مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > المقالات والدراسات > المقالات والدراسات > الاتحاد الاوربي ..هل هو ناد مسيحي ؟
الاتحاد الاوربي ..هل هو ناد مسيحي ؟ نسخة للطابعة ارسال الی صديق
 بقلم: د. ابراهيم خليل العلاف
 
                                           الاربعاء 05/07/2007م – الموافق 19/جمادي الثاني/1428هق 

 
 
أعلنت الرئاسة البريطانية للاتحاد الأوروبي، مساء يوم 3 تشرين الأول 2005، أن وزراء الخارجية الأوروبيين صوتوا رسمياً في لوكسمبورغ ببلجيكا على الاتفاق الذي يتيح بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وقال المتحدث باسم الرئاسة الأوروبية: " تمت المصادقة على إطار المفاوضات بعيد دعوة وزير الخارجية البريطانية جاك سترو، نظرائه الأوروبيين لعقد اجتماع موسع للمصادقة على الاتفاق".
وقد تلقت الحكومة التركية بفرح كبير هذا النبأ، واستعد عبد الله غول نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي لمغادرة أنقرة متوجهاً إلى لوكسمبورغ للاجتماع بنظرائه الأوروبيين. وقال متحدثاً للصحفيين في المطار: "إن النص يحدد بكل وضوح آفاق العضوية الكاملة لتركيا في الاتحاد الأوروبي".وأشاد بالاتفاق باعتباره بداية عهد جديد بالنسبة إلى لتركيا. وقال: "وصلنا إلى نقطة تاريخية وهي بداية محادثات عضويتنا الكاملة في الاتحاد الأوروبي". أما جاك سترو وزير خارجية بريطانيا فقد وصف التوصل إلى اتفاق بدء المفاوضات مع تركيا للدخول في الاتحاد الأوروبي بـ"اليوم التاريخي". والجدير بالذكر أن تركيا سبق لها أن وافقت على وثيقة تدعى بـ"وثيقة إطار الانضمام" على دخولها الاتحاد الأوروبي.
والسؤال الآن، هل كان جاك سترو وزير خارجية بريطانيا، على حق عندما وصف اليوم الذي توصل فيه الأوروبيون إلى اتفاق بشأن فتح الباب لدخول تركيا الاتحاد الأوروبي؟ خاصة وأن هناك اليوم من يردد النغمة السابقة بأن الاتحاد الأوروبي نادي مسيحي (سارکوزي ) لا يحق للأتراك المسلمين دخوله.. وللإجابة على هذا السؤال لابد من العودة قليلاً إلى الوراء لمعرفة خطوات الأتراك الحثيثة للوصول إلى النقطة التاريخية الحاسمة بقبول الأوروبيين الدخول معها في مباحثات تضمن عضويتها الكاملة في اتحادهم العتيد.

لقد كانت اتفاقية 12 أيلول 1963، التي عقدت في أنقرة، تمثل أكبر خطوة اتخذتها تركيا على طريق توطيد علاقاتها بأوربا، وتسعى تركيا منذ انضمامها إلى السوق الأوروبية المشتركة آنذاك، أن تكون عضواً كاملاً في الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من أن توركوت أوزال رئيس الجمهورية التركية الراحل (نيسان سنة 1991) كان يعارض انضمام تركيا إلى عضوية الجماعة الأوروبية، عندما كان رئيساً لهيئة التخطيط قبل انقلاب 1980، إلا أنه غيّر موقفه بعد ذلك إزاء هذه المسألة من منطلق نجاح تركيا في التصنيع وزيادة صادراتها الصناعية والى شيء من هذا القبيل أشار أوزال في تموز 1987 حين قال: "إن صادرات تركيا في سنة 1980 كانت حوالي (9ر3) مليار دولار فقط، وكانت الصادرات الصناعية منها تشكل (5ر3%). وفي سنة 1987 بلغت (9) مليار دولار تشكل منها الصادرات الصناعية حوالي (79%). وقال أوزال أن عضوية المجموعة الأوروبية مفيدة فقط للدول الصناعية، وأن أي قطر يرتكز أساساً على الصادرات الزراعية لا يستفيد شيئاً من المجموعة الأوروبية، وأن تركيا أصبحت دولة صناعية تشكل الصادرات الصناعية خاصة الحديد والصلب والإطارات وغيرها (80%) من صادراتها، فإنها غدت ليست مستعدة وحسب بل وقادرةً على الانضمام إلى المجموعة الأوروبية. وقد خمّن المراقبون، إمكانية قبول طلب تركيا للانضمام إلى المجموعة الأوروبية، إلى نهاية القرن العشرين..

