|
ساركوزي يقف على أطلال فرنسا الديغولية! |
|
|
|
الأحد 02/12/2007 الموافق 21 ذي القعدة 1428 هق
من اللافت لكل السياسيين والمتابعين للعلاقات الدولية أن صورة فرنسا القديمة، فرنسا الديغولية المتعالية التى تتصرف كدولة لها تأثيرا ووزنا في الساحة العالمية بدأت تهتز وتخبو مع قدوم ساركوزى الطامح إلى إعادة تشكيل العلاقات الخارجية الفرنسية وفق سياسة خارجية تجعل المصالح الآتية والمستقبلية لفرنسا في المرتبة الأولى، فلا مجال لأعداء دائمين وهذا الطموح جعل ساركوزي يذهب بعيدا فى تصريحاته الواعية والتى لم تكن بالمرة من زلات اللسان.
بدايتها كانت لما وصف من تسببوا فى أحداث الضواحى الباريسية بالأوباش والأوغاد ولم يعتل بعد سدة الحكم. مما تسبب فى إثارة الجالية العربية المهاجرة فى فرنسا وما تمثله من ثقل فى الساحة الفرنسية اضطر بعدها ساركوزى إلى مغازلتها فى حملته الانتخابية الرئاسية.
وعلى المستوى الخارجى كانت تصريحات ساركوزى تثير العديد من التساؤلات حول مصداقية الرجل فى التعاطى مع القضايا المصيرية والهامة التى ترسم ملامح العلاقات الدولية.
فقد كان الموقف الفرنسى يطالب بفرض عقوبات على إيران بحكم إصرارها على استكمال برنامجها النووى مندرجا بذلك فى صلب الموقف الأمريكى الساعى إلى كسب تأييد دولى لكل قراراته.
وكانت زيارته الأخيرة إلى واشنطن وما تبعها من تصريحات نقطة تحول هامة فى الموقف الفرنسى الذى اختار الوقوف مع الخيارات الأمريكية ضمانا للمصالح الفرنسية.
فقد صرح الرئيس الفرنسى أنه "فى الصعوبات والمحن كانت أمريكا وفرنسا دوما جنبا إلى جنب تساند كل منهما الأخرى وتساعدها وتحارب كل منهما من أجل حرية الأخرى".
والحقيقة أن ساركوزى صادقها فى هذا القول بحكم أن أمريكا تعيش صعوبات جمة فى المستنقع العراقى والموقف الفرنسى الرافض للحرب على العراق سابقا يجب أن ينزاح عن رؤيته القديمة ويقدم المساعدات لواشنطن كى تخرج بأقل الأضرار.
إن تصريحات ساركوزى المؤيدة للموقف الأمريكى وللرؤية الأمريكية للأوضاع العالمية أثارت العديد من التساؤلات فهل هى مجرد كسب للود الأمريكى من أجل ضمان مصلحة فرنسا أم هى تمثل تحول جذرى من دولة مؤثرة فى الساحة الدولية إلى دولة تسير فى ظل المقاربة الأمريكية للمشهد العالمى الجديد؟
وربما ذلك ما جعل وزير الخارجية الفرنسى برنار كوشنير يحاول تلطيف الموقف الفرنسى باعتباره اصطفافا لباريس وراء واشنطن. فقد صرح قائلا للنواب خلال مناقشته مشروع موازنة وزارة الخارجية "لا يجب المحاكمة على النوايا اقرأوا خطاب الرئيس وما كتبت عنه الصحف الأمريكية" وأضاف "لم نقم بأى اصطفاف أنا أصر على ذلك". وقال أيضا "إن استقبال الشعب الأمريكى ومن بينه الجمهوريين والديمقراطيين لم يكن استقبالا لبلد مصطف وراء الولايات المتحدة".
وأيا تكن ردود الفعل حول تصريحات ساركوزى ونهجه السياسى الذى انساق وراء خطاب العولمة الأمريكى الهادم لكل الخصوصيات والضارب لمفهوم السيادة القطرية فإن السياسة الفرنسية الخارجية أعادت تشكيل رؤية الآخرين للموقف الفرنسى الرافض لخطاب الهيمنة واللغة الأحادية. وأصبحت لغة المصالح هى المعيار المتحكم فى كل العلاقات الموالية. فتعهد ساركوزى لنظيره الأمريكى بدعم ملموس فى قضايا باكستان والملف النووى الإيرانى وأفغانستان يدخل فى إطار بلورة رؤية فرنسية جديدة تقرأ المشهد العالمى قراءة جديدة بعيدة عن الشعارات وصخب الإيديولوجيا.
فهل يدرك أصدقاء فرنسا هذا التغير ويتعاملون مع ساركوزى الطموح بنفس قانون اللعبة، خاصة وأن قسما هاما من الدول العربية تربطه علاقات وطيدة مع فرنسا.
إن التحولات التى خلقتها الموازنات العالمية الجديدة تفرض على العرب أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم حسب الأهمية التى تقتضيها. ففرنسا ساركوزى ليست فرنسا ديغول ولا فرنسا شيراك. وأمريكا التى تمكنت من احتواء الموقف الفرنسى تدرك جيدا تأثير فرنسا الكبير على اقتصاديات العديد من الدول العربية وعلاقاتها المشتركة معهم.
وهذا التقارب الأمريكى الفرنسى لن يحيد عن إرساء تعاون مشترك فى العديد من القضايا الدولية التى تهم العرب بالدرجة الأولى. فالعراق القابع تحت احتلال أمريكى مهدد بالتقسيم والتفتيت إلى كنتونات وثروته النفطية تذهب هنا وهناك دون استفادة حقيقية لإعادة إعمار العراق بعد الدمار الذى لحقها. وفرنسا ساركوزى تدرك أن ضمان مصلحة شركائها هناك فى بغداد وضمان حصتها من ذهب العراق الأسود لن يكون سهلا إذا لم تدعم فرنسا الرؤيا الأمريكية وتساعدها فى إيجاد حل يحفظ لها ماء الوجه خاصة وأن الموقف الأمريكى عبر عن خيارين لا ثالث لهما فإما أن تكون معى وتضمن مصالحك وإما أن تكون ضدى فتصنف ضمن الدول المارقة والداعمة للإرهاب.
|