الواقع إلى قياس مدى تأثير هذه العملية على واقع الزراعة في كل من العراق وسوريا، بالاعتماد على النتائج التي سيسفر عنها الموسم الزراعي لكليهما خلال هذا العام (1989/1990). وبالفعل فقد أدى نقص كل ( مليار ) م3 من مياه الفرات في العراق إلى نقصان ( 26 ) ألف دونم من الأراضي الزراعية، وخسارة حوالي ( 40% ) من هذه الأراضي الصالحة للزراعة جراء ارتفاع نسبة معدلات الملوحة في مياهه، ناهيك طبعاً عن تضرر حوالي ( 7 ) مراكز محافظات عراقية و ( 25 ) قضاء و( 58 ) ناحية و ( 4000 ) قرية بمجموع سكانها البالغ ( 5,5 ) مليون نسمة نتيجة لعملية القطع غير القانونية. ولا يختلف الحال عنه كثيراً بالنسبة لسوريا أيضاً.
لقد ولّد الإجراء التركي بقطع المياه عن العراق وسوريا ردود أفعال قوية غاضبة، وموجة انتقادات عارمة من قبل الأوساط العربية والدولية، التي اعتبرت هذه الخطوة تهديداً مباشراً للعلاقات القائمة مع تركيا، وخرقاً فاضحاً لقواعد القانون الدولي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقط إنما تعداه أيضاً إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير حين برزت على الساحة الدولية بعض المنظمات المتطرفة لاسيما المناهضة منها للنظام التركي، والتي قامت بتوجيه رسائل تحذيرية مباشرة إلى تركيا تهدد فيها بضرب منشأتها المائية كرد فعل على قيام الحكومة التركية بحرمان العرب من حقهم في التمتع بالمياه. ففي بداية عام 1990 أعلنت جبهة كردية مقرها قبرص نيتها استهداف بعض السدود التركية المقامة على نهري الفرات ودجلة وخصوصا السد العملاق أتاتورك قائلةً: ((... إننا مستعدون لتدميره ...اخوتنا العرب دعونا نوحد الجهود لتحطيم السد في اقرب وقت ممكن . )).
وعندما أقدم النظام العراقي الأسبق على اجتياح الكويت 2 آب / أغسطس 1990، وحاولت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية إقناع الحكومة العراقية بضرورة الانسحاب من الأراضي الكويتية. طرحت عدة أراء لاستخدام المياه كورقة ضغط سياسي ترغم النظام العراقي على تنفيذ الإرادة الدولية بقبول الانسحاب من الكويت والعودة بقطعاته العسكرية إلى خط الحدود الفاصل بينهما، فاقترحت الولايات المتحدة على تركيا استخدام هذه الفكرة بغلق مجرى مياه الفرات ودجلة عن العراق، لكن الحكومة التركية رفضت المقترح الأمريكي بسبب ما ينطوي عليه من مخاطر وأثار اقتصادية كبيرة تضر بسوريا والعراق. وسمحت في مقابل ذلك باستخدام مجالها الجوي وقواعدها العسكرية كنقطة انطلاقٍ للطائرات الأمريكية صوب الأراضي العراقية من أجل قصف المنشآت الإستراتيجية المهمة فيه.
وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية على العراق في شباط 1991، وقيام مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات اقتصادية على البلاد، لجأت تركيا إلى تخفيض معدلات تدفق مياه نهر الفرات إلى أراضيه كجزءٍ من قرار التوسع في نطاق الحظر الاقتصادي المفروض عليه.
إزاء ذلك لم يكن أمام النظام العراقي من خيار سوى رفض هذه الإجراءات التعسفية، ومطالبة الأمم المتحدة ومجلس جامعة الدول العربية بإلغائها داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته الكاملة من أجل إيقاف معاناة الشعب العراقي وما يتعرض له أبناءه من إبادة جماعية شاملة، وتدهور عام في القطاعات الاقتصادية والصحية والاجتماعية للبلاد، فضلاً عن التدمير والتخريب البطيء الذي لحق بالبنى التحتية والثروات الطبيعية خلال فترة الحصار الطويلة .
المصدر : مركز الدراسات الاقليمية
|