مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > المقالات والدراسات > المقالات والدراسات >  القراءة الفرنسية للانتخابات الرئاسية اللبنانية ...
القراءة الفرنسية للانتخابات الرئاسية اللبنانية ... نسخة للطابعة ارسال الی صديق
 
                                                    الأحد 02-09-2007م الموافق 19 شعبان 1428هق

 
 
من ثوابت السياسية الخارجية الفرنسية بقاء لبنان في رأس أولويات الإهتمام الفرنسي باعتباره مرتكزا وقاعدة للإنطلاق في منطقة الشرق الأوسط، ورغم ذلك الموقع الفارق لم تتمكن باريس من ترجمة تطلعاتها وفقا للكيفية المفترضة لإعتبارات متنوعة ومتعددة.
أبرزها التنافس مع واشنطن حول حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه في ساحة شديدة الحساسية كلبنان. فكيف تنظر باريس لملف إنتخابات الرئاسة؟ وهل ستتمكن هذه المرة من التأثير فيه؟ وما هي المسارات التي ستسلكها في ذلك؟ ثمة ملاحظات عدة يمكن إدراجها في هذا المجال أبرزها:
- لم تتمكن باريس من كبح جماح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد إحتلالها للعراق، وربما انتظرت اللحظة المناسبة للتحرك الجديد بعد وصول ساركوزي للرئاسة التي ترافقت مع بوادر المأزق الأميركي في المنطقة ما وسّع من هامش التطلعات الباريسية وأعطاها دفعا جديدا لتحقيق طموحات دفينة عمرها من عمر الكيانات السياسية في المنطقة، ففرنسا الشيراكية إرتكزت على تبني مشروعها في المنطقة على مرتكزات إتفاق الطائف في لبنان وتحديدا موقع رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري، ومع إغتيال هذا الأخير شعرت باريس بخسارتها لأهم مرتكزاتها الإستراتيجية في لبنان، ما جعلها تدخل مباشرة ومرة أخرى لإعادة رسم إستراتيجياتها الجديدة في المنطقة وعبر البوابة اللبنانية تحديدا.

- إن التحرك الفرنسي الجديد هو إنعكاس واضح لقراءة مختلفة للواقع السياسي في لبنان بعد وصول ساركوزي للرئاسة، وهذا ما تُرجم عمليا عبر مؤتمر الحوار اللبناني في سان كلو ومتابعاته الحالية، ما يشير أيضا إلى تصميم فرنسي للمضي إلى نهايات الملف بصرف النظر عن حجم الإخفاقات أو النجاحات المفترضة فيه، ذلك بفعل ضيق الخيارات المتاحة، فمع علم باريس الواضح بحساسية الساحة اللبنانية للأطراف الإقليميين والدوليين فهي مضطرة لإعادة رسم السيناريوهات المحتملة ولو في أعلى الهرم السياسي الفرنسي وصولا إلى ما يمكن تحقيقه في ملف الرئاسة اللبنانية.

- ورغم الموقع المتميز للبنان ورئيسه في التركيبة السياسية وإتكاء فرنسا عليه، لم تتمكن باريس من لعب أدوار حاسمة في مجمل الإنتخابات الرئاسية اللبنانية منذ العام 1946 تاريخ خروجها كدولة منتدبة على لبنان. فالقراءة السياسية الدقيقة تشير إلى أن جميع الرؤساء اللبنانيين قد انتخبوا خارج التأثير الفرنسي المباشر، وأن كان ثمة دور ما فلا يعدو من باب العلم والخبر الذي لم تتمكن باريس من صرفه سياسيا محليا وإقليميا.

- إن غالبية الرؤساء اللبنانيين كانوا ثمرة إتفاقات أميركية مع الأقطاب العربية الفاعلة كمثال السعودية ومصر ومن ثم سوريا، وطبعا ثمة رئيس واحد خرج على هذه القاعدة هو الرئيس شارل حلو، الذي اعتبر إنتخابه وجها لإنتصار الفرنكوفونية في المنطقة إلا أن ذلك لم يدم طويلا بفعل الواقع الداخلي والإقليمي الذي ساد مرحلة الستينيات من القرن الماضي. كما يعتبر إنتخاب الرئيس سليمان فرنجية سابقة فارقة في اللعبة الديموقراطية اللبنانية الذي فاز بفارق صوت واحد على منافسه الياس سركيس.

ان الخطاب الأخير للرئيس الفرنسي ساركوزي أمام سفرائه قد حدد ملامح التحرك الفرنسي في الملف الرئاسي اللبناني، منطلقا من عدة ثوابت تعتبر نوعا من تفادي أخطاء سلفه في الملف اللبناني، وهي بطبيعة الحال يمكن أن تؤسس لمسارات قابلة للحياة في بلد يعج بالأزمات الداخلية المستعصية وبات مفتوحا ومكشوفا على مختلف المحاور العربية والتجاذبات الإقليمية والدولية ومن هنا تكمن صعوبة الخيارات الفرنسية.
فالرئيس الفرنسي وقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف اللبنانيين لعلمه المسبق أن هذه المحاولة يمكن أن تعيد نصف اللبنانيين الذين خسرتهم فرنسا إلى أحضانها، ولعلمه أيضا أن مهما عظم النفوذ الخارجي في مطلق ملف داخلي لبناني لا يمكن نجاحه الا بإتفاق أطرافة اللبنانيين ومن هنا إشارته المحددة لعدم تجاوز آليات الدستور اللبناني في الإنتخاب المتعلق بغالبية نصاب الثلين ما يعني إتفاق كل من المعارضة والموالاة على إيصال الرئيس المنشود إلى سدة الحكم دون تحدٍ لأي طرف.