ومنذ المتغيرات الجديدة التي بدأ العالم يشهدها مع مطلع الألفية الثالثة، خاصة بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي، وانتهاء الحرب الباردة، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية كقوة دولية منفردة، وتعاظم دور المعلوماتية، واتساع دائرة العولمة، وشيوع ظاهرة اقتصاد السوق، فان تركيا أخذت تحث الخطى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأعلنت أنها تعمل من أجل تكييف أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكي تكسب التأييد لها من أوربا ومن العالم، للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وبدأت بالفعل بتطبيق (معايير كوبنهاغن) الخاصة بحقوق الإنسان، وإبعاد الجيش عن السلطة السياسية والانفتاح في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية.
وتعاظمت رغبة رجب طيب أردوغان زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء التركي الحالي، في أن تدخل تركيا الاتحاد الأوروبي، وقد استطاع أردوغان بشخصيته الكاريزمية من أن يجمع الأتراك حوله، وأن يبدأ بسلسلة من الإصلاحات التي ساعدت في استقرار الاقتصاد التركي، وتزايد الأمن وإبعاد الجيش عن السياسة، ولعل من أبرز ما حصل في هذا المجال إعطاء بعض الحقوق للأكراد وخاصة في مجال التحدث بلغتهم القومية، وممارسة نشاطاتهم الاجتماعية والثقافية بكل حرية.

لكن رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا تزال، بالرغم من إشارات البدء بالمفاوضات، تصطدم برؤية أوربية ترى بأن الاتحاد الأوروبي هو نادي مسيحي لا يحق للأتراك المسلمين دخوله.. وقد نشرت صحيفة الأندبندنت البريطانية يوم 2 تشرين الأول 2005، تقريراً بهذا الشأن عنوانه:"تركيا تتهم الاتحاد الأوروبي بالسعي للتحول إلى نادٍ مسيحي". وفي هذا التقرير تناولت الصحيفة تصريحات رئيس الحكومة التركية (أردوغان) الذي رفع سقف التحدي بالقول:"على الاتحاد الأوروبي أن يثبت الآن أنه ليس نادياً مسيحياً". وتقول الصحيفة أن الاستفتاء الأخير على الدستور الأوروبي الذي رفضته فرنسا وهولندا، أظهر بأن الرأي العام الأوروبي يعارض انضمام تركيا.
وفي توضيح حول العلاقات التركية – الأوروبية كتب الصحفي (ستيف كاسل) مقالاً في الصحيفة المشار إليها آنفاً يوم 2 تشرين الأول 2005 بعنوان:"النمساويون يرون في عضوية تركيا حصاراً جديداً من قبل العثمانيين!!". ويحاول (كاسل)، البحث عن سبب العرقلة النمساوية لافتتاح المفاوضات حول عضوية تركيا ويعيدنا المقال إلى التأريخ مع وصول القائد العثماني (قره مصطفى باشا) في العام 1683 إلى أبواب العاصمة النمساوية فيينا ومحاصرته لها قبل أن يُهزم في معركة لا تزال تمثل حتى يومنا هذا "أحد أكثر الأحداث حضوراً في الذاكرة الوطنية للشعب النمساوي".

أما صحيفة الغارديان البريطانية فقد نشرت يوم 2 تشرين الأول 2005 مقالاً نقلته هيئة الإذاعة البريطانية BBC على موقعها الإلكتروني كتبته (هيلينا سمث) من اسطنبول جاء فيه أن تركيا قد تشهد ما أسمته بـ(فورة قومية) في حال استمرت بعض الدول الأوروبية في معارضتها البدء بمحادثات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي ويعود ذلك حسب المقال إلى إحساس الشارع التركي بالغبن حيال الطريقة التي تتصرف بها بعض الدول الأوروبية مع رفض عضوية تركيا، بعد أن كان القرار ببدء محادثات الانضمام قد أعطى في شهر كانون الأول/ديسمبر 2004، آمالاً كبيرة لها.

