|
حلف شمال الاطلسي ومهام السخرة |
|
|
|
الجمعة 8/2/2008م الموافق 30 محرم 1429 هق
بمرور الوقت، تزداد الولايات المتحدة عزلة ومنبوذية بين شعوب العالم، بسبب سياستها التوسعية المتعجرفة وشراهة قادتها المنصبة على نهب ما امكنهم من ثروات الشعوب، ومحاولتهم السيطرة على مختلف البلاد والعباد، مستعينين بآلتهم العسكرية الجهنمية، وأصدقاء ذيليين بدأوا بالتشرذم والاحباط وعدم التمكن من توفير احتياجات واشنطن المتنامية، وذلك ما نلاحظه اليوم من استعانة واشنطن بقمة طاقمها السياسي المتمثل بوزيرة خارجيتها كوندوليزا رايس، في محاولة إحتواء احباطات حلف الـ "ناتو" في افغانستان، الامر المفترض ان يكون من مهام وزارة الدفاع الاميركية الـ "بنتاغون"، لكن يبدو ان اميركا لم يعد لديها من خيار آخر سوى المراهنة على اسلوب المداهنة والترغيب لاقناع وجر ما يمكن جره من " كباش الفداء " الاوروبية الى مجازر افغانستان، لتتفرغ هي لما هو أهم في مناطق اخرى ساخنة من العالم.
خطوة رايس هذه جاءت "في الوقت الضائع" وإثر عدم الاستجابة للضغوط التي مورست من قبل وزير الدفاع الاميرکي لاجبار دول حلف شمال الاطلسي الـ "ناتو" على ارسال المزيد من القوات الى جنوب أفغانستان، وبعد ان استخفت بعض الدول ومنها "المانيا" بضغوط "روبرت غيتس" الموجهة اليها، رافضة اقتراحه نشر اكثر من 200 من جنودها في جنوب افغانستان، ما دفع "غيتس" الى التحذير من حدوث انقسام داخل الـ "ناتو" بسبب الخلافات حول حجم المشارکة العسکرية في هذا البلد، بل وأبدى خشيته "أمام لجنة في مجلس الشيوخ الاميركي"، من انقسام الحلف الى قسمين، احدهما "مستعد للموت" من أجل "أمن الآخرين"، والقسم الاخر يفتقر لهذا الاستعداد، على حد زعمه، وأكد ان استمرار الوضع على هذا النحو أو تدهوره فانه سيلقي بظلاله على مستقبل الحلف..
.. حلف شمال الاطلسي او ما يعرف بـ الـ "ناتو" هو في واقعه معاهدة عسكرية دفاعية بين أميركا ودول اوروبية ضد اي هجوم على الدول المنظمة اليه، فأي دولة تتعرض لهجوم خارجي يعتبر هجوما على كل دول الاعضاء، وقد انشئ هذا الحلف حين اعلن الاتحاد السوفييتي في تشرين الثاني/نوفمبر سنة 1947 عن امتلاكه لسر صنع الفنبله الذرية، حيث اخذت مخاوف الولايات المتحدة ودول غرب اوروبا تزداد شيئا فشيئا، إضافة الى ما حصل في السنة نفسها من انقلاب في مدينة براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا التي تحولت إثره الى دولة شيوعية، الامر الذي اذهل دول اوروبا والولايات المتحدة.
الملاحظ، ان الولايات المتحدة حاولت استغلال هذا الحلف بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وجره للدفاع عن مصالحها وللتقليل من خسائرها البشرية في المناطق الساخنة التي تورطت فيها، ولم تجد لها من مخرج سوى توريط دول الحلف على ان تنسحب هي رويدا رويدا من تلك المناطق، وافغانستان خير مثال وشاهد حي على ذلك.
ان الاعباء التي تريد واشنطن تحميلها الحلفاء للاضطلاع بمهام قتالية نيابة عنها في افغانستان، لا يمكن تذليلها بالرغم من الـ "صعوبات" المستديمة جراء الضغط على الحلفاء للمشاركة في تحمل هذه الاعباء.