إن القراءة الفرنسية للظروف والمعطيات المستجدة في المنطقة ترجمها الرئيس ساركوزي بالإستعداد للإنفتاح على الدول الفاعلة في المنطقة وتحديدا سوريا، ذلك يعتبر مؤشرا واضحا على تأثير دمشق في هذا الملف تحديدا، وعلى الرغم من محاولة الإنفتاح الفرنسي على دمشق فقد كانت مشروطة بضمانات سورية يمكن أن تقدم بشأن دورها في لبنان وتحديدا علاقتها مع أحزاب وأطرف الموالاة في لبنان.
إضافة إلى ذلك ثمة معطيات ومواقف أخرى أطلقت من وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير حول إمكانية زيارة دمشق والإنفتاح عليها بعد زيارته لبغداد مؤخرا، وتدل هذه المواقف أن باريس تحاول توسيع هوامش التحرك الشرق الأوسطي لتشمل عواصم تعتبرها واشنطن عرينها في المنطقة ومنها بغداد. ما يعني أيضا أن المناورة الفرنسية الجديدة بشأن الملف الرئاسي اللبناني يمكن أن يُقرأ من خلال محاولة الإستحواذ والتفاوض مع واشنطن لكسب بعض الأوراق التي يمكن إستغلالها وصرفها سياسيا في الملف اللبناني. فباريس تدرك إستحالة النفاد إلى الملف العراقي لكنها تلعب ورقتها هذه بهدف كسب المزيد من القوة في الواقع السياسي اللبناني.

لقد أدركت فرنسا دقة وخطورة ما يسير إليه لبنان في هذه المرحلة وهي تعلق آمالا كبيرة على رئيس توافقي يخرج لبنان من أزماته الداخلية والتأثيرات الخارجية فيه، ورغم صعوبة ودقة المضي في هذا الملف فإن باريس عرفت كيف يمكن ولوج وسلوك الطرق القابلة بإيصال الأمور إلى نهايات سعيدة.
لقد راهنت باريس على مؤتمر سان كلو وهي تدرك عدم جدواه العملية لكنها أدركت سلفا انه وسيلة لتأجيل الإنفجار، أما الآن فلباريس أيضا قراءتها المختلفة المنطلقة من واقع المؤثرات الإقليمية وتحديدا السورية في الملف الرئاسي، ولذلك إن إشارات الإنفتاح تبدو منطلقا مقبولا إلا أنه غير كافٍ دون المتابعة بخطوات عملية يمكن البناء عليها.

اليوم كما العام 1988، خلاف لبناني حاد على إستحقاق الرئاسة الأولى وسط تجاذبات داخلية وإقليمية ودولية هائلة، آنذاك تمكنت واشنطن من تجاوز فرنسا في الملف الرئاسي وأدى الفراغ الدستوري إلى نشوء حكومتين ما أدت إلى تسوية إتفاق الطائف ركيزته الأساسية المثالثة ضمن المناصفة بين الطوائف مع بقاء الرئاسة الأولى ذات نكهة خاصة قابلة للتأويل في مجال الصلاحيات وغيرها، هل ثمة تفكير في تركيبة جديدة للبنان يمكن أن تكون فرنسا خارجها؟ربما سؤال يطرح نفسه في الأوساط السياسية اللبنانية.
لقد كررت فرنسا أكثر من مرة هواجسها من إنفلات الوضع في لبنان وخروجه عن طور المألوف، ويبدو أنها تدرك تماما مخاطر الإنزلاق في اتون حرب داخلية جديدة سيكون اللبنانيون أدوات مختلفة لتمرير مشاريع أكبر منهم، فهل ستتمكن باريس هذه المرة من منع الإنفجار الكبير الذي ستتمدد مفاعيله إلى غير مكان في الشرق الاوسط؟

إن عدة التحرك الفرنسية الحالية تبدو تقليدية ولم ترق إلى المستوى الذي يؤهل مهمتها في النجاح، فالإشتباك السياسي القائم في المنطقة ربما يكون أكبر من لبنان ومن اللاعبين فيه وحوله، لذا إن مستلزمات الحل والربط ينبغي أن تكون أكثر فاعلية وحيوية لمنع الإنفجار الكبير الذي لا تحمد عقباه، فالخاسر الأول سيكون لبنان وكما قيل في الماضي القريب في بعض الأوساط السياسية اللبنانية إن الرئيس اميل لحود يمكن أن يكون آخر رؤساء لبنان الذي نعرفّه، فهل من مصلحة لفرنسا في ذلك؟ سؤال كبير تُسأل عنه فرنسا وما يدبر في كواليس السياسات الدولية.
---------------------------
المصدر: ميدل ايست اونلاين

ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement