|
غزو السودان.. لتدشين القرن الإفريقي الكبير |
|
|
حينما توالت عمليات العدوان العسكرية الأمريكية على العديد من الدول العربية -بدوافع وأذرع إسرائيلية أحيانا- مثل غزو العراق، والعدوان على الشعب الفلسطيني، وغزو جنوب لبنان، ومحاسبة سوريا، وتحجيم الدور المصري.. انكشفت حقيقة مخطط إستراتيجي أمريكي لتدشين «الشرق الأوسط الأمريكي الجديد» التي تديره تل أبيب، ولم تكن خطوات الحصار والعدوان التدريجية سوى خطوات تكتيكية لتنفيذ هذه الإستراتيجية الكبرى في المنطقة.
ومع أن الضغوط الأمريكية المكثفة على السودان كدولة عربية منذ سنوات تدخل ضمن هذا «الشرق الأوسط الجديد أو الكبير»؛ فقد أظهر تصاعد الضغوط على السودان مؤخراً بهذه الطريقة، وحصاره بسلسلة قرارات دولية انتهت بفرض تدخل قوات دولية يقودها حلف الناتو، أن هناك حلقة أخرى من الاستراتيجية الأمريكية في إفريقيا يجري تنفيذها بالتوازي مع استراتيجية «الشرق الأوسط الكبير»، بل ويجري التعجيل بهذا القرن الإفريقي الكبير حالياً، بعدما أفشلت المقاومة أو عطلت تنفيذ الشق الخاص بالشرق الأوسط.
وكي لا يبدو الحديث عن هذا «القرن الإفريقي الكبير» مجرد تخمينات أو بدعة، نشير إلى أن هذا المصطلح هو أمريكي المنشأ، وأن مسؤولي الإدارة الإفريقية بالخارجية الأمريكية هم أول من تحدث عن هذا وفضحوا مخططاتهم بداية من عام 1995 بما عُرِف حينئذ بـ«مشروع القرن الإفريقي الكبير»، والذي كان يصنف «جنوب السودان» كدولة مستقلة ضمن هذا المخطط.
ووفقاً لـ«مشروع القرن الإفريقي الكبير» الأمريكي الذي اتضحت ملامحه بداية عام 1998، كان المستهدف هو خلق منطقة نفوذ أمريكية كبرى ترث النفوذ الأنغلو سكسوني، وتنافس النفوذ الفرنسي، والأهم أن تصبح نقطة انطلاق استراتيجية جديدة للوجود الأمريكي في ظل مكانة المنطقة الجيوسياسية، والاقتصادية بعد ظهور احتياطي بترولي وفير ومعادن صناعية هناك.
وقد ظهرت ملامح هذه الاستراتيجية الأمريكية تجاه إفريقيا في عهد كلينتون عندما قال خلال زيارته لغانا خلال الفترة من 23/3/1998 إلى 2/4/1998: «لقد آن الأوان لأن يضع الأمريكيون إفريقيا الجديدة على قائمة خريطتهم»، وأكد ذلك كثافة الزيارات التي قام بها مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى إلى إفريقيا؛ مثل زيارة أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية في أيلول 1997 وزيارتها في تشرين الأول 1999، ثم جولة كلينتون في آذار 1998.
أما الدول التي يتكون منها هذا القرن الإفريقي الكبير -وفق التصور الأمريكي- فهي (إثيوبيا - الصومال - إريتريا)، وكل من: أوغندا - الكونغو - رواندا - بوروندي - وجنوب السودان بعد انفصاله؛ حيث كانت إدارة كلينتون تعتبر القيادات الجديدة في عدد من هذه الدول قيادات إصلاحية يمكن الاعتماد عليها، وتركز اعتمادها في السودان على جون غرنغ الذي كان يرفع شعار «سودان جديد».
ولكن هذه الرؤية الأمريكية والسياسة المترتبة عليها تراجعت لأسباب موضوعية -كما يقول الصادق المهدي رئيس وزراء السودان السابق- بعدما دخلت القيادات الجديدة في القرن الإفريقي في نزاعات داخلية وصراعات، كما سعت الخرطوم لإفشال هذا المخطط وسياسات العزلة الأمريكية.
قرن إفريقي كبير.. وجديد!
والجديد في التفكير الأمريكي في ظل إدارة بوش اليمينية الحالية أن إحياء هذا القرن الإفريقي الكبير، ارتبط بأفكار أخرى لا تقتصر على خلخلة القرن القديم وإثارة القلاقل وتشجيع انفصال أقاليم، وإعادة تركيب أقاليم أخرى على أسس قبلية وعرقية بحيث تكون موالية لأمريكا، ولكنه ارتبط هذه المرة برغبة أكبر في توسيع حجم هذا القرن الإفريقي وتصنيفه وتنسيقه مع خطط الشرق الأوسط الكبير.
بمعنى أن يتم سلخ المناطق الشمالية (العربية) في إفريقيا وضمها لمخطط الشرق الأوسط (الأمريكي) الجديد، وإدخال المناطق الجنوبية والغربية في إفريقيا -ومنها جنوب السودان ودارفور والصومال ضمن هذا المخطط- لبناء قرن إفريقي أمريكي كبير يعتمد على ولاء الأنظمة دون اعتبار لعمليات الفك والتركيب العرقية والقبلية، ويستعين بالمنظمات التبشيرية والإغاثية (الاستخبارية) الغربية.
وربما يفسر هذا ضمناً لماذا تم التصعيد الغربي في أزمة دارفور، وسر الاهتمام الأمريكي بأزمة دارفور واستغلال الأسباب الإنسانية لتحويلها لقضية سياسية، ومزاعم إبادة بواسطة «العرب» السودانيين بحق السكان من أصل إفريقي، بهدف التدخل في المنطقة في نهاية المطاف.
قاعدة انطلاق أمريكية لإفريقيا
ولأهمية وكبر مساحة حجم السودان وأهميته الاستراتيجية كرابط بين «الشرق الأوسط الجديد» و«القرن الإفريقي الكبير»، جرى التركيز على السودان والتدخل فيه باعتباره قاعدة انطلاق للسياسية الأمريكية في إفريقيا.
وقد ألمح لهذا تقرير أعده مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن في كانون الثاني 2004؛ حيث أشار لصدور قرار عن الكونغرس بتكوين لجنة استشارية للسياسة الأمريكية في القارة الإفريقية، أوصى باعتبار السودان «قاعدة انطلاق جديدة للسياسة الأمريكية في القارة الإفريقية»، ولكنه تحدث عن هذا المخطط بالطريقة الأمريكية المنمقة المعهودة عن تحويل السودان الى نموذج للديمقراطية في إفريقيا بعد إحلال السلام فيه، بحيث ينتقل صداه فيما بعد من دول القرن الإفريقي وصولاً لدول الشرق الأوسط عبر البحر الأحمر.
وقالوا إن السودان يشكل في هذا الخصوص نموذجاً قيادياً للدول الإفريقية بشكل عام بشأن كيفية حل الصراعات الداخلية، والمشاركة السياسية عن طريق السلام (يقصدون به فصل الجنوب ودارفور عن الشمال)، وهو تصوّر خطير خصوصاً أن من يعتمد عليهم هذا المخطط من القادة الأفارقة (مثل يوري موسيفيني رئيس أوغندا) لهم مطامع بشأن بناء دولة للتوتسي مثلا تضم التوتسي في رواندا وأنغولا وغيرها، وبالتالي تجزئة الدول وتفكيكها، رغم أن التقرير يؤكد أن المصالح الأمريكية في إفريقيا ستكون مهددة باستمرار إذا استمرت تلك الصراعات العرقية في القارة.
يبدو أن «مشروع القرن الأمريكي الجديد» أو الكبير، يستهدف خلق موطئ قدم أمريكي جديد في إفريقيا واستغلال وضعه الجغرافي وموارده الطبيعية الغنية، وهذا لن يتحقق قبل تنفيذ سلسلة تدخلات وضغوط وحصار يستهدف في النهاية فك وتركيب دول بمزاعم نشر الديمقراطية، في حين أن الهدف النهائي هو السيطرة على موقع إستراتيجي جديد في القارة الإفريقية، والاستفادة من ثرواته الهائلة، وتحديداً النفط الذي هو محور المطامع الأمريكية، حيث تشير تقارير لرفع نسبة استيراد أمريكا من النفط الإفريقي بحلول عام 2015 إلى 50% من مجموع نفطها المستورد ضمن خطط لتخفيف الطلب على النفط العربي.
وإذا ما أدركنا أن الاحتياطي الإجمالي النفطي السوداني مرجح أن يصل إلى ثلاثة مليارات برميل، وأن القسم الأعظم من آبار البترول السودانية هي في الجنوب والغرب والشرق، يتّضح لماذا ارتبطت بهذه المناطق قلاقل وتدخلات أمريكية ولو بطريق غير مباشر مع أعوان أفارقة، وانتهى الأمر باتفاقات سلام تشجع على الانفصال ضمناً أو تغل يد الحكومة المركزية عن هذه المناطق.
قرارات.. قرارات
ولصعوبة عمليات سلخ إقليم دارفور (كل أبنائه من المسلمين سواء العرب أو الأفارقة)، فقد بدأت المؤامرة بالتغلغل التبشيري وترويج مزاعم الإبادة الجماعية والضغط على الخرطوم للتدخل في دارفور رغم أن الصراع هناك قبلي قديم وسبق أن تكرر عدة مرات، تلا هذا توالي القرارات الدولية والضغوط الأمريكية؛ حتى إنه صدر قرابة 50 تقريراً من الأمين العام للأمم المتحدة أو قرارات من مجلس الأمن بشأن السودان في غضون عشر سنوات (منذ عام 1996 حتى 2006) بهدف تضييق الخناق على حكومة الخرطوم، كل منها يقدم لفكرة التدخل الدولي، حتى صدر القرار الأخير رقم 1706 بالتدخل الفعلي.
فالقرار رقم 1556 لعام 2004 أمهل الحكومة 30 يوماً فقط لتسوية الأزمة في دارفور، واتهم القبائل العربية والجنجويد بأنهم السبب في المأساة، ولم يتطرق لهجمات المتمردين المدعومين من جهات غربية، والقرار رقم 1564 أعلن عن قلقه الشديد من أن حكومة السودان لم تفِ تماما بالتزاماتها الواردة في القرار 1556، وأيد اعتزام الاتحاد الإفريقي تعزيز وزيادة بعثته للمراقبة في إقليم دارفور بالسودان، واعتبر الوضع في السودان يمثل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، ولاستقرار المنطقة، وهدد بفرض عقوبات اقتصادية على الحكومة السودانية.
وكان قرار مجلس الأمن رقم 1593 الخاص بإحالة من يشتبه في ارتكابه جرائم حرب في دارفور لمحكمة الجنايات الدولية سابقة خطيرة منذ أن تأسست تلك المحكمة بروما عام 1998، حيث كان مجلس الأمن يلجأ إلى تكوين هيئات مساعدة على مثل المحكمة المؤقتة لمجرمي الحرب والإبادة الجماعية في رواندا، أو تلك الخاصة بمجرمي الحرب في يوغسلافيا، واتخذ القرار مرجعيته من تقرير البعثة الدولية المكلفة من قبل مجلس الأمن لتقصي الحقائق حول انتهاكات اتفاقيات جنيف لتأسيس وثيقة الاتهام الأساسية حول هذا الموضوع، بالرغم من كثرة التناقضات والمبالغات التي حفل بها التقرير؛ وهو ما وضع السودان تحت الوصاية الدولية بشكل أو بآخر.
وتوالت القرارات حتى صدر القرار 1706، الذي أقر التدخل الدولي بالفعل في السودان وحدد آلياته، وارتكز عملياً على الفصل السابع من ميثاق المنظمة؛ وهو ما يعني إعطاء قوات التدخل الدولية حق استعمال القوة وتجاهل الحكومة السودانية وخرق سيادة البلاد.
وتبع هذا تصاعد حدة الضغوط الغربية تجاه الحكومة السودانية عقب رفضها المتجدد لقرار مجلس الأمن رقم 1706، وهجوم شديد قاده أعضاء في الكونغرس مطالبين بتدخل عاجل للناتو في دارفور، وتوالي اتهامات للحكومة بقصف مدنيين في الإقليم، ثم تحذيرات من الأمم المتحدة بتدهور الوضع الإنساني وتهديد بانسحاب المنظمات الإنسانية إذا أصرت الحكومة على موقفها الرافض للقوات الدولية؛ وهو ما يستهدف في نهاية المطاف تهيئة المسرح الدولي للتدخل العسكري.
حصار، ثم البدء بخطوات لغزو السودان عسكريا تحت زعم وجود أزمات إنسانية، يستهدف في نهاية المطاف تدشين هذا القرن الإفريقي الكبير،بالتوازي مع خطط الشرق الأوسط الجديد، عبر تفكيك السودان كدولة التماس بين هذين المخططين الإفريقي والشرق أوسطي، تمهيداً لإعادة رسم المنطقة الإفريقية والعربية، بما يخدم في نهاية الأمر المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
|