وقد اعترفت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس مؤخرا بتلك الصعوبات، إذ يشكل رفض "المانيا" الدعوات الاميركية لارسال قوات مقاتلة الى جنوب افغانستان، بسبب انزعاجها من ما اسمته بـ الطريقة "القاسية" التي وجهت بها تلك الدعوات، احدى اهم الاحباطات التي تواجه واشنطن، اضافة الى التلكؤ المستمر الذي دائما ما تبديه "كندا" ودول اخرى من ازدياد احتياجات اميركيا وضغوطها المستمرة على دول حلف شمال الاطلسي لأجل توفير النقص الحاصل في عدد الجنود والمعدات القتالية.
وقد أعلنت كندا نهاية کانون الثاني/ يناير وعلى لسان رئيس وزرائها ستيفن هاربر، انها بصدد سحب قواتها من افغانستان في أوائل ألفين وتسعة، اذا لم يشارك أعضاء آخرون من الـ "ناتو" بارسال قوات الى الجنوب المضطرب لهذا البلد.
حتى الدول التي تثني عليها واشنطن لمشاركتها الفاعلة في قوات الـ "ناتو"، مثل بريطانيا "الحليف الأقوى للولايات المتحدة" تخفي في بواطنها وجهات نظر تختلف عن التوجه العسكري الحربي في افغانستان، وذلك ما لمح اليه وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند بضرورة التركيز وعلى المدى البعيد، على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، لمعالجة الوضع في جنوب افغانستان، وحل المشاكل وتداعيات الغزو الاميركي لهذا البلد، فيما تؤكد واشنطن على النهج العسكري واصرارها على التقليل من المخاوف التي شاعت في واشنطن ولندن مؤخرا من ان الـ "ناتو" لن يتمكن من هزيمة مسلحي جماعة طالبان بعد ست سنوات من الحرب في افغانستان"، وتأكيدها "واشنطن" بأن جماعة طالبان لم تعد تشكل "تهديدا استراتيجيا".
ذلك، بالرغم من التحذيرات المتوالية التي تطلقها منظمات ومعاهد دولية كثيرة مختصة باعداد الدراسات والبحوث الاستراتيجية كـ "مجلس سينليس" والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، تشير جميعها الى ان افغانستان اصبحت على "شفا الهاوية"، وانها يمكن ان تصبح "دولة فاشلة"، وان الجهود لن تكون مجدية "اذا لم يتم التحرك بسرعة للعمل على استقرار المناطق الجنوبية لافغانستان".
من الطبيعي، ان واشنطن لا يهمها كثيرا إن سقطت افغانستان او اية دولة، كالعراق ولبنان ودول اخرى في القارة الافريقية، الى "الهاوية" او ان تصبح تلك الدول "دولا فاشلة"، ويكفي تذكر السياسة "الهابطة" المعلنة من قبل الخارجية الاميركية في فترة الحرب "القذرة" التي شنتها حكومة الاحتلال الاسرائيلي على لبنان صيف الفين وستة، المبنية على انتهاج تحول وتغيير عبثي لمنطقة حيوية تضم عشرات الملايين من البشر الى شرق اوسط يتصف بـ "فوضى خلاقة"، من اجل تمرير مصالح الولايات المتحدة ومصالح ربيبتها غير الشرعية في المنطقة.
لكن، ماذا عن مصالح دول اوروبا المنضوية تحت لواء حلف شمال الاطلسي اللاهثة وراء السراب الأميركي؟ واخرى لم تنضو تحت لوائه، لكنها تشارك اميركا ضراءها دون السراء كاستراليا واليابان؟
التجارب اثبتت ان آخر ما تفكر به اميركا هو انصاف هذه الدول المخدوعة، والتي صيرتها درعا واقيا تحتمي به من عاديات الزمن.
|