ومن جهته، نفى وزير الخارجية الفرنسي (فيليب دوست بلازي)، أن يكون بدء محادثات دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي المقرر يوم 3 تشرين الأول 2005، سيؤدي بشكل تلقائي إلى انضمامها للاتحاد. وقال متحدثاً لإذاعة أوروبا رقم (1): "إن الإيحاء بأن التفاوض يعني الانضمام هو خطأ". وقد عدَّ هذا الأمر في غاية الصعوبة بالنسبة لتركيا لأن الاتحاد الأوروبي يطلب منها الكثير من أجل التكيف مع القوانين والقيم الأوروبية. وقد أشار الوزير الفرنسي كذلك إلى أن هدف دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي هو ربط هذا البلد بقارة أوربا المستقرة والديموقراطية ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى منع (انجراف) تركيا إلى التشدد والتطرف حسب وجهة نظرهم.

ليس من شك في أن بريطانيا تسعى لإدخال تركيا في الاتحاد الأوروبي، وأن (توني بلير) متحمس لذلك، وقد يسعى لإقناع نظرائه بقبول البدء بالمباحثات مع تركيا، وتيسير انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي ويبدو أنه قد فعل ذلك. والى شيء من هذا القبيل أشارت إحدى الصحف البريطانية عندما علّقت على مجهودات بلير قائلة أنها قد تكون أكبر امتحان لتوني بلير.
وتشير هذه الصحيفة "أن بريطانيا تقف إلى جانب انضمام تركيا وهي محقة في ذلك، فان أراد الاتحاد الأوروبي التوسع جغرافياً فعليه تحفيز الإصلاحات الديموقراطية من حوله واثبات إمكانية التعايش بين (الإسلام والمسيحية) فما من فرصة أفضل من هذه" (انظر جريدة الأندبندنت 2 تشرين الأول 2005).
وتضيف الصحيفة ذاتها إلى أن تركيا تحتل موقعاً وسطاً بين الشرق والغرب، وان لها تاريخاً عريقاً في العلمانية والميول إلى الغرب من أيام مصطفى كمال أتاتورك (1923-1938). كما أنها أبانت عن جدارتها عضواً فاعلاً في حلف شمال الأطلسي إلى جانب دول أوربا الغربية.

حقاً كانت الطريق تبدو معبدةً أمام انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قبل سنة من الآن، فان اللجنة المشرفة على الملف كانت تدعمها. كما عبّرت معظم الدول الأعضاء عن قبولها، لكن الأمر الآن يختلف، خاصة وسط البرلمان الأوروبي، حيث تعارض الانضمام المرشحة لمستشارية ألمانيا الجديدة (أنجيلا ميركل)، وكذلك وزير الداخلية الفرنسي (نيقولا سار كوزي) ومن قبلهما جيسكار ديستان رئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق، فضلاً عن تراجع النمسا عن التصويت الإيجابي.
ويقيناً أن إنقاذ المفاوضات لن يكون سهلاً، ففضلاً عن الملف الشائك المتعلق بمسؤولية تركيا في ما يسمى بـ(مجازر أرمينيا)، ورفضها الاعتراف بقبرص، جاءت مطالبة النمسا بعرض (الشراكة) مع تركيا بدل (العضوية الكاملة) لتزيد في الطين بله. إن الموقف النمساوي يعد تغييراً للقواعد في آخر لحظة كما يقال.
لقد زال القلق التركي، عندما دعي عبد الله غول نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي لحضور الاجتماعات مع نظرائه الأوروبيين، والبدء بالمفاوضات، وقد نجح توني بلير رئيس الوزراء البريطاني على ما يبدو في عدم تفويت الفرصة التاريخية، فأقنع نظرائه بوجوب البدء بالمفاوضات وتجاوز ليس فقط الغضب التركي، بل ما قد ينجم عن ذلك من مشاكل وعواقب خطيرة على العلاقات مع العالم الإسلامي في المستقبل.. ومع أن غول كان سعيداً ومسروراً، عندما غادر مطار أنقرة لكنه ظل حريصاً على التأكيد بأن تركيا، وان دخلت الاتحاد الأوروبي، ستظل أمينة على مبادئها وقيمها الإسلامية وإذا لم تنجح المفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وتضمن تركيا العضوية الكاملة، فان (تهمة) (الصبغة) المسيحية على الاتحاد الأوروبي ستظل لصيقة به إلا إذا أثبت المسؤولون عنه عكس ذلك وعندئذ قد يكون دخول تركيا الاتحاد الأوروبي فرصة لبدء مرحلة من مراحل العلاقات بين أوربا والدول الإسلامية.

المصدر: مركز الدراسات الاقليمية - جامعة الموصل – العراق-


ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement